كل عام وأنتم المحبة

ليلى طارق الناصري.

في كل مرة أحاول فيها الكتابة أجد نفسي حائرة ويدي مسمرة ليس لأنني لا أريد الكتابة أو لا أعرف ما سأتناول كموضوع وإنما كيف ابدأ معكم ال( سالفة) من أين تبدأ الحكاية كما يقال ولأنني هذه المرة سأحدثكم عن علاقتي والمسيحية لكنه ليس مقال ديني ولا توجيهي ولا معوضة إنما هو حديث ع، تجربتي الشخصية كتجربة حياتية لفرد ما من المجتمع العراقي ربما تكون مشابه لملايين من العراقيين أحببت أن أشارككم جانبا منها لأن ذكرها كاملة لا مجال لحصره في مقال أو ثلاث حتى!

عندما كنت في  الروضة كان لي نصيب من الاصدقاء المسيحيين وكل ما كنت أكبر بالعمر كان هؤولاء الاصدقاء يزدادون وتتعمق علاقتي بهم وكان لي زيارات شبه ثابتة  كل أحد الى قداس الكنائس لكن من أكثر الكنائس التي واضبط على زيارتها أوقات قداس الأحد هي كنيسة ماريوسف شفيع العمال في حي الشرطة نهاية شارع الربيع في حي الجامعة وكانت التسمية الدارجة لها ( كنيسة النفق ) لأنها تقع في نهاية نفق الشرطة الذي يربط شارع الربيع بشارع يؤدي الى شارع السفارات بالعامرية وشارع يوصل الى جسر حي العامل.

من أجمل الأوقات التي اذكرها الى الآن وبحب وفرح شديدين هي تلك الأوقات التي كنت أتقاسم بها الفرحة مع صديقات العمر مثل بان جوزيف ، لهيب سامي، رغد متي رحمها الله، أسيل صبيح، علاء رضاعة، لينا كوركيس ،عمار محسن وغيرهم كثر وكل من ذكرته هو وعائلته وعشيرته يعرفوني واعرفهم خصوصا عوائل كل من لهيب ورغد ولينا يعني عندي كم كبير من الأصدقاء المسيحيين وبمختلف أطيافهم ارثوذوكس او كاثوليك او حتى أرمن واثوريين وعرب كل أطياف المسيحية المتوفرة بالعراق كنت محاطة بهم أشاركهم ويشاركوني أفراحي وأحزاني ونتقاسم الأكل والشرب وبالمقابل كان هم يشاركونني الكثير من طقوسي الدينية ومباركة في أعيادي وتحضير الإفطار أيام رمضان لي ولعائلتي وأذكر ذات مرة أخذت صديقتي رغد بزيارة الى الكاظم وطلبنا مراد ونذرت وقت تحقق ما طلبت عدنا من جديد الى الزيارة الكاظم ولم يكن عجيبا أو غريبا أن تكون في صحن الإمام الكاظم وهي تلبس عباية وقلادة تحمل الصليب حول عنقها!  هي توزع بعض الحلوى التي كانت قد نذرت توزيعها هناك إذا تحقق مرادها وكنت أرى الكثير من المسيحيين يأتون الى زيارة الحسين والعباس وذلك لوجود بيت جدتي في كربلاء وزيارتنا الدورية كل نهاية أسبوع لذا كنت اعرف الكثير عن كربلاء وأجوائها.

سأحدثكم عن أجمل ما كنت وما زلت احمله بذاكرتي هي تدريبات الأطفال والشماسين معهم من اجل أعياد الميلاد والقداس الكبير وكانت رغد – رحمها الله – أحدى الشماسات اللاتي يدربن الأطفال في كنيسة وكنت احضر لأستمتع برؤيتها وهي تدرب الأطفال بصبر وحب ومنظر الأطفال والشماسين والشماسات والتراتيل كنت أحفظ مقاطع منها معهم لأنني كنت امضي معها الساعات التي تتفانى فيها   لأعداد الأطفال، وكانت رغد تنتقل كالفراشة بين تلك الزهور وأنغام اللحن ألكنائسي تعطي هيبة وهالة من النور لوجهها الجميل وابتسامتها الرائعة التي لم تفارق وجهها يوما حتى في اقسي الأيام التي مرت عليها رحمها الله

القداس كان له جمالية روحية رائعة وهذا ما يتشارك به كل دور العبادة –سبحان الله- على اختلاف الأديان وتنوعها إلا أنها من مشكاة واحدة تتوجه الى الله وهو الله نفسه لا يوجد غيره لذا تجد تلك الطاقة الروحية الكبيرة تتوفر في كل دور العبادة على اختلاف ما تمثله من دين وتلك الطاقة تلفك كما يلفك غطاء دافئ في ليلة شتائية باردة تملئ روحك بدفء جميل وإحساس بالرضا وتخلصك من الكثير من الطاقة السلبية المتمثلة ( بضيق الصدر والإحساس بالهم) كنت أصلي صلواتي الخمس لأنني مسلمة وكنت أحضر قداس الأحد ودروس خلال أيام الأسبوع تقدمها الكنيسة وكانوا يقبلوني بدون أي تحفظ وكانت دوما السيدة العذراء ملاذي في كثير من همومي وكانت شموعي لها لا تنطفئ سواء بالكنيسة أو في بيتي ولازلت كذلك.

ما منحني إياه أصدقائي المسيحيين على طول سنوات عمري و ما مررنا به من نكبات في العراق وما فرقتنا به الأيام وبحور وقارات ومسافات كانوا ولا يزالون هم الأقرب الى قلبي والأكثر تفاعلا معي فرحا أو حزنا ولازلت أنا احرص على أن أكون تلك الأخت المحبة والصديقة الصدوق لأنني ببساطة لا أجد بيني وبينهم فرق

في مثل هذه الأيام من سنوات كنت أدور مع رغد في الأسواق بغداد الجديدة – كرادة داخل وخارج- سوق العربي – شورجة  حتى تتسوق هدايا متنوعة لقائمة طويلة لديها من الأصدقاء والأهل والمعارف وكانت تهديني أنا ومجموعة من أصدقائها المسلمين وغير المسيحيين أيضا هدايا لأنه العيد وفرحة العيد يجب أن تكون للجميع منها تعلمت دروس كثيرة لا مجال لحصرها لكن الأهم هو العطاء الغير مشروط أنت إنسان أنت عراقي أنت صديقي إذن تستحق الهدية في يوم عيدي ! هكذا كانت تردد دوما (ألف صديق ولا عدو واحد) ولم أكن استوعب كيف يمكن أن يكون للشخص ألف صديق!!!! لكن هي فعلتها طوبى لها أينما كانت لأنها بالمحبة حققت ما لا تحققه ملايين الأموال ولا السلطة إنما بالمحبة التي جاء بها المسيح ينادي  … المحبة جاء بها عيسى كلمة الله … عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها على سيدتنا مريم البتول …أنها المحبة تلخص رسالة كل الأنبياء من إبراهيم الى محمد

أن الله محبة  ومن هذه المحبة أقول لكم جميعا واخص بها أحبتي من المسيحيين كل عام وأنت بخير

ميلاد مجيد وعيد سعيد ….أنني أحبكم في الله .

3 آراء على “كل عام وأنتم المحبة”

  1. جميل جدا الوصف ليلى، هكذا كانت حياتنا الكل متعايش مع بعض بحب وسلام. الله يرحم صديقتج رغد و يحفظ كل من بقى من الأصدقاء القدامى والجدد.

  2. استمتعت بكل كلمة في المقال. عاشت ايدج ليلى. بالمناسبة زرت كنيسة ماريو شفيع العمال اكثر من مرة واستمتعت بجمالها. اكولها بكل أمانة وبكل حيادية. الكنائس التي زرتها افضل ملايين المرات من بعض الجوامع والمساجد التي تغذي روادها الكره والبغض وتكفير الآخرين او تلك التي لا هم لها الا الضحك على الموجودين بقصص خيالية تبعدهم عن الواقع ولا تدعوهم الا للحزن والكآبة. اللهم احفظ مسيح العراق ولا تحرمنا من جمال وجودهم.

اترك رداً على ليث حمودي إلغاء الرد