مما علمتني الحياة وأنا التلميذة أبداً 4

مما علمتني الحياة

بقلم ليلى طارق الناصري

عندما تكون في رحلة الحياة وتملك من مقوماتها ما انعم الله عليك من أسرة واصدقاء وعمل جيد وغيرها من صحة وعافية وآمن وسلام والى آخره من مقومات تجعلنا نمضي بحياتنا واثقين مطمئنين فهذا لا يعني إننا على الطريق القويمةِ الى الله !!

نعم لا تندهشوا فقد علمتني الحياة ماهو اعمق من ذلك لقد ولدتُ في اسرة صغيرة نسبيا مكونة من ام واب واخوة أثنين وانا وقد كان ابي اول معلم لي في هذه المدرسة الكبيرة الا وهي الحياة وكان رفيق وصديقاَ لا يعوضه أحد. علاقتي بوالدتي وابي انفطمت منها لعدة اسباب واستطعت الاستقلالية منها الا ان صداقتي العميقة مع ابي لم تنتهي فقد كان صديقا اناديه (بابا) فإذا بي أفاجئ ذات يوم انه مريض بمرض عضال!!!؟؟؟ أو يمرض أبي؟!! ذلك الرجل الرياضي صاحب الجسم الصحي لا يدخن ولا يسرف في شيء من طعام او شراب يمارس السباحة يوميا صيف شتاء واصبح في فوق السبعين وهو يمشي مستقيم القامة رشيق الحركات انيق الملبس جميل الابتسامة واسنانه مكتملة في فمه لم ينقص منها سوى اثنين على مدى 73 عاما؟!!!! أيمرض أبي!!!؟؟

وما أستفقت من دهشتي الا على خبر وفاته خلال شهور قليلة ومات أبي!!!!! أيعقل ذلك ؟!!

ووقفت أنا وكل ما أملك في رحلة حياتي التي كنت بلغت منها 36 عاما وانا متدثرة بمعطف من الايمان بالله والثقة ومتسلحة بما يقال عن الرضا بالقضاء والقدر !!! لم أستطع الوقوف وأنا أنوأ بثقل هذا المعطف السميك الذي كنت أظنه سيحميني من نائبات الزمن فأنا المؤمنة بالله المتوكلة عليه ! لم ينفعني ما تسلحت به لم ينفعني ما استترت خلفه وبه لأن ألمي هذه المرة كان من الداخل وما يفعل المعطف ؟!! أنه يحميك مما يأتيك من الخارج ليس الا؟!

ألمي هذه المرة كان نابعا من الداخل ويسري فيّ فيمزقني ببطئ ولا اعي ما افعل فأنا التي كانت تظن ان لا خوف عليها ولاهي تحزن!!!

أتكأت على نافذة غرفتي وقد كان الثلج يغطي كل شيء في الخارج وكنت لأول مرة ارى الثلج في حياتي البياض يكسو كل شيء كالكفن ! ياالله أني أرى رحمتك وهي مترامية الى أبعد من ان يُرى آخرها فلا تضيق بها على أبي اللهم أسألك أن تضمه برفقك ورحمتك التي تسبق غضبك أنت اخبرتني بذلك وانا اصدقك يا الله.

حاولت أن الملم آلامي وشتات نفسي وساعدني من حولي ممن احب واثق وكان لي صديقة ( توأم للروح ) رائعة لا تحتويها كلمات لروعتها وكانت احدى نعم الله عليَ وقد ساعدتني بشكل منقطع النظير أن الملم آلامي وشتات نفسي وجمعت حزني ووضعته على صدري كوسام ومضيت من جديد وانا ارتدي معطف أيماني واستتر به فاذا بعد سنتين يأتيني خبر وفاة ( توام روحي ) تلك الصديقة التي لم يسبقها احد في مكانتها بروحي وقلبي تلك التي رغم اختلاف ديننا كنا نعرف الله من بعضنا البعض وكنا رغم اختلافنا نحب وبعضنا البعض ونفهم حياتنا من خلال بعض البعض أكثر، تلك التي تؤمن ان الله محبة كيف تموت!!!!؟؟؟ أيا ربي ما أفعل ؟!!! لقد ماتت من كانت تساندني ؟!! ها قد قصم ظهري تماما فأبي قبل عامين والآن هي ؟!!

وعدت أقف امام ربي وانا أنوء بثقل ذلك المعطف الذي أستتر فيه وخلفه من ناءبات الزمن لكن الالم للمرة الثانية كان من الداخل فما يفعل معطف أيماني لي؟!!!

وشتتني الآلم كثيرا وسرى في شراييني وغزا روحي الى ان تلطف الله بي ومسح على قلبي بطريقة ما لا اعرف كيف اصفها الا انني أرتحت شيئا ما بعدما رزقني الله عملا جيدا وكنت اطمح له فساعدني ذلك على ان الملم شتاتي واجمع حزني بوسام جديد ضممته الى بقية الاوسمة و وضعته على صدري وأرتديت معطف ايماني من جديد وعدت أستتر فيه وخلفه من نائبات الزمان

وبعد نجاحي بعملي وفرحتي به وما أصبحت عليه وفخورة انا بمعطفي الذي اضع عليه أوسمة حزني على اختلافها بالحجم واللمعان فبعضها احمله منذ أكثر من 23 منذ وفاة اول اخ لي بسبب مرضه وهو شاب في ثلاثين من عمره ومرورا بعدة خسارات كنت اعلق في كل مرة وسام الحزن على صدري باعتبار البطلة التي تجتاز المحن في الحياة وتنتصر عليها فتستحق ان تعلق اوسمة الحزن على صدرها وتتباهى وتقول ها انا !!!

بعد ذلك بسنة توفي أخي الوحيد بحادث تفجير طائفي مقصود وتحول الى أشلاء !! وعدت انوء بثقل معطفي امام حزني الذي يتفجر من الداخل !! ما العمل يا الله ما انا فاعله بنفسي ؟!!؟

وانا احاول لملمت أحزاني حتى اعلق وساما جديدا على ذلك المعطف العظيم من ايماني الذي استتر خلفه والوذ فيه محتمية من نوائب الزمن واذا خلال عام واحد أفقد عملي الذي رزقني الله به وفرحت وفخرت به وساعدني على تجاوز بعض من محنتي لفقدي صديقة العمر وتوأم الروح ؟!!!!

ما الذي يجري؟؟؟ وبعد خسارتي عملي اهم شخصين في حياتي تعرضوا لنوبات مرض غريبة ومفاجئة أذهلتني (زوجي واخته)؟!!! كل عائلتي وما تبقى من الاصدقاء؟!!!!

أي ربي ما الذي يحدث أأنا أغضبتك بشيء؟!! ولِمَ لم اعد اجد هذا المعطف ينفعني ؟!! وتلك الاوسمة ( اوسمة الحزن ) التي اعلقها على صدري فخورة بها امن المفروض أن يمتلىء صدري حتى ينوء بثقلها ولا يعود يحتمل حملها؟!!!

إي ربي …ما ذا يجري؟ !!!

وعندها ادركت أنني احتميت بمعطف أيمان وزينته بأوسمة أحزان بدلا من احتمي بنور الايمان كي يبدد لي ظلمة الاحزان

عندما يجدك الله لا تتعلم بسهولة سيؤدبك هو؛ وانا نلت هذا الشرف فقد أختار الله ان يؤدبني من خلال جنوده وخلقه كنت ادعي انني مؤمنة واثقة وارتدي معطفا سميكا من الايمان !! يالها من خدعة رهيبة من الشيطان او نفسي أو اي كان !!

أي معطف تحتمي به وانت أيها الانسان لا تحتاج الا لنور يملئ روحك فتتحول من من جسد الى هالات نور خفيف الوزن قادر على المضي الى النهاية دونما تردد أن أوسمة الحزن التي كنت فخورة بها رميتها عني وخلعت معطفي وتركت النور يملئني وقد كانت عملية صعبة ومرهقة جدا الا انها تستحق كل ما تكبدته خلالها وتستحق الاستمرار بالمحاولة للحفاظ عليها لروعتها لحلاوتها لجمالها

فحين تعتقد انك تتسلح بأيمانك وما تحفظ وما تملك فهذا لا يعني أنك مدرك لله ابدا …أن أدراك الله ومعرفته أمرا مختلف تماما ولا ازعم هنا انني أعرفه إنما بدات رحلتي نحوه وانا سعيدة بهذه الرحلة لقد أدبني ربي بأن جردني من كل ما كنت اظنه هبات الله لي وجنوده اللذين سخرهم لي لأنني (امة الله) المؤمنة التي ترتدي معطف الايمان السميك وتزهو بأوسمة الحزن!

جردني من جيشي اللذي كنت أواجه به نائبات الزمن وليس كما كنت اخدع نفسي واقول انني اتسلح بمعطف أيماني أخذ مني أبي ذلك الظهيرة القوي في جيشي ومن ثم جردني من صديقتي القلب في جيشي وبعدها جردني من ميمنتي أخي ومن ثم جردني من اعتمادي على مهنتي وعملي ميسرة واخرا أراني نقصا في مدخراتي زوجي وعائلتي !!!

أدبني الله بقدرته ورحمته في آن واحد؛ أن الله أذا أحب عبدا اصطفاه فأن لم يفهم العبد معنى الصفوة أدبه الله حتى يهتدي فالمؤمن كالذهب قد يحتاج الى الانصهار وتعدين حتى ينقى وهذه الاختبارات هي عملية التصفية وكذلك نتيجتها أنك تصبح تملك البوصلة التي تدلك على ما يحبه الله….ففهمت انا وأشكر الله على هدياته ….لقد أزال عني حمل ذلك المعطف السميك وبكل أوسمة الحزن معلقة عليه لقد رميت به عني فلا حاجة لي به بعد اليوم اني اوجه الحياة والزمن والدهر وكل شيء بصدري العاري الا من أيماني المطلق بربي أنه يملؤك من الداخل وينبع من نقطة القلب فيك ومن ثم ينتشر ويعم ويملىء كل شيء فيك فما يعود للألم تلك القسوة ولا للحزن تلك السطوة إنما هي مشاعر تنتابك وتنفضها عنك بعد فترة

أن وعد الله حق وقد قال أن عباد الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فكيف الله يبتلينا بالحزن والخوف وبنقص من الثمرات ؟!!! ان الله ليس بمتناقض ولا يتقصد أن يحيرنا إنما هو يعد عباده وليس عبيده كلنا عبيد لله شئنا ام ابينا لكن ليس كلنا عباد الله فهذا خيارنا نحن وإذا تحدثت بصبغة أسلامية مبنية على عقيدتي فهذا لا يعني أن الديانات الآخرى والكتب السماوية الاخرى لا تملك نفس الفكرة أننا جميعا من مشكاة واحده والله هو الله إينما رحلت أو أرتحلت ان المركزية لله مهما اختلفت الطرق إليه وتنوعت طالت او قصرت فأن نهاية الطريق إليه لذا علينا ان نكون من عباد الله حتى يحق علينا وعد ربنا بأن لا خوف علينا ولا نحزن…ولازلت اتعلم من هذه الحياة لأنني التلميذة أبدا.

ليلى طارق الناصري

 

رأيان على “مما علمتني الحياة وأنا التلميذة أبداً 4”

  1. لا أدري ما أقول ليلى سوى أنه انا مقتنع أن كل شيء يصيبنا من عند الله هو نعمة وهو امتحان لايماننا في الوقت نفسه. . الحمد لله على كل شيء و لابد في أن نستمر نتعلم نعلم نعيش نسعد نحزن …
    بالمناسبة شكرا لهذه السلسلة الرائعة الأسبوعية ?

  2. ما عندي كلام ينطيج حقج اختي الغالية. بس والله أقولها بدون اي مجاملة. أنت بطلة. اسأل الله لك أن يآجرك أجر الصابرين المحتسبين

اترك رد