فذكّر 3 – دولة النفط اهلها بلا نفط

فذكّر.

الحلقة الثالثة.

دولة النفط اهلها بلا نفط.

 بقلم ليث حمودي.

 

منذ فترة ليست بقصيرة والبيت يعيش حالة انذار قصوى بسبب تعليمات أبي المتعلقة بترشيد أستهلاك النفط الأبيض (الكيروسين). فقد بلغ مستوى النفط في برملينا الأخير أدنى مستوياته وهذا يعني أن المدافئ النفطية قد تتوقف عن العمل في غضون أسبوع ليس أكثر. طبعا يجدر الأشارة الى أن صعوبة الحصول على النفط الأبيض أصبح من أبرز منجزات الحكومات الديمقراطية العراقية منذ سقوط النظام السابق عام 2003 ويتطلب جهدا كبيرا يبدأ اولا بضرورة امتلاك بطاقة وقودية ثم الذهاب الى مجطات البنزين وشراء 50 لتر لكل بطاقة فقط. أما قبل ذلك فقد كان الحصول على النفط الأبيض اسهل من شرب الماء ولم يكن ثمن ملئ برميل بسعة 300 لتر سوى بضعة آلاف من الدنانير وربما لا تتجاوز ال 10 الاف لأنني لست متأكدا من ذلك وهذا ليس تمجيدا للنظام السابق الذي ابعدني عن أهلي لسبع سنوات كاملة ولكنها مجرد حقيقة وواقع كما هي حقيقة أمكانية انتقاد الحكومات الحالية واستحالة ذلك مع حكومة النظام السابق لأنه كان سيقود مباشرة الى حبل المشنقة وبدون اي فرصة للنجاة.

أعود لأزمة البيت. المهم أننا أعلنا حالة الطوارئ وحاولنا شد الحزام النفطي واستخدام المدافئ النفطية فقط عن الضرورة القصوى.

طلب مني أبي أن أبحث على النفط من خلال الذهاب الى محطات التعبئة وكانت اليوم رحلتي الشاقة التي شملت ثلاث محطات وانتهت في منطقة الشعلة وبعد ان اوقفت السيارة على الشارع حملت برامليلي البلاستيكية وتوجهت الى المكان المخصص. وقفت في الطابور واذا بأحد الأخوان يقول لي (انت ختمت البطاقة؟) فاستغربت من ذلك ومن ثم اوضح لي ضرورة ختمها من قبل موظف المحطة والعودة للوقوف في الطابور. أنتظرت قرابة النصف ساعه واذا برجال الشرطة يدخلون المحطة ويطلبون من كل صاحب سيارة أن لا يوقفها قرب المحطة بحجة الوضع الأمني. ذهبت الى الشرطي وقلت له “هذه سيارتي وانا اقف هنا للحصول على النفط من أجل عائلتي. خذ مفاتيحها اذا احببت وتأكد أو تعال معي لتتأكد بنفسك.” بدأ يتحج بالوضع الأمني فقلت له بكل هدوء على غير عادتي “اقسم بالله أن كل الحق معك ولكن الأمر يختلف عندما يأتيك صاحب السيارة ويقول لك أنا أمام عينك في كل لحظة فراقبني كما تشاء” وبعد أن عجزت عن اقناعه تجاهلته ووقفت في الطابور.

هناك في الطابور كان يقف العشرات مثلي وكل شخص منهم جاء بخمس او حتى ثمان عبوات بلاستيكية كبيرة ليملئها بالنفط. يوجد في المكان اربع مضخات لتوزيع النفط ولكن اثنان فقط هما اللتان تعملان ولا اعرف السبب والثالثة حسب ادعاء العامل هي للكارتات ولا أدري عن اي كارتات يتحدث ولكني شاهدت شرطي يأتي لملئ عدة عبوات بلاستيكية لنفسه ثم جاء ومعه صديق وجاء ثالث ورابع والرجل الجاس لا يتكلم وبات من الواضح أن المسألة كما في كل مفاصل الحياة في العراق تتبع نظام الواسطة ولكن الأمر تغير بعد قليل حينما جاء عامل ثالث وبدأ بتوزيع النفط للنساء فأصبح الأمر اسهل قليلا. وبعد انتظار طويل وصلني الدور وحصلت على 100 لتر وبدأت بحمل العبوات البلاستيكية ووضعتها في السيارة ورجعت الى البيت وأنا ألعن كل مسؤول نفطي عراقي واكرر (شگد عيب بلد النفط أهله ما عدهم نفط. صخم الله وجوه المسؤولين عن وزارة النفط).

في الحقيقة أن العراق لا يعيش أي أزمة نفطية والمنتجات النفطية متوفرة وبكثرة لكن كل ما في الأمر أن الحكومة المؤقرة تتبع سياسة أشغال الشعب بالأزمات وهي ذات السياسة التي كان يتبعها النظام السابق منذ أول يوم اندلعت فيه الحرب العراقية الأيرانية. حينها ظهرت أزمات مختلفة وكثيرة ومنها أزمة معجون الطماطة وأزمة البيض وأزمة دهن الطبخ أضافة الى أزمة الغاز والنفط والتي ربطناها بأحدى الأناشيد في ذلك الوقت فكنا نردد (هي يا سعد يا جدنا – غاز ونفط ما عدنا) وأزمات أخرى لا حصر لها شغلت الشعب العراقي عن كل المصائب التي كانت تجري بما فيها تصفية كل أنواع المعارضة التي استغل النظام السابق انشغال الشعب العراقي وقام بها. الأمر ذاته تتبعه الحكومة الحالية وكل حكومات ما بعد 2003 فهي تختلق الأزمات من أجل أشغال الشعب وأبقاء تفكيره محصورا في تلبية الحاجات والمتطلبات الأساسية وبالتالي تضمن أحزاب السلطة بقاءها فوق كراسيها الوثيرة.

المشكلة الحقيقية تكمن في انجرار الشعب وراء هذ الأزمات وتصديقها أما أغرب ما في الأمر فهو فرح الشعب بأنتهاء الأزمة التي لا يعرف كيف بدأت بل ولا يتجشم عناء السؤال عن كونها أزمة حقيقية أم مفتعلة .

إن أزمة مشتقات الوقود وخصوصا النفط الأبيض وزيت الغاز المعروف محليا بأسم (الگاز) هي ليست سوى تبعات سوء الأختيار الذي يقوم به الشعب العراقي في كل انتخابات برلمانية يتهافت فيها ابناء العراق للتصويت لمرشح المذهب او الحزب الذي يفضله ويعتقد أنه الأفضل رغم أنه أثبت فشله في أكثر من مناسبة وعلى مدى 13 عاما.

المصيبة الكبرى التي لا يلتفت اليها العراقيين أن النفط هو مصدر الدخل القومي الأول وأن سوء استثماره الذي يجري حاليا يهدد مستقبل العراق واجياله القادمة ويضعها في ظروف اقتصادية مزرية لا قدر الله نتيجة تولي عديمي الخبرة مقاليد هذه الثروة. بل والأدهى أن هذه الثروة تتعرض يوميا للنهب في مختلف أرجاء العراق من قبل جهات تنضوي تحت مسمى الحكومة العراقية او أحزاب السلطة.

أثناء تواجدي في المحطة سمعت عبارة (أنعل ابو اللي يروح ينتخب) كثيرا وكان أحد الواقفين قربي قد قالها فقلت له (بالعكس أذهب وانتخب ولكن حاول أن تختار بعقلك لا بقلبك. أختر من يخدمك لا من تخدمه) ورغم أنني على يقين مطلق بان ملايين العراقيين يرددون عبارة (أنعل ابو اللي يروح ينتخب) منذ آخر أنتخابات إلا أنني أكاد أجزم أن أغلبهم سيكرر الخطأ نفسه فنحن شعب يتمتع بذاكرة سمكية مميزة تنسى شكل شباك الصياد بسهولة لتقع فيها مرة أخرى ولكن الأمل كل الأمل ينصب في تظافر الجهود التي تعمل على جعل هذه الذاكرة ذاكرة فيل لا ينسى ما جرى له ولو بعد خمسين عاما

تصبحون على تغيير ونفط غزير.

 

الصورة: iraq oil01 By samir alramahi

رأيان على “فذكّر 3 – دولة النفط اهلها بلا نفط”

  1. عاشت أيديك ليث ، مقال بالصميم يضاف للمجموعة السابقة. ذكرتنا بسياسة الالهاء السابقة ، ماكو طماطم ماكو بيض ماكو دجاج حصار ماكو طحينة وجبة تموبنية شدو الحزام و و و حاليا الوضع هو مكمل و بتفوق. للاسف الانتخابات لن تغير شي مع وجود الوجوه الحالية وحقيقة ماكو مجموعة بديلة بارزة.

  2. عاشت ايدك ليث، المشكلة الناس صارت عندها حالة يأس من وجود نفس الاشخاص على الساحة و كل واحد ييجي ياخذ و يسوي الي يريده بدون حساب و لا كتاب. حتى من تناقش الناس و خاصة العايشين بالعراق، يجاوبون “منو ننتخب همة نفسهم فالاحسن ما نروح للانتخابات” يعني وصلوا الى ادنى مستويات اليأس للمستقبل، و اذا تكولهم مستقبل، يكولون يا مستقبل، كلها كاعدة بضمنها خريجين الجامعات.

اترك رد