من زنزانة الدكتاتورية الى فضاء الحرية, الأعلام العراقي بين الواقع والطموح

بقلم: ليث حمودي.

في كتابه الموسوم (قصة الفلسفة) يتحدث الكاتب والمؤرخ الشهير ويل ديورانت عن جملة من أبرز فلاسفة العالم منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث. ولا يمكن في أي حال من الأحوال ان يمر المتحدث عن الفلسفة دون الوقوف في محطة عظيمة اسمها أرسطو طاليس صاحب أحدى أشهر النظريات الفلسفية وهي نظرية الوسط الذهبي او ما يعرف ب (الوسطية) والتي يتحدث فيها أرسطو إن جاز لنا القول عن التطرف الفكري للأنسان حينما يتغير من صفة الى أخرى او من حال الى آخر بصورة سريعة دون المرور بالتدرج الطبيعي للتغيير ظنّاً منه أنه قد وصل الى الأختيار الأمثل كأن يقفز من حالة الجبن الى التهور دونما المرور بمرحلة الشجاعة والوقوف عندها او كأن ينتقل من البخل الى الأسراف دون الوقوف عند الكرم. وعندما تحدث هذا القفزة السريعة تكون التصرفات على عكس المتوقع. فيتوقع المتهور أن يمتدح الناس تهوره الذي يعتبره شجاعته والأمر ذاته ينطبق على المسرف وهكذا يمكن القياس على باقي المتناقضات.

ان المتابع المنصف لأداء الأعلام العراقي منذ سقوط نظام الحكم السابق عام 2003 وحتى اليوم يمكنه أن يلاحظ بكل بساطة انطباق نظرية الوسط الذهبي عليه بصورة تامة ومطلقة.

حتى قبل التاسع من نيسان عام 2003 وتحديدا منذ العام 1963, كان الأعلام العراقي يخضع بصورة مطلقة لسيطرة الحزب الحاكم وقياداته وكان أحد اهم أسلحته السلطة الحاكمة إن لم يكن أهمها على الأطلاق مناصفة مع أساليب القمع الوحشية والدموية التي أنتهجتها. كان الأعلام يوجه الشعب ويزوده بالمعلومات التي تريد السلطات الحاكمة ايصالها للمجتمع. وخلال قرابة نصف قرن, عمل هذا السلاح المرعب على تزوير الحقائق وطمسها وأخضاع العراقيين لعمليات غسيل الدماغ اليومية التي تجاوزت في بعض الأحيان كل قوانين المنطق والعقل بل أنها وصلت الى حد السخرية من الشعب وصارت نكتة سمجة يتداولها الكثيرون خلف الأبواب الموصدة خوفا من بطش زبانية النظام الحاكم. ولعل الأنتصارات الوهمية التي تحدث عنها طيلة سنوات الحرب مع أيران ومن ثم مرحلة غزو الكويت أبرز أكاذيب الأعلام التي ساقها لسنين طويلة دونما اي رادع سوى اذاعات أجنية كان الأستماع أليها يشكل تحديا كبيرا مع كل موجات التشويش التي أستخدمها النظام السابق لحجبها. هذا كله كان في الطرف الأول. لم يكن للأعلام أي دور سوى تلميع صورة النظام وأنجازاته الوهمية

تعالوا معي لنرى ماذا حدث بعد 9/4/2003

على حين غرة وفي غفلة عن كل قيم الأحترافية والمهنية, قفز الأعلام العراقي الى الطرف الآخر قفزة مهولة مع دخول القوات الأمريكية الى العاصمة العراقية بغداد. فجأة ومن دون سابق أنذار, ظهرت وسائل الأعلام بجميع صورها المرئية والمسموعة والمقروءة. عشرات الصحف والأذاعات والقنوات الفضائية صارت تتحفنا بالأخبار والتقارير والبرامج السياسية والأجتماعية المنوعه. كل يوم صرنا نقرأ ونشاهد الكثير من الكذب والدجل والقليل من ألحقيقة ولكن هذه المرة بطريقة فوضوية تحت شعار حرية الأعلام.

إن هذا الأنتقال المفاجئ أفقد الأعلام مصداقيته واحترافيته ودوره الريادي في بناء المجتمعات بل أنه أصبح أداة للتحريض على القتل. ولعل الأنتقائية هي أبرز ملامح غياب الأحترافية في وسائل الأعلام العراقي والتي تمارسها وسائل الأعلام بمختلف أشكاله. وتنبع هذه الأنتقائية من تبعية كل وسيلة أعلامية لحزب سياسي معين يفرض أجندته عليها وهو السبب الكامن خلف القناعات والأراء الفردية التي تعرضها هذه الوسائل والتي يرفضها كل من يعرف معنى الأعلام الأحترافي. أنا في الحقيقة لست ضد أمتلاك الأحزاب السياسية لقنواتها الأعلامية بل إني أقف مع هذا الأمر قلبا وقالبا لأنه حق شرعي لايمكن نكرانه وهي على الأقل تمنح المتابع فرصة أوضح لمعرفة أفكار وطروحات هذا الحزب او ذاك ولكني أقف كليا ضد طريقة الطرح التي تصور لنا هذا الحزب المالك للمؤسسة الأعلامية على أنه الحزب الوطني والمثالي الأوحد والذي لا هم له سوى حماية المواطن العراقي وتمثيله ولو كان هذا هو واقع الحال لما وصل بنا الحال الى ما نحن عليه الآن ولكن الحقيقة هي أن القفزة المفاجئة من الدكتاتورية الى الفوضى دون التوقف عند محطة الحرية الحقيقية هي السبب الكامن خلف كل ما نراه من أعلام مبتدأ غير ناضج ساهم بشكل واضح وفعال في تدمير البلد بطرق لا يسع المقام لحصرها.

عندما أحاول بين الفينة والأخرى أن اتابع الأخبار السياسية عبر القنوات العراقية المتزايدة, يسيطر علي الأحباط بسبب الكم الهائل من الهفوات التي قد لا يتمكن المتابع العادي من أقتناصها ولكنها تبدوا لي جلية كشمس النهار بحكم عملي في مجال الأعلام. هفوات تبدأ من تصميم الأستوديو وتمر عبر أزياء وملابس المقدمين وأسلوب طرح الأخبار وطبعا الكم الهائل من الأخطاء اللغوية والنحوية التي تقض مضاجع علماء اللغة حتى يشعر المرء أن سيبويه والفراهيدي يتقلبان على جمر رفع المفعول به بل وعلى نيران رفع المجرور وطبعا يقف على قمة هرم الهفوات غياب الحيادية التي تجعل من الأعلام معول هدم لا اداة بناء.

إن المرحلة الحالية التي يمر بها العراق تتطلب دورا أكثر أيجابية للأعلام يتمثل في أبراز الجوانب الأيجابية والسلبية على حد سواء بعين محايدة لا ترى الا الحقيقة المجردة من كل ميول سياسية أو مذهبية او قومية. هذا الأمر يحتاج الى وقفة جادة ومسؤولة من قبل الجهات المعنية التي يجب أن تتمتع بأستقلالية تامة لا أتوقع وجودها في الوقت الراهن على الأقل ولكني ما زلت أحلم برؤيتها.

 

 

الصورة بتصرف : Paulo Godoy

رأيان على “من زنزانة الدكتاتورية الى فضاء الحرية, الأعلام العراقي بين الواقع والطموح”

  1. احسنت النشر صديقي.
    حال الإعلام هو لا يختلف كثيرا عن باقي المجالات في بلادنا، فيه نسبة كبيرة من عدم وضوح وعدم مهنية.
    المصيبة الكبرى أن الناس بدت تتقبل الوضع وتتعايش معه بشكل انه اما تعزل نفسها أو التعايش وعدم الاكتراث، حالة غريبة وعواقبها وخيمة.

  2. عاشت ايدك على طرح هذا الموضوع، الاعلام يبني و يدمر اجيال، اتمنى من الاعلاميين العراقيين ان يتعالوا مثل حظرتك و اخرين عن المحسوبية و المصالح، اكيد رح ييجي اليوم الي حتكون بيها صحوة اعلامية و يكون الاعلام العراقي محايد في كتاباته و نشره.

اترك رد