زيارة الى عمق التاريخ

لم يدر في خلدي يوما ان اذهب في رحلة لزيارة اسلافنا الخالدين في مدينة اور العريقة واقف في حضرة عظماء اضافوا للبشرية حضارة تمتد في عمق التاريخ . كان شعورا لا يوصف فقد مشيت على نفس التراب الذي مشى عليه اولئك العظماء وتنفست عطرهم وتتبعت اثرهم في المكان وسمعت حتى احاديثهم حينما كانوا يعملون بجد وشغف لتشيد حضارة تكون مدعاة فخر لاحفادهم فوالله إن الفؤاد ليضمأ أمام ذلك التراث العريق ويزداد عطشاً كلما سمع كلمات عن ماضيهم وان الدمع ليتراقص فرحا امام تلك الصورة الرائعة ..
وعلى مسافة ليست ببعيدة من هذا المنظر الجلل تمتد مساحة شاسعة من المياة تسمى الاهوار وهي مجموعة من المسطحات المائية التي تغطي الاراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، وتكون على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه تمتد على مساحة تتراوح بين 35-40 الف كيلو متر مربع . ومن الجدير بالذكر ان مساحة الاراضي المغطاة بالمياه تتسع وقت الفيضان في اواخر الشتاء وخلال الربيع وتتقلص ايام الصيهود. . وقد اطلق العرب الاوائل على هذه المناطق اسم “البطائح”، جمع بطيحة، لأن المياه تبطحت فيها، اي سالت واتسعت في الأرض وينبت فيها القصب.

يسكن هذه المسطحات المائية شعب سومري الاصل يمتاز بالطيبة والكرم ، فهم بحارة شجعان يقومون بحثا عن لقمة عيش كريمة لهم ولعوائلهم بسبر اغوار هذه المياه الشاسعة على قارب صغير اسمه المشحوف وهو ذاته الذي ذكر في ملحمة كلكامش المكتوبة قبل خمسة الاف عام باللغة السومرية، والذي تؤكد نصوصها بان جلجامش ملك الوركاء ، الذي تصفه الملحمة بأن إله وبشر في ذات الوقت ، نشد الخلود بعد أن بنى الوركاء وموت صديقه انكيدو، لذا غامر في رحلة إلى جده اوتانابشتم القاطن في أعالي المياه بالنسبة لبلاد سومر والتي تمثل مناطق الأهوار القريبة من اور عاصمة السومريين.

تعتبر الاهوار في بلدي العراق مناطق غنية بالموارد المائية والثروات الاقتصادية التي لا تنضب فهي غنية بثرواتها الحيوانية والسمكية والطيور ولاشك ان توفر الغطاء النباتي والطبيعي وازدهاره فيها يعد العامل الاساس في ازدهار الثروات الاخرى وتطويرها بالاضافة الى مساهمتها بشكل رئيسي في تحسين مناخ العراق .

وعلى الرغم من تعرضها الى كل الظروف القاسية التي حلت بها من تجفيف وتشريد لسكانها في حقبة من الزمن ، بقيت صامدة ولم تعد قصة حضارة منسية ففي يوم 17 يوليو تموز 2016 وافق اليونسكو على وضع الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي كمحمية طبيعية دولية بالإضافة إلى المدن الأثرية القديمة الموجودة بالقرب منها مثل أور و إريدو و الوركاء الامر الذي يضع على عاتقنا جميعا مسؤولية كبيرة في توعية بعضنا البعض باهمية عودة الحياة اليها وادامتها والمحافظة عليها وتشجيع سكانها الاصليين للعودة اليها واستئناف حياتهم التي اجبروا على تركها قسرا للمحافظة على ارثها الحضاري من الاندثار فلن تستطيع كل قوة الشر ان تمحو حضارة نشات فيها قصة البحث عن الخلود .

 نجلاء ابراهيم جبوري

3 آراء على “زيارة الى عمق التاريخ”

  1. شكرا نجلاء ومبروك الرحلة الجميلة. بالمناسبة كان عندي صديق مختص في علم الآثار وقال لي مرة أن أتنوبشتم تعني العبد العبد الصالح وهي كناية لنبي الله نوح عليه وعلى المصطفى وآل بيته أفضل الصلاة والسلام.

اترك رد