سامحتك

بقلم نضال دوريش.

يعتبر التسامح من أهم الدروس التي ينبغي علينا تعلمها وفهمها ، فالتسامح لديه القدرة على علاج حياتنا الداخلية والخارجية ، وتغيير نظرتنا لأنفسنا وللآخرين .

إن الغضب واللوم الذي نشعر به طوال الوقت سيختفي من حياتنا لو تعلمنا أن نسامح ، ستنتهي الصراعات الداخلية التي يعاني منها الكثيرون ولا يستطيعون المضي قدما في حياتهم .

فاكثرنا يردد :

لن اسامح نفسي على ما فعلت

لن اسامح فلانا على مابدر منه

 

إننا كلما فكرنا بالأشخاص الذين اغضبونا أو سببوا لنا الحزن نعود ونغضب مرة أخرى ويكون قد مر على تلك الحادثة فترة طويلة ، فنحن مازلنا نحمل تلك المشاعر والأحاسيس التي مررنا بها وقتها .

لاذكر لكم قصة راهبيين من الصين كانا يعبران الشارع وكانت امرأة عجوز تعبر بنفس الوقت ، فوقعت أثناء عبورها الطريق ، فركض أحد الراهبيين مسرعا نحو السيدة ثم حملها وعبر بها الطريق ، وبعد مرور ساعتين قال الراهب الذي لم يساعد السيدة كيف حملتها ونحن لايحق لنا لمس النساء ، مالذي جعلك تحملها على عاتقيك .. فرد عليه صاحبه : أنا انزلتها من على كتفي منذ ساعتين أما انت فما زلت تحملها .

 

لماذا نحمل الأشياء التي تضايقنا لأيام واشهر وسنين ، فإذا غضبت من شخص ما لاتهدر طاقتك في الغضب والضيق والحزن وإنما الأفضل أن تسامحه وتتخلص من تلك المشاعر .

 

إن النفس تعطيك دائما أسباب لعدم التسامح :

١- هذا الشخص عمل على ايذائك فلا يستحق أن سامح .

٢- إذا سامحته سيكرر نفس الفعل عدة مرات .

٣- إذا سمحت فأنت ضعيف .

٤- إذا سامحته فانت وافقت على فعلته .

هذه الرسائل سوف ترسلها النفس إلينا مما يزيد من المشاعر السلبية داخلنا ، وبسبب هذه المشاعر فإن معدلات القطيعة والسخط بين الناس تزداد يوميا .

 

إن التسامح ليس ضعفا وليس معناه اني راض عن سلوكه ولا يعني اني لا أتخذ قرارا تجاه من أخطأ بحقي ، لكني اسامحه لاتحرر من تلك المشاعر السلبية التي أشعر بها ، لاحرر قلبي من كل الغضب والحزن الذي أشعر بهما ، ثم أعطي العذر له فأنت لا تعرف ظروفه أو حالته النفسية التي جعلته يتصرف أو يتكلم بتلك الطريقة في ذلك الوقت .

 

كان هناك اخين يمشيان على شاطيء البحر ونشب بينهما خلاف فضرب الأخ الأكبر أخيه الأصغر فكتب على الرمال ضربني أخي ، ثم بعد فترة تعرض الأخ الأصغر للغرق فانقذه أخوه فكتب على الصخر لقد انقذني أخي ، فسأله الأخ الأكبر لماذا عندما ضربتك كتبتها على الرمال وعندما انقذتك كتبتها على الصخر ، فرد عليه أخوه قائلا :

لقد كتبت على الرمال انك ضربتني حتى تجيء الرياح فتزيلها فانساها ،

أما عندما انقذتني كتبتها على الصخر حتى لاتمحى ابدا ولا أنساها .

 

كل الأورام الحميدة والسرطانية هي نتاج لفترات طويلة من الحزن المكبوت والتوتر ، إن هذه الأمراض هي نتاج أفكار تمت تعبئتها أو قمعها داخل عقولنا ، إذا كانت هذه الحالة مدمرة للغاية ربما يكون من الحكمة أن نتجه الى ذاتنا ونلاحظ تأثير هذه المشاعر على المنظومة الجسدية .

 

إن كل ماترسله يعود إليك عبر قانون يسمى قانون الرجوع ، ساروي لكم قصة جميلة توضح هذا القانون:

يحكى أنه كان هناك امرأة تصنع الخبز لاسرتها كل يوم وكانت يوميا تضع رغيف خبز اضافيا لأي عابر سبيل جائع وتضع الرغيف الإضافي على شرفة النافذة لأي فقير يمر ليأخذه وفي كل يوم يمر رجل فقير احدب ويأخذ الرغيف وبدلا من إظهار امتنانه لأهل البيت كان يدمدم بالقول ” الشر الذي تقدمه يبقى معك والخير الذي تقدمه يعود إليك ” ، كل يوم كان الاحدب يمر فيه ويأخذ رغيف الخبز ويدمدم بنفس الكلمات ” الشر الذي تقدمه يبقى معك والخير الذي تقدمه يعود إليك ” .

بدأت المرأة بالشعور بالضيق لعدم إظهار الرجل بالجميل والمعروف الذي تصنعه ، وأخذت تحدث نفسها قائلة : كل يوم يمر هذا الأحدب ويردد جملته الغامضة وينصرف .. ترى ماذا يقصد؟ وفي يوم من الأيام اضمرت في نفسها امرا وقررت التخلص من هذا الأحدب فقامت بإضافة بعض السم الى رغيف الخبز الذي صنعته له وكانت على وشك وضعه على النافذة ، لكن بدأت يداها في الارتجاف “ماهذا الذي افعله ؟” قالت لنفسها فورا وهي تلقي بالرغيف ليحترق في النار ، ثم قامت بصنع رغيف خبز أخر ، ووضعته على النافذة وكما هي العادة جاء الأحدب وأخذ الرغيف وهو يدمدم “الشر الذي تقدمه يبقى معك ، والخير الذي تقدمه يعود إليك” . وانصرف الى سبيله وهو غير مدرك للصراع المستعر في عقل المرأة . كل يوم كانت المرأة تصنع فيه الخبز تصلي لإبنها الذي غاب بعيداً وطويلاً بحثا عن مستقبله ولسنوات عديدة لم تصلها اي انباء عنه وكانت تتمنى عودته لها سالما. وفي ذلك اليوم الذي تخلصت من الرغيف المسموم قرع باب البيت مساءاً وحينما فتحته ، اندهشت حين رأت ابنها واقفاً أمام الباب ، شاحباً ومتعباً وملابسه شبه ممزقة ، وكان جائعاً ومرهقاً ، وبمجرد رؤيته لإمه قال : إنها لمعجزة وجودي هنا ، فعلى مسافة اميال من هنا كنت مجهداً ومتعباً وأشعر بالإعياء لدرجة الإنهيار في الطريق وكدت أن اموت لولا مرور رجل أحدب ، رجوته أن يعطيني أي طعام معه ، وكان الرجل طيباً بالقدر الذي اعطاني فيه رغيف خبز كامل لأكله ، وأخبرني ان هذا هو طعامه كل يوم ، واليوم سيعطيه لي لان حاجتي أكبر كثيراً من حاجته . بمجرد ان سمعت الام هذا الكلام شحبت وظهر الرعب على وجهها واتكأت على الباب وتذكرت الرغيف المسموم الذي صنعته اليوم صباحاً ، فلو لم تقم بالتخلص منه في النار فكان ولدها هو الذي أكله ولكان قد فقد حياته . حينها ادركت معنى كلام الأحدب ” الشر الذي تقدمه يبقى معك ، والخير الذي تقدمه يعود اليك ” .

إذن ببساطة كل ماتفعله سيعود إليك ، ترسل حب يعود إليك حباً ، ترسل تسامح تسامحاً أقوى وأكبر .

سامح نفسك على الخطأ الذي قمت به وتشعر بالغضب والحزن بسسبه ، احضن نفسك وقل لها انا أسف ، كررها إلى ان تشعر بالراحة والرضا عن نفسك . سامح والديك إن كنت تشعر بالغضب منهم عن اي شيء حدث حاليا او منذ الطفولة ، اذهب اليهم احضنهم فرحهم ، وإن قد فارقوا الحياة ايضا سامحهم واطلب لهم المغفرة .

ومن افضل الأشياء التي تقوم بها كل يوم قبل ان تنام سامح كل الاشخاص الذين أزعجوك طيلة اليوم الذيت تعرفهم او لاتعرفهم ، سوف تستيقظ في اليوم التالي لاتحمل مشاعر غضب وتكون قد ارحت نفسك وقلبك ، لنكن متسامحين مع انفسنا ومع الأخرين ونعلم أولادنا قيمة التسامح ، لتكون حياتنا اجمل وأفضل .

 

3 آراء على “سامحتك”

  1. روعة نضال عاشت أيديج. المسامحة والتسامح صفة سامية مهمة أتمنى اكثر الناس يقدر أن يفكر بنفس الاتجاه بالرغم من صعوبته. بالمناسبة كلش حلوة مقولة الأحدب ”الشر الذي تقدمه يبقى معك ، والخير الذي تقدمه يعود اليك”

  2. موضوع صعب اي واحد يتفق أو يتابعه أو حتى يعيش فيه. الطرح روعة وكعادة نضال الأسلوب الراقي بكتابتها يعلمنا شلون نكون بشر أفضل. عاشت إيدك.

  3. طرح جميل جدا. نعم اسامح من يخطأ بحقي عن غير قصد ولكن من يخطأ بحقي وهو يعلم بذلك فلا يمكنني أن أسامحه .
    تقبلي كل الود

اترك رد