من اعلام بلادي – نزيهة الدليمي

بقلم عذراء عدنان.

قيثارة عراقية عزفت لحن الوفاء لوطنها العراق وشعبه وكان من الممتع ان اتشرف بالكتابة عن شخصية عراقية نسائية فذة مثلها هي الدكتورة نزيهة جودت الدليمي وهذه اول مرة اكتب عن شخصية عراقية نسائية والدهشة تغمرني كونها اول وزيرة ليس في العراق فحسب انما في الوطن العربي. كنت اعتقد ان بلدي يخلو من وجود شخصية عراقية نسائية لها ثقلها مثل الشخصية التي سوف اتكلم عنها ادهشتني صلابتها وشدتها وقوة ارادتها في زمن كانت المرأة غير مرحب فيها في المجال السياسي وتقريبا في كل المجالات كان حبها لوطنها ووضع المرأة في العراق هو الدافع لدخولها المجال السياسي عملت جاهدة لتعزيز دور المرأة وانتزاع حقوقها وخاصة في المجالات القانونية والادارية والثقافية لنتعرف اكثر عن سيرتها الذاتية واعمالها وحياتها الشخصية الشيقة .

نزيهة جودت الدليمي امراءة عراقية سمراء خجولة وطبيبة ماهرة ولدت في بغداد في محلة باب المعظم سنة 1923 من عائلة من الطبقة المتوسطة وأكملت دراستها الابتدائية والمتوسطة والتحقت بمدرسة تطبيقات دار المعلمات ثم في الثانوية المركزية وفي السنة 1941-1942 دخلت الكلية الطبية العراقية وتخرجت منها سنة 1947 طبيبة عملت في المستشفيات العراقية من بغداد حتى السليمانية وكان لها عيادة خاصة في محلة الشواكة في بغداد كما عملت مع منظمة الصحة العالمية .

احبت مهنتها ولكنها احبت وطنها اكثر مما دفعها لترك مهنة الطب والانخراط في المجال السياسي “كيف اشتغل في الطب ووطني يخضع للحماية البريطانية ” هكذا كانت تقول دائما.

أنظمت الى الحزب الشيوعي العراقي سنة 1948 وعملت في خدمة اهدافه واشتركت في وثبة كانون الثاني 1948 لكنها سرعان ما تركت الحزب .

وقد تولد لديها حس وطني تقدمي منذ ان كانت طالبة في الكلية الطبية حتى انها شاركت سنة 1945 اجتماعا لجمعية نسائية عرفت في حينه بأسم “الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية ” وفي هذا الاجتماع تقرر تقرر ان يكون نشاط هذه الجمعية بأسم “رابطة نساء العراقيات ” في سنة 1952 أصبح أسمها رابطة المرأة العراقية ويقال ان عدد أعضاء هذه الرابطة في خمسنيات القرن الماضي تجاوز ال40 الف عضو من النساء العراقيات.

وقد تولت الدكتورة نزيهة الدليمي رئاستها وكان لهذه الرابطة علاقات مع التنظيمات النسائية في العالم حتى انها شاركت في مؤتمر النساء العالمي في كوبنهاكن سنة 1953 وكانت عضوا في الاتحاد النسائي العالمي الديمقراطي وفي منظمة أنصار السلام العراقية 1954 وفي مجلس السلم العالمي وقد أقدمت الدكتورة الدليمي على التعريف بنشاط المراة العراقية من خلال كتاب صغير ألفته بعنوان “المرأة العراقية ” تعرضت فيه الى واقع المرأة العراقية بجرأة شديدة وانتقدت هيمنة التقاليد البالية على المجتمع ودعت النساء الى الثورة على ذلك الواقع والتحرر من الاغلال والاعتماد على أنفسهن في أستعادة حقوقهن المشروعة .

ونظرا لنشاطها هذا فقد تعرضت خلال الحكم الملكي وما بعد ذلك الى المضايقة من السلطة الحاكمة ونقلت الى خارج بغداد لاكثر من مرة .

حين قامت ثورة 14 تموز “يوليو ” 1958 كانت نزيهة في بغداد تنام فوق سطح بيتهم في شارع المغرب مثل كل العراقيين في اشهر الصيف الحارة .

ومن هناك سمعت صوت الراديو (يلعلع ) بالبيانات في بيوت الجيران وشاهدت المظاهرات تنطلق من الاعظمية وتتجه نحو باب المعظم وبعضها يحمل صورة جمال عبد الناصر ووسط الجموع شاهدت سكرتير الحزب الشيوعي سلام عادل وكانت تراه لاول مرة غير متنكر .

وقال لها انه قادم من دائرة بريد الاعظمية بعد ان ارسل برقية تأييد للثورة بأسم اللجنة المركزية للحزب .

وكان يشرح لها ان تلك البرقية كانت علامة لخروج الحزب من العمل السري الى العمل العلني ,كما انها اشارة عن موقف الحزب موجهة الى الجهات الخارجية .

أصبحت رابطة المرأة العراقية جمعية علنية تضم 40 الف فتاة وسيدة وعقد اول مؤتمر لها في ربيع العام الثاني للثورة وانتخبت نزيهة رئيسة لها ولم يشهد والدها تلك المناسبة لانه قد فارق الحياة لكنها ذهبت الى المؤتمر برفقة والدتها بعباءتها السوداء جالسة سعيدة بين الحضور.

هذه المرأة السمراء الثلاثينية لم تصدق حين استدعاها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الى وزارة الدفاع ليعلمها بقرار أختيارها وزيرة للبلديات عام 1959 حين اتصل بها في احد ايام الصيف البغدادي الحار مرفق الزعيم طالبا اليها الحضور ,لم تكن الطبيبة المتخرجة من كلية الطب عام 1947 تلك الشيوعية التي لا تمتلك ثمن التاكسي لانها فتحت عيادتها للفقراء مجانا وكانت تشتغل بالسياسة اكثر من عملها في الطب .

حين اخذت طريقها بالباص المتوجه الى الباب المعظم ثم سارت مسافة طويلة تحت الشمس الحارقة من البوابة الخارجية حتى مكتب الزعيم وهي تتسأل عن السبب الذي دفعه لاستدعائها .

لم يكن المنصب يخطر ببالها فلما قال لها انه بصدد استحداث وزارة جديدة ويريد منها اقتراح هيكلا لها لتكون وزيرتها نظرت اليه بدهشة وقالت “انا مواطنة بسيطة وطبيبة لا تفهم شيئا في الوزارات “ولكنه شجعها وقال بانه يثق بقدرات النساء العراقيات في بناء البلد وبذلك أصبحت الدكتورة نزيهة الدليمي اول وزيرة لا في تأريخ العراق فحسب بل في كل الوطن العربي ولما أعلن خبر تعيينها نزل رفاقها الشيوعيين الى الشارع واطلقوا الهتاف الذي ارتبط بأسمها “نزيهة صارت بالحكم موتوا يا بعثية “….

ولم يكن اختيارها على انها شيوعية بل لكفاءتها العلمية والمهنية والادارية ولدورها في خدمة المرأة العراقية وضمان حقوقها الشرعية رغم انها لم تحظى بزوج ولا ولد ولا بنت ولا حفيد في حياتها لذلك كرست نفسها للعمل لخدمة بلدها وشعبه .

وكان دورها في الدفع بتشريع قانون الاحوال الشخصية ذو الرقم 188 لسنة (1959) الذي ضمن حقوق المرأة العراقية وكان قانونا متقدما في حينه ولا يزال وحتى ان بعض الباحثين يؤكدون بان ذلك القانون يعد من ارقى قوانين الاحوال الشخصية في الشرق الاوسط واكثرها تقدمية .

عرفت الدكتورة نزيهة الدليمي بحبها للفقراء ورعايتها للمرضى ذوي الاحتياجات الخاصة ومن خلال عملها في وزارة البلديات كان لها دور في انشاء مدينة الثورة “الصدر حاليا ” في بغداد كما تبنت قضايا المرأة وعملت في خدمتها .

وقد وجد ابنا جنسها منها كل محبة وتقدير واحترام وعدت شخصية عراقية مرموقة تحظى باحترام كل القوى السياسية العراقية لما قدمته للعراق من خدمات لكن المتغيرات التي شهدها العراق وما نجم عنها من صراعات اضطرت الكتورة الدليمي الى مغادرة العراق في مطلع سبعينيات القرن الماضي الى ألمانيا وعاشت في مدينة بوتسدام قرب العاصمة برلين وكان لها نشاطها الملحوظ في الدفاع عن قضايا شعبها هناك وخاصة في الندوات والتجمعات والمؤتمرات وكان اخر نشاط عام لها هو حضورها الندوة التي عقدت في مدينة كولون الالمانية حول المرأة العراقية سنة 1999 .

اصيبت بمرض عضال اقعدها وتوفيت بعمر 85 عاما ماتت والعراق تحت الاحتلال الامريكي والقوات البريطانية عادت الى البصرة بعد نصف قرن من الجمهورية . ماتت وفي العراق اليوم من الاجيال الجديدة من لم يسمع بأسم نزيهة الدليمي بل سمع بقانون الاحوال الجعفري .

في العام 2009 أصدر مجلس الوزاراء العراقي توجيها لامانة العاصمة العراقية في بغداد بأقامة تمثال لنزيهة جودت الدليمي لتعتبر أول شخصية نسوية عراقية يقام لها تمثال في العراق .

وفي الختام فان الدكتورة نزيهة الدليمي وبعد ما عملت جاهدة في تغيير وضع المرأة العراقية قبل اكثر من 45 سنة. الا ان غيمة سوداء اجتاحت العراق وما هي الا مسألة وقت وتختفي هذه الغيمة السوداء مهما طال وجودها بوجود شخصيات امثال الدكتورة نزيهة الدليمي وبوجود الخييرين والطيبين لاننا نحب وطننا ونحب ارضنا بسواعدنا وهمتنا سوف نمحي هذه الغيمة .

رأيان على “من اعلام بلادي – نزيهة الدليمي”

  1. احسنت عذراء، اختيار حلو وموفق أن شاءالله. هي فعلا احدى أعلام بلادي واتمنى ان نشهد في حياتنا تميز نوعي وعددي أكثر من جميع مكونات الشعب.

اترك رد