الحمامة والغراب

بقلم ليلى طارق الناصري.

هل تحبون الغراب !؟؟ …من منكم يكره الحمامة؟!! تلك الوادعة بريشها الجميل وألوانها الأجمل وصوت هديلها الذي يثير الحنين في النفس بكل تأكيد لن أجد من يكرهها وإن كرهها لن يجاهر في كرهه لها.

وكم منكم يحب الغراب؟!؛ وغالبا لا يوجد من يحب الغراب ويتغزل به كما يتغزل بالحمامة وإن وجد فهم قليلون جدا جدا …الغراب ذلك الطائر الراقي بأناقة مظهره والذكي بسلوكه…ريشه الأسود اللامع يضفي هيبة جميلة أما ذلك الذي يتمتع باللونين الرمادي والأسود فهو كمن يرتدي بزة رسمية للسهرة (سموكن)…لكنه للأسف الشديد مظلوم اجتماعيا حيث أنه ينعت بآسوء الأمور إلا وهي الشؤم ورغم من أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يتطير وقال أن التطير من صفات الجاهلية إلا إن الناس استمرت تتشأم من الغراب والبومة والكلب الأسود والقطة السوداء والخ ….أنها ثقافة موروثة لا تمت إلى الصحة بشيء

سأروي لكم قصتي الشخصية مع الغراب الذي أحبه منذ نعومة أظفاري ولا أعلم لماذا فقد كنت طفلة صغيرة مقبلة على كل الحياة وتستكشفها بشغف وكنت أحب كل شيء حولي تقريبا وكان الغراب من ضمن ما أحب ولكن لم أكن أجرؤ على القول أني أحبه أو أجادل من أجله أمي أو أي أحد كنت أخشى من ردة فعلهم إذا أخبرهم أنني أحب ذلك الطائر لماذا هم يكرهوه ؟!! وكنت أسمع الكثير من الأمثلة الدارجة على لسان الناس

(غراب البين ضيع المشيتين ) …( غراب يقول لغراب وجهك مصخم ) (ها بشر حمامة لو غراب ) رمزا الى أن الحمامة شيء ايجابي والغراب شيء سلبي !!

وصوت الغراب النعيق وهو مزعج واتفق معكم انه مزعج لكن من قال أننا كاملون ؟!! وهل صوت الكلب جميل؟!! أم صوت الأسد ؟!!

لقد كبرت وأصبحت بالمدرسة وكل يوم أتصبح فيه بالغراب بحديقة بيتنا يكون يوما أجمل من غيره من الأيام وكان ولا زال عندي عادة أن القي التحية على مخلوقات الله وأنا أمر بها فكنت أحييه وامشي وهو يقفز بقفزاته المضحكة والتي تبعث السرور بالنفس وينعق بصوت لكنه ليس قوي واردد بيني وبين نفسي أنه يرد السلام يا ليلى وأمضي الى مدرستي وكنت اتمنى ان أرى غراب صبيحة كل يوم عندي فيه امتحان لأنني اتفائل فيه جدا وذات مرة كنت مع أبي رحمه الله في السيارة وقد أوصلني الى جامعتي المستنصرية وكان هناك أزدحام مروري للسيارات امام الباب الرئيسي للجامعة وتوقف أبي ينتظر وإذا بغراب يحط على مقدمة سيارتنا فأبتسمت أنا لا شعوريا (كما أخبرتكم كنت أخشى أن أقول أنني أحبه) وخرجت من فمي صيحة فرحة فنظر أبي وقال ( شنو – ولول- تحبين الغراب؟!!)!؟؟ فأجبته ( إي والله بابا أحبه ما اعرف ليش ويعجبني وأتفائل يوم يلي أشوفه) فأبتسم أبي وقال ( سبحان الله أمي كانت تحب الغراب, بيبيتج الله يرحمها كنت هيج و أنتي طالعة عليها! )

وهنا اندهشت أن تكون للوراثة فعلا هذا التأثير؟!! لكني من يومها تخليت عن خوفي وبدأت أجاهر بمحبتي لذلك الطائر المظلوم اجتماعيا وكيف يظلم وهو رمز للعدالة الاجتماعية ؟!! هو يعيش بشكل أسراب ومجاميع وهذه المجاميع تمتلك قوانين ثابتة ولا يخرج عنها أحد من أفراد السرب الا وعَقِب بعقوبة تتناسب والذنب ولديهم محاكم ومجلس من شيوخ السرب لتداول الحكم وعندما يصدر الحكم ينفذ كل أفراد السرب العقوبة ومثال عن تلك القوانين :

  • إذا ضبط غراب يتعدى على أنثى غراب أخر يحكم علية بالنقر حتى الموت ومن ثم يرحلون ويتركوه ويرجع واحد من طيور السرب فقط حتى يدفنه.
  • إذا اشتكى غراب على غراب آخر خرب له عشه يحاكم عليه ببناء عش أخر للمتضرر.
  • أذا ضبط غراب يسرق طعام صغار غراب أخر يحكم عليه بالتشهير حيث يكون هناك اجتماع للحكم عليه ويحاول الغراب المذنب الإنكار إلا انه يحاصر بالشهود ومن ثم يعترف فيصبح إفراد السرب مثل حلقة حوله ويظلون ينعقون حوله بطريقة معروفة لديهم أنها تجلب العار.
  • إذا تكرر الفعل من نفس الغراب لخرقه القوانين يطرد يحكم عليه بالنفي من السرب وبالتالي يموت وحيدا وهي عقوبة قاسية.
  • ولا يصدر الحكم ألا بعد المحاكمة والتداول ويحصر على أن يحضر كل أفراد السرب حتى الصغار كي يتعودوا على قوانين السرب.

والغراب يمتلك ذاكرة قوية جدا وله قدرة على حل مسائل حسابية تقابل عمر طفل 6 سنوات. ويستطيع الغراب تذكر وجوه البشر إذا بقي الإنسان أمامه 15 دقيقة متواصلة يحدق فيه ولديه قدرات قتالية وشجاع جدا لدرجة أنه يواجه الصقر برغم من ان حجمه أضعاف الغراب وأكثر ضراوة منه الا انه شجاع في المواجهة والدفاع كذلك الغراب متنوع جدا في غذاءه والغراب لا يأكل الجيف عكس ما يشاع عنه.

ومع كل هذا لايزال هذا الطائر مظلوم اجتماعيا ويوصم بأنه بشع المنظر ويسخر من صوته ومشيته ويتشأم الناس منه كثيرا والغريب انه الكائن الوحيد الذي أجمع على ظلمه الناس في الشرق والغرب من الكرة الارضية ؟!! حتى البومة بالغرب هناك من يحبها ويعتقد فيها الحكمة الا الغراب الجميع يكرهه…

في إحدى التدريبات التي شاركت فيها طلب منا المدربين أن نختار قضية تهمنا شخصيا ونعرضها ونجيب عن الأسئلة التي توجه لنا وندافع عن وجهه نظرنا خلال خمس دقائق فقط وقد اخترت الغراب كي أطرح كم هو مظلوم وكم نحن مجحفين بحقه بسبب أفكار مسبقة دونما أن نكلف أنفسنا البحث عن طريقة عيشه والتعرف على سلوكه أنما (هذا ما وجدنا عليه آبائنا الأولون )! وكان التدريب يشمل الناس من مختلف الجنسيات عربية وأجنبية أوربية ومنهم من روسيا كذلك والجميع أستغرب ما أخبرتهم عن الغراب لدرجة أن أحدهم باشر البحث على النت ليجد أنا أتحدث حقائق أم أفتعل موضوع من أجل الفوز بتلك المسابقة بأن أعرض شيء غريب …وكانت تلك بدايتي مع أننا يجب أن نغير في نظرة الناس للأمور لا يجب نبقى أسرى النقد الصامت وأسرى الأفكار المسبقة الجاهزة وعلى أساسها نبني معتقدات وتصبح سلوك ويكون سلوكا سلبيا على حياتنا ومن حولنا فكم من أمر تلقينا بدون تفكير وقبلنا به كمسلمات وأصبح سلوكا نمطيا بحياتنا ونحن لا ندرك أن كان حقا أو باطلا وكم ظلمنا أنفسنا بقبولنا هذا الأحكام المسبقة قبل أن نكون ظلمنا الآخرين؟!!

4 آراء على “الحمامة والغراب”

  1. الله الله الله يالولو موضوع جميل وبديع وبالفعل هناك الكثير في حياتنا نشأنا وتربينا عليها كأمور مسلم بها وعادات وتقاليد ببساطة ننفذها ونمارسها لاننا وجدنا ابائنا واجدادنا يمارسوها ولكن طالما هنالك عقل يفكر ويعي المفروض نغير الكثير من المعتقدات والممارسات الخاطئة ونطور من انفسنا ومن طريقة تفكيرنا ونظرتنا للامور والحياة …. عاشت ايدك ياصديقتي

  2. جميل جدا ليلى
    لكن ليس قليل من يحب الغراب
    فهناك مجتمعات تتفائل به
    موضوع جدا رائع ونقد لسلوك اجتماعي عبر ربطه بموضوع شائع
    احييك ليلى

  3. موضوع رائع جدا، استمتعت بقرائته، انا ايضا من محبي الغربان، لم اكن مقتنعة يوما بهذه المعتقدات السلبية!
    في مرحلة المتوسطة، كانت هناك حديقة كبيرة ( مهجورة) داخل المدرسة و التي تقع بجانب ساحة المدرسة التي نقضي بها معظم اوقاتنا خارج الصف و كان فيها الكثير من الغربان. بعد نهاية الدوام المدرسي تاتي الغربان الى الساحة. والدتي كانت مدرسة في نفس المدرسة و كنت انتظرها بعض الوقت في ساحة المدرسة و كثيرا في وقت الامتحانات، كنت اتمتع بالنظر الى الغربان، كنت اتفائل بهم الى حد ما و خاصة في اوقات الامتحانات. مر الوقت و هاجرت الى هولندا و تفاجات ان الهولنديين يتفائلون بالغربان. لا اخفي انني فرحت بذلك، احسست حينها ان هناك مجتمعات اعدلت بحكمها على هذا الحيوان الذي ب
    خلقه الله مثلما خلق البشر و غيرهم.

  4. الله ليلى كلام جميل جدا ليس غريب عليك عزيزتي أن تمتعينا بمواضيع شيقة وغير مألوفة أحسنتي حبيبتي فقد اجحفنا حق هذا الطائر الأنيق وريشه الأسود اللامع بالمناسبة أجد الغراب بالريش الأسود أجمل بكثير من الذي يلبس بدلة سموكن

اترك رد