يكاد المريب يقول خذوني

بقلم نزار مكطوف
فجأة علا الصراخ داخل الباص
رجل بسيط يتلفت وعيناه تستجديان العون
(فلوسي ياعالم فلوسي نباگت ) بحرقة وانكسار كان يخاطب الركاب ،
يجلس بحانبي رجل وقور طاعن في السن عيناه الصغيرتان تجوﻻن كالصقر تتفحصان الوجوه
بثقة عالية صاح باحدهم اخرج نقود الرجل بسرعة وانا اعدك ان نتركك تمضي بسلام  واﻻ سوف نأخذك الى مركز الشرطة وهناك سيعرفون شغلهم معاك ،
اخرج الفتى محفظة من جيبه وسلمها بكل هدوء وانسل خارجا من الباص …
انشغل الرجل البسيط بتفحص محفظته ، وانشغل الناس بتهنئته ، اما انا فشرعت بسؤال الشيخ بجانبي باعجاب ودهشة :
كيف عرفت السارق ياعم ؟!
-يكاد المريب يقول خذوني يابني
-ولكن كيف ؟!
– مهلا يابني ساروي لك حكاية اعجب من هذه رواها لي من هو اكبر مني سنا
-تكلم ياعم كلي شوق لسماعك
استوى في جلسته واستدار نحوي وقال : روى لي احد معارفي انه في احدى محافظات الجنوب كان هناك سوق لبيع المواشي وكان السوق صاخبا وفي صخبه فرصة للسراق وكان الراوي هو احدهم وقد قال لي :
كنت شابا يافعا فخورا بخفة يدي وبقدرتي على سرقة احرص الناس على نقوده ، وفي زحمة السوق لفت انتباهي رجل قد فتح محفظته ليشتري شيئا وكانت مليئة بالنقود من فئة العشرة دنانير ((نوط ابو العشرة كما كان يدعى آن ذاك )) فبادرته بخفة يدي وبمهارتي المعتادة لم يستغرق اﻻمر اﻻ لحظات حتى استقرت محفظته في جيبي ، اخذت مافي داخلها ورميتها بعيدا واتجهت نحو المقهى بجوار السوق وجلست اشرب الشاي منتشيا فرحا بربحي وإذا بالرجل صاحب المحفظة وقد دخل المقهى يتلفت ، مشى متخطيا الكراسي حتى انتهى به اﻻمر الى الجلوس بجانبي ، جلس والتفت نحوي وخاطبني قائﻻ : ياولد لقد تمت سرقة محفظتي وانا على يقين ان النقود عندك ولك احد امرين اما ان تحلف واما ان تعيد نقودي-لقد جائك الفرج قلتها في نفسي واجبته قائﻻ : نعم احلف احلف
-إذن نذهب الى مقام السيد …. وهو على بعد اميال من هنا ويمكننا ان نصل اليه ونعود قبل الغروب تحلف هناك وتبرئ نفسك من التهمة .
– هيا بنا هيا بنا ( قلتها وانا واثق بنفسي فما ايسر ان احلف واحتفظ بالنقود )
مشينا حتى انتصف النهار في طريق موحش
وإذا بعظم لحيوان ما ملقى على اﻻرض
توقف البدوي وقال لي : ان المسافة طويلة وانت تعبت وﻻيمكنك السير احلف بهذا العظم  وانا سأصدقك .
نظرت الى العظم فبدأت تتراءى لي صور مخيفة وتخيلت اني ممكن ان امسخ اذا حلفت فلم اتمالك نفسي اﻻ ان اعترفت والقيت النقود على اﻻرض ووليت هاربا …
صمت الشيخ برهة وهو ينظر نحو السماء من خلال النافذة ثم نظر لي وقال :
يابني خذها مني نصيحة صفي قلبك من اﻻحقاد والضغائن وعمره بالخير وزد يقينك بالله عندها ستكون متفرسا تنظر بعين الله
فقد قال النبي صلى الله عليه وآله:اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.. يعني ينظر بنور وهبه الله له
يابني ان الباطل ضعيف مهزوز يكاد ان يبدي بنفسه وﻻيستطيع الصمود امام من ينظر بعين الله
انهى الشيخ كلامه وصاح بسائق الباص (نازل يمك نازل ) التفت الي وقال مع  السلامة عمي
وانا اتمتم نعم ياعم صدقت
 يكاد المريب يقول خذوني
يكاد المريب يقول خذوني …

رأيان على “يكاد المريب يقول خذوني”

  1. الله نزار قصة روعة روعتها في عبرتها كم من مرة تعرضت لهكذا مواقف لكن كل مرة لا اجد السارق الله يأخذ حقي لكن الذي يذهلني خفة اليد وإنعدام الضمير سلمت يداك أخي العزيز

  2. اني اسمي مثل هيجي ناس ب ( صرافي البشر) أي لهم القدرة في معرفة الناس وتصرفاتهم وهذه القدرة هي جزء منها هبة من الله والجزء الآخر يأتي من كثرة التجارب في الحياة …
    بالمناسبة اني شخصيا عندي هذه القدرة واتوقع أفعال الآخرين وما يدور في خاطرهم بمجرد التكلم معهم لمدة لا تزيد عن النصف ساعة لكن لا أزعم بقدرتي على كشف السراق بمجرد النظر في وجوههم

اترك رد