ولدنا من رحم الكيّا

بقلم احمد طاهر.
عندما نتحدث عن العراق ونقرأ الاخبار المحزنة التي لازمت العراق في كل احداثه يصبح الامل بمستقبل افضل مجرد حلم، وعندما يشاهد المرء ظاهرة بعيدة كل البعد عن التحضر وعكس صورة جميلة ومشرفة عن البلد بسبب حالات فردية من عدد قليل من الجهلة فممكن ان يقرأ على الدنيا السلام..

يوم امس وصلتني صورة من على احدى صفحات الفايسبوك التابعة لاحد اقاربي. الصورة لامرأة وعائلتها يفترشون الارض في وسط القاعة الرئيسية لمطار بغداد الدولي ومعهم علب العصير المعدنية وعلب البلاستيك المثخنة بالمأكولات. استفسرت عن الصورة فقالوا لي ان الذي التقط الصورة عراقي ايضا مغترب وصل للتو لزيارة اهله في بلده الام.

ردود الفعل على الصورة كانت بين الغضب والحزن من هذا التسيب والانحدار الاجتماعي. مطار بغداد هو الواجهة الاولى للبلد واول انطباع يأخذه الزائر بعد ان تحط طائرته من اي دولة في العالم. لهذا فان منظر سيدة وعائلتها يفترشون الارض بين الكراسي الكثيرة الموزعة في المطار لاستراحة المسافرين القادمين والمغادرين، من المستقبلين والمودعين كله شئ مخجل للبلد وغير مشرف لاهل البلد.

هل فقدنا الامل في رؤية الجانب الحضاري من عراقنا؟ عندما ندرك ان الفساد الاداري متفشي او التركيبة الاجتماعية تغيرت او السلوك الثقافي تجاه الفن والثقافة اخذ منحى جديد، كل هذا وغيره يجعلنا نشكك بالخير وبالسلام وبالامل.

لي صديق سافر للعراق قبل ثلاث سنين بعد اكثر من 25 سنة هجرة. التقيت به بعد رجوعه وبدأت بكمية لامتناهية من الاسئلة عن بغداد. اخبرني عن مطار بغداد الدولي، قال لي ان المطار نظيف جدا. هناك عمال على مدار الساعة حتى “گطف الچگارة ماتشوفه على الگاع… طلعت برة ادخن يم المكان اللي تتوقف فيه سيارات الاجرة اللي تاخذ القادمين عبر طريق المطار الى كراج عباس بن فرناس. من كملت تدخين استحيت حتى اشمرها بالگاع”. طبعا سرد لي الصديق عن التنظيم الحاصل لسيارات الاجرة والتعامل الرائع للسائقين بين بعضهم اولا ومع المسافرين ثانيا. وايضا بعث الامل والفرحة الى قلبي، لوجود نوع من النظام ونوع من الالتزام.

الموقفين التي ذكرتهم كانوا في المطار والاثنين حالة فردية معاكسة للثانية بطبيعتها وبتصرف صاحبها.

البعض ممكن ان يقول وا حسرتاه على العراق وماوصل اليه بسبب الحادثة الاولى، ولكن هل سيكون نفس الشعور عندما يسمع مارواه صاحبي عن نظافة المطار والتزام سائقي سيارات الاجرة؟

اليوم شدني موضوع قرأته عن طالب جامعي في بغداد اخذ سيارة الاجرة ( الكيّا) لمحل سكنه .. وهذا الذي حصل معه:

“أعتدتُ أثناءَ عودتي من الجامعة أن أركبَ سيارةَ ( الكياَ ) المتجةِ من تقاطعِ العامرية الى العلاوي كي أنزلَ في منطقةِ المنصور حيثُ هناك مكان أقامتي المؤقت .

اليومُ وأثناء عودتي من الجامعةِ وكالمعتاد ركبتُ أنا ومجموعة من الاشخاص في ( الكياّ ) بعد مسافةٍ ليست ببعيدة من مكان تحرك ( الكياّ ) أستوقفتنا أمرآة يبدو عمرها في بداية الربيع الثلاثيني فتوقف لها السائق جانباً ففتحت الباب وقالت بنبرةٍ موجعة تسكن خلفها ملايين الاهات ( أخويه .. ماعندي كروه .. أصعد ؟؟ ) بدونِ تردد أجاب السائق ( أصعدي أختي .. حياج الله ) .

بعد لحظات من صعود المرآة داخل ( الكياّ ) كأنها أطلقت بصعودها ( صفارة الانطلاق ) لبداية مباراة معينة , فتسارع الجميع الى جيوبهم ليخرجوا منها قيمة الكروه ( 500 ) دينار , وبدت على الجميع ملامح التنافس بالضفر للفوز بالمركز الأول حتى حسمها السائق لصالحه حينما قال ( أني أبو السيارة .. وكروة الاخت مدفوعة من يمي ) .

ربما الى هنا لم تنتهي المباراة بعد ولم يقبلَ الجميع بتلك النتيجة التي حُسمت للسائق بشوطها الأول .. فما هي الا لحظات وقد بدأ الشوط الثاني عندما تقدمَ رجلٌ اربعيني مازال الشيبُ برأسهِ في بداية أشتعاله ليخرجَ من محفظته القديمة ( خمسة ألاف دينار ) فكانت البداية لهجمة مرتدة أخرى , فوضع المبلغ بيدِ شخص كان جالساً بالقرب مني ليعطيه لتلك المرآة التي كانت تجلسُ في الخانة الأخيرة من ( الكياَ ) مردداً بالقول المكتسي بالحياء ( هاي من أخوج ) .

هنا أكتسبَ فريقنا روح المبادرة واصبحت الكرة في ملعبنا وكلمحِ البصر إزداد الهجوم نحو مرمى الخير فأخرج كل واحدٍ منا محفظته وستلَ منها مبلغاً من المال ليضعهُ ايضاً بيدِ الشخص الجالسُ بالقرب مني ليوصله الى تلك المرآه , هذا الشخص كان شابً صغيراً لا يتجاوز من العمر ربما السبعة عشر عاماً لكنه فعلَ فعلةً كأنه بعمر الشيخ الحكيم صاحب الثمانيين عاماً عندما فتح محفظته ووجد فيها ( ستة الاف دينار ) حسبتهُ بانه سيعطي ( الاف دينار ) ويبقي الخمسة لكنه فعل العكس وابقى في محفضته ( الف دينار فقط ) واعطى الخمسة الأف لتلك المرآه .

بعد دقائقَ إضافية من تلك المباراة الخيرية تخللتها لحظات صمت جميلة ، كانت هناك ( عجوز ) تجاوزت تجاعيد وجهها ( الستون عاماً ) تحملُ معها داخل ( الكياّ ) مجموعة ( علاليگ ) فيها خضراوات وفواكه .

هي الوحيدة التي لم تدفع شيئاً لكنها عملت شيء أعظم من ان تدفع المال .

أخرجت من جيبها كيسٌ فارغ وفتحت أكياسها الممتلئة وأخذت بملئ ذاك الكيس الفارغ بالخضراوات والفواكه ، وهي تردد ( والله يا بنتي ماضل عندي فلوس ، هاچ ذني لجهالچ ) .

اجواء صمت رهيبة تستشعر فيها بأنك ولدت من رحم ( الكياّ ) بجوها الإنساني الرهيب لتبتعد عن كل الوحشية التي عاصرتها في رحم تلك الحياة على مدار سنوات كان الخلاف والاختلاف سيدا تلك الحياة وكنا نحن عبيداً لهولاء السادة .
-الخلاصة . ((نحن الخلاصه))”
القصة هذه اثبت فيها اهل العراق الكثير والكثير. اثبتوا ان للغيرة وللشهامة معنى. اثبتوا انهم بمختلف اعمارهم واجناسهم وحرفهم انهم قادرين على مساعدة الاخر. قادرين، رحماء فيما بينهم، محبين لبعضهم.

لايملكون ادنى معرفة من هي هذه المرأة، من اين والى اين متجهة.

بالرغم من الخوف من المجهول ومايخفيه الشر للعراق مادام مجروه فالجميع تميز بالعطاء، بالنخوة، برفع العوز عن بنتهم واختهم وامهم.

حسرة على اللي صار بالعراقيين، اي نعم، بس بلدنا بعده بخير

5 آراء على “ولدنا من رحم الكيّا”

  1. موضوع حلو عزيزي احمد عاشت ايديك. هو اكيد الناس الموجودة بيهم الزين والشين لكن ما نسمع ونشوف من أمثلة يؤكد على مدى اصاله أفراد الشعب. طبعا ما مر بالبلد من حروب وما صاحبها من مصايب أثر على بناء الإنسان بشكل سليم، وهذا هو أحد أسباب تاخرنا. أتمنى ان يوعى الناس إلى ظرورة التغيير للارتقاء إلى مستويات أفضل.

  2. موضوع راىءع وجميل بينت فيه يا احمد مدى تلاحم الشعب العراقي وحبهم للخير والعطاء فصفة الايثار تغلب عليهم ولو لم تكن هذه الصفه متاصلة في دماءهم لما تبرع كل واحد من الموجودين بما جادت يداه حتى بما تبقى لديه من النقود وتجد تلك المراءه التي جمعت كمية مما تسوقت به لقوت يومها وشاركت في العطاء والخير العروف به العراقيين وجعلت نفسها السباقة لذلك العمل الخير فبوركتم من عراقيين مازلتم على ماعرفناكم به من العطاء والخير بالرغم من الظروف التي مررتم بها وتمرون باتعس منها في الوقت الحاضر

  3. موضوع أكثر من جميل. هناك الكثير من الأمور الأيجابية ولكن مع الأسف يا أحمد فنفس الأشخاص الذي تجود أيديهم بكل كرم للفقير والسائل يقومون أيضا بأمور سلبية. المجتمع يحتاج الى توعية ثقافية دينية تتجاوز بمراحل ما يسرد المعممون حاليا مع قصص تاريخية. هم وحدهم رجال الدين من يملكون تأثير الأصلاح حاليا ومع الأسف أصبحوا رجال دنيا وليسوا رجال دين

  4. احمد عاشت ايدك، موضوع رائع فيه الكثير من الايجابية و الامل لنهضت العراق. البلد ينهض بابناءه. اول شيء المحتاجين له التضامن و الالفة و هذه موجودة لحد الان بين العراقيين بالرغم من كل الظروف و التغيرات. انا اؤمن انه بالتوعية و التكرار و السعي، سيرجع العراق الى استقراره ثم عظمته.

  5. موضوع جيد وهو واقعي. ومن صلب الواقع دليل على محبة قسم من الشعب العراقي بعضهم لبعض. ومتمسكين بعاداتهم الطيبه شكرا على هذه التوعيه لمن تنحى عن عاداتنا وتقاليدنا ببوركت افكاركم

اترك رد