الشكل الحقيقي للمسيح

اتفق مع مقولة الدكتور پيتر سوونس, طبيب ومتخصص في فن النحت وتكنولوجيا الثلاثي الأبعاد “الصورة لها تأثير كبير على روح الانسان”. من هذا المبدأ وعلى مدى مئات السنين حاول الكثير من العلماء، الباحثين، والمؤرخين الاجابة على سؤال: ماهو الشكل الحقيقي ليسوع المسيح؟

هناك مصادر تروي احاديث عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصفه للنبي عيسى كونه رجل قوي البنية، متوسط الطول، شعره طويل يقع على كتفيه، بشرته مائلة الى الاحمرار او لون بني خفيف. في العصور الوسطى وعلى مدى التاريخ صوّر فنانين ورسامين المسيح بأشكال مختلفة وهيئات مختلفة وفِي احداث مختلفة، ومنها لوحة “الحساب الاخير” لمايكل أنجلو و “العشاء الاخير” لليوناردو دافنشي ولوحة “التجلي” لرافائيل ولوحة “العرس في كانا” الشهيرة لپاولو ڤرونيسة – وهي اول لوحة رُسمت تصور ماذكره العهد الجديد عندما حول المسيح الماء الى نبيذ. كذلك صورت الشعوب المختلفة عبر السنين المسيح حسب طريقة تفكيرهم وحسب بيئتهم، فنجد صورة او لوحة للمسيح من افريقيا, مثال ذلك الرسوم في كنائس أثيوبيا والجداريات, والشئ نفسه عند سكان أمريكا الجنوبية.

في القرن العشرين اعتمد الكثيرين الصورة الهوليودية التي جسدها الممثل الامريكي جيفري هانتر عام 1961 من فلم ملك الملوك. السبب يعود كون الفلم الاول بتاريخ السينما الذي يصور وجه المسيح، الأفلام التي سبقته مثل “بن هور” صورت يد المسيح فقط او تصوير من الخلف او الكتف. تكررت التجربة بتجسيد المسيح من خلال فلم الآم المسيح سنة 2004 إخراج الفنان الكبير مل جيبسون, والذي ركز بصورة خاصة على أحداث صلب المسيح وما بعدها. للمعلومة إنه الفيلم الاول بتاريخ السينما الذي فيه اللغة الارامية وهي اللغة التي كان يتكلم بها المسيح والناس في ذلك الوقت والى يومنا هذا هناك من يتكلم بها مثل سكان مدينة معلولا بسوريا.

اما على مستوى الكتاب والباحثين فهم كثيرين، منهم من بحث في الموضوع من اجل الشهرة والبعض الاخر لإثبات حقيقة علمية بعيدة عن الجانب الديني، فعلى سبيل المثال الكتاب المثير للجدل “مفتاح حيرام: الفراعنة، الماسونية، و استكشاف مخطوطات المسيح” للكاتبين كرستوفر نايت وروبرت لوماس – حيرام حسب المصادر هو حيرام ابيف، وهو المهندس الذي انيطت له مهمة تصميم وبناء هيكل سليمان. الكتاب يصور  المسيح كونه متوسط القامة بحيث لايمكن تمييزه بين حشود الناس وذو شعر مجعد تقريبا, وغيرها من الصفات التي تغاير النظرة الهوليوودية المعروفة . بعض الباحثين ذهبوا الى ماهو أعمق من هذا، حيث قاموا بدراسات على الكفن الذي لُف فيه المسيح بعد صلبه، المعروف بكفن تورينو (نسبة الى مدينة تورينو الإيطالية والتي معروض فيها هذا الكفن) وعن طريق التكنلوجيا ونظم المعلومات تم اخراج صورة ثلاثية الأبعاد كاملة لوجه وهيئة المسيح. هناك هناك من عارض وانكر هذا البحث بصورة قاطعة : كفن تورينو لا يعود للمسيح بالأصل وإنما هو لاحد قادة فرسان الهيكل الذي عادوا إلى أوربا من الأراضي المقدسة وتم تعذيبه من قبل الكنيسة الكاثوليكية انذاك  بل ان يموت في السجن وتم لف جثته بهذا الكفن.

ظلت البحوث في شكل وهيئة المسيح مصدر من مصادر الإلهام والشغف لدى المؤرخين والعلماء وحتى رجال الدين ولَم تتوقف في دراسة المخطوطات والكتب القديمة على مر العصور. في عام 2015، قام الباحث وخبير الطب الشرعي ريتشارد نيف بدراسة عدد من الجماجم التي تعود للفترة الزمنية التي عاشها المسيح واستخدم تقنيات حديثة جدا في الطب الشرعي واعتمد على بعض المصادر من الإنجيل ومنه أخرج صورة جديدة للمسيح. ويصور الشكل الجديد للمسيح رجلا ممتلئ الوجه ببشرة سمراء اللون وشعر قصير مجعد داكن اللون ولحية كثيفة، وهي ملامح نموذجية حسب رأى الباحث لرجال عاشوا بتلك الفترة في منطقة الجليل.

بكل الأحوال فان كلام الدكتور سوون صحيح حول تأثير الصورة بالروح، ولنا أن نتخيل ردود الفعل مثلاً كون نابليون لديه أنف بارز وقصير القامة , أو كيف إن الموناليزا مصدر إلهام للشعراء والفنانين وحتى المهرجين.   واذا ماتبعنا الجانب الظاهر من إدراكنا وحبنا لماخلقه الله من كل شئ جميل حولنا سواء بشر او حيوان او طبيعة, فان طبيعة البشر وفضوله كواحدة من الغرائز التي يمكن ان تكون ايجابية او سلبية يعتبر دافع أساسي في البحث عن المجهول، بغض النظر عن الأهداف. لكن إذا نظرنا بعمق، وتجاوزنا الظاهري والمادي، هل هو شكل أو هيئة يسوع المسيح الحقيقي مهم لنا إلى هذي الدرجة؟ هل سيجعل حبنا أكبر أو تقربنا منه أو من الله خالقنا أكثر إيماناً وتعبداً؟ الأهم يكمن في شئ واحد أساسي وجوهري: بعيد عن المظهر، بعيد عن كون المسيح كانت لديه بشرة داكنة او شعر طويل بغاية الاستواء، أو العكس, الأهم من كل هذا ان المسيح هو المخلص والمعلم، منه يجب ان نتحول نحن البشر أي نغيّر من اتجاهنا بأن نأتي من تحت الدينونة. يسوع المسيح  يطلب من الناس أن يكونوا صادقين مهما كان الثمن، وعدهم بحياة أبدية خالدين فيها بدون حزن أو ألم.  يسوع المسيح يجتذب الناس الى محبته، جاء برسالة الإيمان الى البشر، هو المثال للكمال والعطاء، جاء بإعجاز وسيظهر بإعجاز، وهو القدوة لنا في الأخلاق والتواصل بين بني البشر والمحبه.

كل عام وانتم بالف خير

الصورة: photo.eutony.net

رأيان على “الشكل الحقيقي للمسيح”

  1. مقال جميل وممتع. المشكلة أن كل كاتب يصوره ويصور القدماء بطريقة مختلفة وهذا ما يزيد حيرتنا وصعوبة الأمر علينا سواء كان الأمر يتعلق بصورة السيد المسيح او النبي أو الأئمة أو اي شخصية تاريخية

اترك رد