الكركيعان

كتابة : نجلاء ابراهيم

يستعد البصريون بحلول منتصف شهر رمضان الكريم من كل عام للاحتفال بظاهرة ( الكركيعان ) الشعبية والفلكلورية، وهي مناسبة يحتفل بها الأطفال بعيد مبكر قبل حلول عيد الكبار في الفطر المبارك، وهي تقليد يحيه الأطفال والصغار بعد صلاة العشاء من ليلة المنتصف من شهر رمضان المبارك حاملين معهم الفوانيس ومرتدين الملابس التقليدية وواضعين في رقابهم ( الكيسية  ) وهي اكياس من القماش تقوم الأمهات بخياطتها لأبنائها خصيصا لهذه المناسبة . يقوم الاطفال المحتفلين بهذه المناسبة بطرق الأبواب على شكل جماعات طلباً للحلوى التي يقوم بشراءها البصريون مسبقا استعداد لهذه المناسبة والتي تشمل ( الحامض حلو والجكليت والزبيب والمسقول والحلقوم والكرزات من جوز وفستق ولوز) وبجنبها النقود كعطايا.

والكركيعان ظاهرة شعبية فلكورية رمضانية تعددت تسمياتها، حيث يسميها البغداديون والنجفيون (الماجينة) ويسميها أهل المحافظات الجنوبية سيما البصرة ( الكركيعان ) فهي تسمية مستمدة من لهجات خليجية ، حيث يطلق عليها أهل البحرين ( قرقاعون )، ويسمونها في قطر ( قرنقعوه )، وفي الكويت والسعودية ( القريقعان )، وفي سلطنة عُمان يسمونها ( القرنقشوه ).

ولا يختلف أبطالها الأطفال مع التقليد المعروف بارتدائهم زيا خاصا ويردوون ( كركيعان وكركيعان الله يخلي الزغيرون) وبعد انتظارهم أمام الأبواب يقولون ( يا اهل السطوح تنطونه لو نروح )، ولا تخلو أصواتهم  من سياسة الترغيب حيث يدعون لصاحب الدار ( ماجينة يا ماجينة حلّي الجيس وانطينا… انطونا الله ينطيكم ولبيت مكة يوديكم ) او الدعاء لصاحب الدار لتشجيعه بالمزيد من العطاء، في أهازيج متوارثة.

ويرجع اصل كلمة كركيعان بحسب بعض الباحثين بأنها لفظ عامي مأخوذ من قرع الباب، وهذا ما يفعله الأطفال في تلك الليالي، أي يقرعون أبواب المنازل لطلب الحلوى ويقال انها مشتقه من كلمة قرقعة أي أصوات الطرق على الأواني التي تحمل فيها الحلويات ، بينما يذهب الاخرون الى انها أتت من كلمة ( قرة العين ) والمقصود ( قرة عين النبي محمد ) في إشارة إلى ولادة الإمام الحسن (ع)، أول حفيد للنبي (ص)، إذ فرح البيت العلوي بولادته، بحيث قام النبي (ص) بتوزيع الحلويات المتاحة في ذلك الزمن على الأطفال، وكانت عبارة عن تمر ممزوج مع الدقيق، فأصبح الاحتفال بعد ذلك بهذه المناسبة سنة، فصار أطفال المدينة يذهبون إلى بيت النبي طلبا للحلوى في ليلة 15 رمضان من كل عام، وكان يعد العدة لذلك قبل يوم، ، أما المعنى الاخر للكلمة فهو مشتق من عادات وتقاليد أهل الخليج، وتعني ( الشيء المخلوط المتعدد الأصناف ).

اما تسمية ( الماجينة )، التي تطلق على هذه المناسبة أيضا، فيرى بعض الباحثون الى انها تعود بالاصل الى جملة ( لولاك ما جئنا )، وهي الكلمة التي كان يرددها أصحاب الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) عند زيارتهم دار الإمام علي (ع) لتهنئته بمناسبة ولده الحسن، المصادفة ليلة النصف من رمضان.

وقد اخذت هذه الظاهرة بالانحسار حالها حال الكثير من العادات والظواهر الفلكلورية بسبب التمدن الذي طال المجتمعات ، ولا سيما في وقتنا الحالي اذ انشغل اطفالنا بعالم التكنولوجيا وتقنيات العصر الحديث، فضلا عن الأوضاع الأمنية التي أجبرت الأهالي إلى الحد من تحرك صغارهم والخروج ليلاً.

ويختم الصغار ليلتهم الجميلة هذه بعودتهم الى أهلهم غانمين بما جمعوه في أكياسهم الصغيرة من حلوى ونقود ومكسرات ليعطوا جزءاً منها لذويهم، في موروث شعبي مازال صامدا في بعض المناطق دون اخرى، ليخلد مع الأجيال بذكريات تحمل عبق الماضي الجميل لتبقى عالقة في اذهان ووجدان أهلنا ولا سيما في البصرة .

 

الصورة من موقع عراقية

رأيان على “الكركيعان”

  1. عاشت ايديج نجلاء على هذا السرد الحلو .. قسم من التفاصيل جديدة، خاصة الربط مع زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  2. عاشت ايدك نجلاء، موضوع شيق و تفاصيل جميلة.
    من الملفت للنظر انه الاطفال في هولندا يحتفلون بيوم يسمى ” سنت مارتن” بنفس الاسلوب و بكل تفاصيل احتفالنا “بالماجينة” او ” الكريعان”، مرة بالسنة في يوم ١١ نوفمبر.

اترك رد