عيد نيروز

بقلم ليلى طارق الناصري.
سأحدثكم اليوم أحبتي عن طفلة صغيرة جداً عمرها خمس سنوات كانت تذهب الى بيت جدتها في كربلاء بكل نهاية اسبوع او عطلة رسمية وبالتأكيد في الاعياد أيضا، من الذكريات الجميلة لهذه الطفلة التي هي “أنا” ما كانت تقوم به جدتي “بيبيتي” رحمها الله في الليلة التي تسبق العيد (عيد نيروز) حيث يكون هناك بعض الاستعدادت منها أن جدتي كانت تشعل الشموع وتحضر صينية بها ساهون وسكر وسمسم واشياء حلوة وطيبة مع اغصان من نبات الياس ويصير هناك نوع من الهدوء والترقب ونسمع سؤال يتردد ( على شنو هالسنة راح ادور ؟!! او دورة السنة على شنو ؟) ويطلبون منا نحن اطفال العائلة الكبيرة “اولاد الخالات وخالات الخالات ” التي تجمعت ببيت الجدة الالتزام بالهدوء لبعض الوقت وترك اللهو وضجيج اللعب لكن لماذا؟! حقيقة لا اعلم ! ربما من اجل الصلاة والدعاء لا أدري بالضبط فقد كنت صغيرة ولا أهتم الا للحلوى ومظاهر البهجة والثوب الجديد، لكن بعدها يبدأ تبادل التهاني والقبلات بين الجميع ونسمع اجابة السؤال – السنة دارت- على كذا أو كذا ويارب سنة خير ورزق؛ وصبيحة العيد كنا نلبس الملابس الجديدة ونكون قد جهزنا حالنا الى سفرة حلوة أما للرزازة او (عين تمر) ومرات الى سلمان باك المهم سفرة الى مكان بالطبيعة و(جدر دولمة ) بطل السُفرة العراقية اضافة الى كثير من الاكلات وشوي الكباب والتكة و(الجاي المهيل المتخدر على الفحم) والخ ولازم يكون هناك (دنبك) لاتوجد سفرة (ونسة) بلا صفقات والهلاهل واغاني وجوبي وشبابنا يصير عندهم بهذا اليوم شوية اريحية ما يكتمون على انفاس اخواتهم البنات؛ وفي حال توفر بالمكان عوائل كردية و”بلشوا دبكتهم ” فهي تمتاز بانها مختلطة شباب وبنات ممكن يسمحون لنا ( أخوانا وآباءنا) بالمشاركة معهم فرحتهم والدبكة ( ببعض الاريحة حفاوة بهذا اليوم السعيد).
كان لهذا اليوم نكهته الخاصة الا انه مع الوقت صارت هذه الذكريات تبدو لي بعيدة جدا حيث تفرقنا في ارض الله وما عاد بيت الجدة يضمنا وتوفت جدتي رحمها الله والتمسك بالتقاليد تلاشى شيئا فشيئا مع مرور سنين الا انه بقي الاحساس بالفرحة والبهجة لقدوم (عيد نوروز) عيد (اليوم الجديد) بقي يحمل لنا التفاؤل بانه اليوم الجديد يحمل لنا البهجة والامل بتحقيق الافضل حين يأتي هذا اليوم من كل سنة استقبله ببهجة لأنه أرتبط بذاكرتي( بالفرحة ولمة الاهل واللعب وكل شي حلو ) وطبعا الى الآن لم أفهم لم كانت جدتي تهتم كثيرا لمعرفة على ماذا ( دارت السنة ؟) او ما المقصود ب( دورة السنة )؟ وقد توفت قبل ان اسألها الا انني كنت اسمع من هنا وهناك انها بعض الموروثات من التداخل الحضاري للمنطقة (مابين الحضارات العراقية القديمة والفارسية والصينية والهندية ) حيث تجد في كل هذه البلدان على اختلاف ثقافاتها ودياناتها تتفق على ان تطلق أسماء حيوانات على سنواتها! وتوجد اسطورة تقريبا مشتركة في كل الحضارات الا وهي ان الارض يحملها ثور سماوي على احد قرنيه ! وفي كل انقلاب ربيعي يحرك هذا الثور الارض من قرن الى آخر فكيف ما استدارت الارض وفقا لهذه الحركة فأنها ستواجه مجموعة ما من الكواكب والنجوم تشكل رمز لحيوان ما اما ديك او افعى او قرد والخ وكل رمز حيواني يحمل مجموعة صفات تكون هي السمات العامة لهذه السنة فاما تكون سنة خير وفير او حروب او فيضانات والخ ولن أدخل في تفاصيل أكثر لأنني لست بصدد تقديم بحث مقارن بين ثقافات الحضارات القديمة انما احببت الاشارة لذلك فقط وتجد ان الحضارات القديمة ليست الآسيوية فقط انما الفرعونية في أفريقيا ” مصر” أيضا هناك ما يسمى شم النسيم وهوفي وقت الربيع والسمك والبيض الملون أيضا عوامل مشتركة لهذا فهي موروث ثقافي قديم وتلتقي فيه اغلب الحضارات القديمة وبغض النظر عن مدلولاتها الدينية وما قد يتناقض مع ما جاء به كل الرسالات السماوية فهي تبقى معالم ثقافية موروثة ونتعامل معها من باب البهجة والفرح ليس الا؛ ولهذا يُعتبر عيد النيروز من أقدم الأعياد التي يُحتفل بها ليومنا هذا، انه عيد يحتفل فيه العراقيين بشكل عام والأكراد بشكل خاص وهو عيد مشترك بين العديد من الشعوب الآخرى مثل ( افغان و الأيرانيين) وهوعيد مثل كل الاعياد يرمز الى معاني روحية لدى الشعوب اما تكون دينية او دنيوية وعيد نوروز يجمع الاثنين حيث هو يعتبر بداية السنة عند الاكراد والافغان والايرانيين بتقويمهم الشمسي وكذلك يجمع المعنى الدنيوي المتمثل بثورة الاكراد على الحاكم الظالم وانتصرالحق على الظلم ( قصة الحداد كاوه ) ولهذا العيد خصوصية لدى الاكراد اكثر من غيرهم من العراقيين ففي حين يكتفي العراقيين في الوسط والجنوب بالخروج الى الحدائق والبرية التي تكون قد اخضرت بسبب لانقلاب الربيعي والمناخ اللطيف ويستمتعون بنزهة جميلة وقد يقوم البعض منهم باعداد ( صينية فيها سبعة مواد تبدأ بحرف السين ” سمك ، سبسز –وهو نبات الاخضر- ، ساهون –نوع من انواع الحلوى-، سمسم ، سير –ثوم- ،سنجر- فاكهة مجففة-،سماق إضافة الى مرآة وقرآن) ، يقوم الكرد بالاحتفال بعيد النيروز بين 18-21 آذار وقد تستمر لأسبوع كامل من كل عام بالخروج إلى الطبيعة والتجمّع واحياء الفلكلور والرقصات الكردية واشعال النيران قي اعالي التلال او على قمم الجبال وكذلك اشعال الشموع على الشرفات وأسطح المنازل تيمّنا بنار “كاوا”.ويحمل هذا العيد لدى الكرد بعداً قومياً *

وختاما اتمنى لكل العراقيين عيد سعيدا وعاما آمنا كل عيد والعراقيين بخير كل عام وأخوتنا الاكراد بالف خير كل عام والعراق في (يوم جديد) مليء بالخير في بداية جديدة للنهوض ونفض العناء عن كاهله وكل عام والعراقيين في فرح ان شاء الله.
ليلى طارق الناصري

مصدر :
*موقع تاريخ الكورد الالكتروني مقال نشر في 24حزيران 2014

رأيان على “عيد نيروز”

  1. عاشت ايديج ليلى, تغطية رائعة للموضوع, حبيت القصص القديمة اللي تخص جدتج رحمها الله.
    بالمناسبة من كلمة “نيو روز” الظاهر كلمة New (نيو) اصلها مو انكليزي
    (نيو أي جديد و روز يوم) 🙂

اترك رد