أقدم مطبخ في العالم – الطبخ في وادي الرافدين ج3

بقلم زينة الالوسي.

مساؤكم ورد وفُل وياسـيمن متابعينا الغالين

اليوم سـوف نُبحِر مَعَكُم  في رحلة جديدة و معلومات جديدة حول أصول وجذور المطبخ العراقي الأصيل و شرح لبعض المُفردات و أصولها و كذلك وصف دقيق لمأدُبَة العاهل الاشـوري آشـور ناصر بال الثاني والتي تُعتَبَر من أشـهر و أفخَم المأدُبات في تاريخ البشـرية…. فهيا بنا نَبدأ رِحَلتَنا، متمنيةً لكم طيب الأوقات والمُتابَعَة.

ذَكَرَ الكاتب الفرنسي جان بوتيرو Jean Battero  وهو الذي أكتشـف لنا الألواح الأثرية الثلاثه التي يرجع تأريخها الى ما يُقارب اربعة الاف سـنة قبل الميلاد في كتابه “أقدم مطبخ في العالم – الطبخ في وادي الرَافِدَين” “The Oldest Cuisine in The Word – Cooking in Mospotaimia”  المترجم الى  الأنكليزية  من قبل تيريسا لافندر فاكان  Teresa Lavender Fagan، “أن مطبخ بلاد الرافدين في العصر السـومري كان قائماً على الخبز مثل المطبخ الفرنسـي.. فالرمز المسـماري للأكل هو علامة (الفَم) مع علامة (الخَبز) في داخلهِ، وكلمة “أكالو” الأكدية تعني (يأكُل) وكلمة “أكلو” تعني (خُبز).. وعندما تَعَلَمَ أنكيدو (في مَلحَمَة كِلكامش) كيف يأكُل مثل سـائر بني البَشَـر (بدلاً من أرتضاع الحليب من حيوانات البَر)، كان أول شيء تَعَلَمَهُ هو أكل الخُبز.. وفي محاوَرة ضمن ملحَمَة كِلكامش تُنادي شَـمخَة أنكيدو و تَقول لَهُ (كُل الخُبز يا أنكيدو، بَهجَة الحياة)”

و يُضيف جان بوتيرو في كتابه قائلاً: “تَنفَرِد المأدِب الآشـورية عن المأدِب التأريخية الكُبرى في تنوعها وجسـامتها وعدد المَدّعوين اليها أِذ يَسَـتَعِد الجَيش والشَـعب بأِسـرِهِ للأِعداد للدعوة وَ توفير المسـتلزمات، فينطَلِق الجنود الى البراري ليس للحرب هذهِ المرّة بَل لِمَسـك الجرابيع وصيد الطيور وجلب الحبوب والزيوت والمُكسّـرات وأعداد الأواني وجلب القزانات الضخمه و أعداد القصّابين لِذَبح الاف المواشـي وَ طَهيها على مدى سـبعة أيام..وَ تَجدُر الأِشـارة الى أنَّ السـومرين كانوا أول من أكتَشَـفَ الخميرة الضرورية في أعداد الخُبز، و أنَّ البابليين أضافوا الى الطبق العراقي فضيلة الكمأ”.

“وكان الخروف العراقي يَحتَّل أهمية خاصة في الطعام منذ العهود السـومرية القديمة لأليتهَ الوفيرة بالدهون التي وصَفَها هيرودوتس وَ عَدَّها الأفضل في الخَروف العراقي كَونَها تَعطي للطعام مذاقاً شَـهياً وبِخاصة طَبق (الهبيط) وهو من أفضل الوَجبات العراقية، وَ لَعَّل من الطريف أن يعمَد الصوفية في العهود المتأخرة الى تسـمية الخروف (الشَـهيد أبن الشَـهيد) كِنايةً عن لُطف مَظهَرِهِ وَ وَداعَتِهِ وَ طيب لَحمِهِ.. فضلاً عن المسـكوف وَ حَلوى التَمر بالدهن الحُر المعروفة بالسـميدو في بلاد آشـور”.

” كما كان السـومريون أول من أبتكر العصائِر والمشـروبات ومنها الجِعّة التي أنتقَلَت الى بابل وَ مِنها الى نَينَوى وكالخو (النَمرود) و آشـور..وَ يَقيناً فأن البحث في الطعام والمأدِب عبر التأريخ يسـتَغرِق مُجلدّات لِما فيهِ من تَنَوع وظرافة.. وَ لَعَّل أكبر مأدُبة في التأريخ القديم تِلكَ التي أقامَها مَلِك العالم آشـور ناصر بال الثاني , وَهو آشور- ناسـير- آبلي بالأكادي – الآشـوري، وفي التناخ كُتِبَ أِسـمُه آشـورناصربال  و في الآشـورية Aššur Nasir Pal وَ تَعني آشـور هو الوصي على الوريث.. كان ملك آشـور من الفترة 883 ق.م إلى 859 ق.م، وَ يُطلَق عليه أيضاَ آشـورناسـيبال الثاني أو آشـورنازربال الثاني أو آشـور ناصر بعل.. وَ قَد خَلَفَ والِدَهُ توكولتي نينورتا الثانى. وَ قَد أقام هَذِهِ  المأدَبَة أِحتفالاً بأكمال بناء قصرهِ الشـمالي الغربي  (قصر البهجة المَلَكي)  في كالخو (النَمرود) و كانت مأدُبة باذِخة جداً حيث أقامها لِما يُقارِب مَجموعَهِ  سَـبعون الفاً من الضيوف (تقريباً) وكانت مُكّوَنَّه من ألف رأس مُسَّـمـَّن من الماشَـية  وَ ألف عِجل وَ عَشـرَة الاف خروف زَريبة وَ خَمسَـة عَشَـر حَمَل و مِئات الأيائِل و الغِزلان  و الاف البَط  و الأِوَز و أصناف الطيور والخِراف البيض  و الأرغِفة و الاف الجِرار مِن البيرة و رَوقيد النَبيذ و أنواع الحُبوب وَ الخُضار وَ الزُيوت و الأفاوية و الفواكهه و أكواز الفُسـتُق وَ العَسـل وَ الزُبدة الخالِصة وَ الحَليب والجبن وَ الجوز المَقشَّـر وَ التَمر، الخ الخ”.

 

النص و الوَصف الكامل لمأدُبَة العاهل الآشـوري آشـور ناصر بال الثاني وكما ذَكَرها هو في أحد الألواح الأثارية  وكما جاءت في العديد من المصادر والمواقع على الأنترنت:

(عندما أكمل آشـور ناصر بال الثاني ملك آشـور قصره البهيج المُشـاد بالحكمة، دعا آشـور الأله العظيم آالهة البلاد كلها…(فَذَبَحت) 1000 ثَور سَـمين و 1000 عِجل و رأس غنم من الحضائِر و14,000 رأس غَنَم من عائِدات الالهه عِشــتار سَـيدَتي و 200 ثَور من عائِدات الالهه عِشـتار سَـيدَتي و 1000 رأس غَنَم و 1000 خَروف تَرَعرَع في ريعان الرَبيع و 500 غَزال من نَوع الأِيالو و 500 غزال (آخَر) و 1000 بَطّة (أيشـو و أبوطو) و 500 بطّة من نوع الأوسـو (أِوَزّة) و 500 أِوَزَّة و 1000 أِوَزَّة بَريّه و 1000 طائِر غاريبو و 10,000 حَمامَة و 10,000 حَمامَة بَريَّة و 10,000 طائِر صَغير و 10,000 سَـمَكة و 10,000 جَربوع و مَعَها 10,000 بيضَة و 10,000 قِطعَة خُبز و 10,000 وِعاء من البيرة و 10,000 جِراب من الخُمرة و 10,000 حاوية من الحُبوب وَ السِـمسِـم و 10,000 قِدر من ال… السـاخِن و 1000 صندوق من الخضراوات و 300 حاويَة من الزَيت و 300 حاوية من الشَـعير المَنقوع (السَـليقة) و 300 حاوية من نبات الراقاتو المَخلوط  و100 حاوية من القديموس و 100 حاوية من ال… و 100 حاوية من الشَـعير المُحَمَص و 100 حاوية من الأبوخشـينو و 100 حاوية من البيلاتو (البيرة المُمتاز و 100 سَـلَّة من الرُمّان و 100 سَـلَّة من العِنَب و100 سَـلَّة من الزامروس المَخلوط و 100 حاوية من الفَسـتُق و 100 حاوية من الـ… و 100 حاوية من البَصَل و 100 حاوية من الثوم و 100حاوية من القنيبخوس و 100 شَـدَّة من اللِفت و 100 حاوية من العَسَـل و 100 حاوية من السَـمن و 100 حاوية من بذور الشـوء المَحَمَصّة و 100 حاوية من نبات الكاركارتو و 100 حاوية من نبات التياتو و 100 حاوية من الخَردَل و 100 حاوية من الحَليب و 100 حاوية من الجبن و100 زبدية من شـراب الميزو و 100 ثَور مَحشـي و 100 هومرات (مِكيال عبري قديم) من مُكّسّـرات الدوكدو غير المُقَشَّـر و 10 هومرات من الفُسـتُق غير المُقَشَّـر و 10 هومرات من … و10 هومرات من الخباقوقو… و 10 هومرات من التَمر و 10 هومرات من الطيطيب و 10 هومرات من الكمّون و 10 هومرات من السـاخونو و 10 هومرات من الـ… و 10 هومرات من الأنداخشـو و 10 هومرات من الشـيشـانيبو و 10 هومرات من السـمبيرو و10 هومرات من الخاشـو (الزعتَر) و 10 هومرات من الزَيت المُصّفَّى المُمتاز و 10 هومرات من المُطّيبات المُمتازة  و 10 هومرات من الـ… و 10 هومرات من قرع النصابو و 10 هومرات من بَصَل الزنزيمو و 10 هومرات من الزيتون. عندما بارَكت قَصري كالخو (كان هُناك) 47,074 رجل و أمرأة دَعوتُهُم من أنحاء بلادي كافّة و 5000 من النُبلاء والمَبعوثين من بِلاد سـوحو وهيندانو وباتينو وحاتي وصور وصَيدا و كوركومو وماليدو وحوبوشـكيا وكيلزانو وكومو ومصاصيرو (وكذلك) 16,000 من سـكان كالخو و 1,500 زريقو من قصري – وهم معاً (يُصبِحون) 69,574 وَ بِضمنِهُم أولئك المدعوون من البِلاد كلها، ومن سُـكان كالخو فقدت لهم الطعام والشـراب لِعَشـَرة أيام وجَعَلتُهُم يَسّـتَحِّمون وَ يُدّلَّكون بالزَيت. هَكذا أكرَمت (ضيوفي)، و أعدتُهُم الى بُلدانِهُم بِسـلام وَ بَهجَة).

وَ يَضيف جان بوتيرو في كِتابِهِ: “أما في عَهد نبوخذ نَصَّر فقد كانت الموسـيقى تتألف من أوركسـترا من عَدَد مُتَّنوِع من الآلات الموسـيقية  وكانت تُصاحِب مَطبَخِهِ الباذِخ وأنَّ الفُرس أسـتعاروا المَطبَخ البابلي بعد أحتلال هَذِهِ المَدينة العَظيمة، مِثلَما تَعّلَمَ مَلِكَهُم اللُغة البابِلية،  وهكذا أِنتَقَلَت فِكرَة فُنون المَطبَخ فيما بَعد الى السـاسأنيين ثُمَّ الى العبّاسـيين الذي كان مَطبَخُهُم باذِخاً جِداً ومنهُم الى شـعوب العالم”.

وفي خِتام كِتابِه، يَقول جان بوتيرو: ” لَيسَ هُناك ما يَدعونا الى الأِعتقاد بِأننا قادِرون على تناول العَشـاء الرَبّاني مع أبناء وادي الرافِدَين القُدامى، فلا أحد يَسـتَطيع مَعرِفَة النَكهة الحَقيقية للِعَشَـرات من أصناف المواد التي كانت تُسـتَعَمَل في تِلكَ الطَبَخات”. لَكِنَهُ يَعتَقِد أيضاً: “أِننا نَسـتَطيع أِسـترجاع بَعض الشَـيء مِنها، لَكِن ماهو هذا الشـيء الذي نَسـتَطيع أِسـترجاعُهُ ؟ هَل سَـيكون في وِسـعِنا أن نَتَذّوَق مِمّا كان يأكُلُهُ أبناء وادي الرافدين عمّا تَحَّدَر الى المَطبَخ ((العربي – التركي)) أو ((اللُبناني))أو الشَـرق أوسَـطي الذي نراهُ اليو؟”.

وأنا هُنا أُجيبُ جان بوتيرو وأقول لَهُ: “نحن أولاد بِلادُ الرافِدَين بِمُختَلَف أطيافِنا وَ قومياتِنا وَ دياناتِنا وَ مذاهِبِنا لا نزال نَسـتَمتِع  بِنَكهات مَطبَخِنا اللذيذه وَ المَتَعَدِدة، وَ كَن واثِقاً وَ مُتأكِداً مئة بالمائة أنَهُ لا يوجد ألذ و أشـهى وأطيب من مَذاق ونَكَهات المطبخ العراقي فهو غني بكل معنى الكلمة بالمواد والتوابل والخَلَطات وطُرُق الطَبخ  والأِعداد المُمَيَزة جِداً جِداً، وَمَهمها سـافرت الى مَشـارِق الأرض وَ مَغارِبِها  وَ جَرَّبت مَختَلَف مطابِخ العالم وأشـهى الأكلاّت وَ الوَصَفات من أيادي أشـهَر الطُهاة، فَلَن تَجِدَ ماهو أكثر مُتعة و أكثر تَنَوع وغِنى من الطعام وَ المَطبَخ العراقي.

فَهَل يوجد ماهو أشـهى من الكَباب العراقي ؟؟ أو السـمَك المَسـكوف ؟؟ أو البرياني و القوزي و مَقلوبة الباذِنجان ؟؟ أو الدولمة والشـيخ مَحشـي ؟؟ أو تشـريب (هبيط) اللَحَم أو الدَجاج ؟؟ و الدَجاج المَشـوي و المَحشـي ؟؟ أو كُبَّة السّـراي وً كُبَّة الحَلَب وكُبَّة البَطاطا (البُتيتة جاب) وً كُبَّة البُرغُل وً كُبَّة الموصل ؟؟ و تَبسـي الباذنجان والباذنجان ِبِمُختَلَف طُرق أعدادةِ المُتَعَدِدة ؟؟ أو الرَز العراقي بِمُختَلَف طُرُق أِعدادِهِ الكثيرة  وَ المُتَنَوِعَة سِـواء أِكان الرُز الأحمر أو الأصَفر أو الرُز الأبيض  بالكِشـمِش واللّوز وَ الشَـعريّة  و رٌز العَنّبَر ذو الرائِحة والنَكهة المُمَيزة جِداً جِداً ؟؟ او مُختَلَف أنواع المُروقات العراقية الأصيلة ؟؟ وغيرها الكثير الكثير… لا والله لايوجد.

أٍستميحُكُم عُذراً أِنْ كُنتُ قَد أَطِلتُ عَلَيكُم هذا الأسـبوع وَلَكِن للِضَرورَةِ أحكام وكان من الواجِب ذِكر التفاصيل كما جاءَت في المصادر لِتَوضيح الأمر من جميع جوانِبِهِ…  وعذراً  لغرابة العديد من الكلمات التي ذُكِرَت في نص المأدُبة و كونها غير مفهومة ، ولكني حاولت البحث عن ترجمتها عبر العديد والعديد من المواقع على الأنترنت ولكن للأسـف لم أوفق… وحالما اعثر على ترجمتها الدقيقة والصحيحة سأحرص كل الحُرص على مشـاركتكم اياها .. الأسـبوع المَقبِل سَـيكون مَوعُدُنا مع الجُزء الرابع والأخير من هَذِهِ السِـلسِـلة ” أقدم مَطبَخ في العالم – الطَبخ في وادي الرافِدَين” والتي سـأُحَدِثَكُم مِنْ خِلالِهِ عن أول وَ أقدم الموسـوعات في عِلم التَغذِية وَبِهذا نَكون قد قُمنا بِتَغطِيَة الموضوع من مُختَلَف جَوانِبِهِ قَدَر الأِمكان.. فترقبوا وكونوا على المَوعِد.

 

المصادر:

·        موقع الآثاري العراقي د. بهنام أبو الصوف / المطبخ الرافديني… منجزات شعب عريق / المطبخ العراقي بقلم علي الشـوك

·        مقال لنورعلي – ثقافة وفنون على الفيسبوك بتاريخ 30 تموز 2013 في بغداد العراق

·         صورة كتاب The Oldest cuisine in The World- Cooking in Mesopotamia للكاتب الفرنسي جان بوتيرو Jean Bottero  من موقع  The University of  Chicago Press Books

رأيان على “أقدم مطبخ في العالم – الطبخ في وادي الرافدين ج3”

اترك رد