الشـناشـيل ج2

بقلم زينة الالوسي.

وجودها و أهميتها في التراث البغدادي والعراقي

مسـاء الخيرات و الأنوار و المسّـرات..اليوم نكمل معكم ما بدأناه الأسـبوع الماضي عن الشـناشـيل مع الجزء الثاني والأخير والذي يتحدث عن وجود وأهمية الشـناشـيل في العمارة و التراث البغدادي والعراقي.. فهيا بنا نبدأ الرحلة….

بعض المشـربيات التي بنيت في بغداد في العشـرينيات والثلاثينيات من القرن العشـرين تأثرت بحركتي “الآرت نوفو”(*1) والآرت ديكو” (*2) الغربيتان وهما اسـلوبان من أسـاليب الفن والهندسة المعمارية والتصميم وتميزتا بتصميمات متجددة ودقيقة ذات خطوط منحنيه وأشـكال مسـتوحاة من النبات و الأشـكال الهندسـية و يظهر هذا في النقوش والزخارف.

تقدم الشناشيل التي عرفت بشكل خاص في البيوت المطلة على شارع الرشيد ايام زمان  فوائد عدة منها جمالية واخرى وظيفية…. فالناحية الجمالية تظهر في الزخرفة بأشـكالها المختلفة.. نباتية وهندسية.. اضافة الى اضفاء الجو العاطفي الرومانسي  نتيجة الى تسرب اشعة الشمس من خلال الزجاج الملون فيضفي ذلك على البيت جمالا وتلوين…. ولا تزال محلة العاقولية ماثلة في موقعها حتى اليوم وراء ساحة تمثال الرصافي، وكان هناك دار بالسـقوف العالية المغلفة بالخشب الملون الانيق والشـناشـيل والرازونات التي تطرز جدران غرفها والعائدة لعائلة الشـاعرة نازك الملائكة قبل أنتقال العائلة الى الكرادة.

 

كما كانت منطقة الجعيفر والرحمانية والأعظمية وباب الشـيخ والصدرية والفضل، من منا لم يتحرك فيه الحس الجمالي العالي عندما يلمح شـناشـيل بيوتاتها  وهي البيوت القديمة العريقة في تلك المناطق وامتداداتها.. و توفر الشـناشـيل المصطفة على طول أزقتها وأحيائها الضيقه المضلمة  مظلّة كبيرة و طويلة يحتمي بها المشاة و المارّة من حرارة شمس الصيف وأمطار الشـتاء وتدفع تيارات من الهواء بينها مايجعل المرور بينها في ايام الصيف اللاهب لطيفاً.. وتزداد أهمية المظلة التي تطل إلى الخارج لمسافة متر تقريبا عندما تطل الشـناشـيل من عشـرين الى ثلاثين منزلاً متجاوراً ويقابلها عدد مماثل من المنازل علماً أن هذا التقابل يجعل الأزقة بمنأى عن أشعة الشمس فضلا عما تؤلفه الشـناشيل في الزقاق الواحد من نسق معماري ذي ابعاد هندسية جميلة لأنها في ارتفاع واحد سواء عن مستوى ارض الزقاق او على مستوى إطلالتها أو طلعاتها الخارجية.

 

تعتبرالبصرة من أكثر المدن التي فيها الشـناشـيل الباسـقة كنخيلها..و تعتبر الشـناشـيل من الظواهر الرئيسـية والمألوفة في البيوت البصرية التراثية والتي تدل على الثراء…. ففي بيوت الميسـورين تتحول الشـناشـيل إلى قطع فنية رائعة وذلك لجمال نقوشـها الخشـبية التي تتخللها قطع زجاجية صغيرة ملونة… و بالأضافة لكونها مدينة النخيل والانهار والفراهيدي والسياب، تتواجد فيها بيوتات قديمة في العشار ومحلة البصرة القديمة يفوح من بين جنباتها عبق الماضي تطل على من كان يزورها في الزمن الجميل ليشـاهد من بعيد البيوتات المطرزة بشـناشـيلها الجميلة بتصميمها وزخرفتها وبيوتها الشـامخة في منظر جميل وخلاب ومترامي، من منا عندما يزور البصرة لم يقف طويلاً أمام بيتوتاتها   ليدقق ويستمتع بالشناشيل التي تجمل البيت من الخارج وينعكس لون زجاجها الملون على الطريق في مداعبة غير مقصودة لشعاع شمس حط بنوره على المكان، تلك البيوتات التراثية الرائعة في الهندسة المعمارية، أصبحت متلازمة مع واقع الإنسان البصراوي على مر العصور، هي عديدة وذات هندسة معمارية، فهذه الشواهد التراثية، إنما تدل دلالة واضحة على مدى إبداع المعماريين في مجال بناء البيوت المعمارية التي شيدوها بكل إتقان مع مهارة تصميم الأبواب والنوافذ والتي تحمل الطابع القديم، وهذه البيوتات القديمة تصبح اليوم بمثابة تراث يشهد على عظمة الإنسان العراقي، لا بد أن يشدك بقوة تراثها المعماري الذي ميزها عن بقية المدن العراقية، حيث من الممكن أن تشاهد شناشيلها التي تعبر عن مدى التقدم الحضاري في مدينة كانت من أوائل الأمصار الإسلامية التي أمر بتشييدها ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، وستبقى شناشيل مدينة البصرة على الرغم من إزالة الكثير منها شاهداً حياً على جمالية العمارة البصرية من الفنون المعمارية المميزة وتقدمها خلال فترات من تاريخها الحضاري العريق.

 

للشـناشـيل- المشـربيات تأثير كبير على الثقافة الشـعبية في العراق وقد نسـجت العديد من القصص والقصائد عن المشـربيات، أبرزها قصة “حب نجار الشـناشـيل لإبنة الجيران”. ويطلق على الواجهة الواحدة شـناشـيل وجمعها شـناشـيلات وهناك العديد من الأغاني الفلكلورية تدل على ذلك منها: “فدوة للشـناشـيلات … تكعد بيهن الحلوات … تكثر بيهن الضحكات …. فدوة للشـناشـيلات” وأغنية أخرى تقول كلماتها: “شـناشـيلك ياسـف اليوم … يحله الليل بيه النوم … بس آنه أظل مهموم … كل ليلي أجر حسـرات”.

و كتب الشـاعر بدر شـاكر السـياب قصيدة بعنوان”شـناشـيل ابنة الجلبي”.

 

وأذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور

من خلل السحاب كأنه النغم

تسرب من ثقوب المعزف ارتعشت له الظلم

وقد غنى صباحا قبل .. فيم أعد ؟ طفلا كنت

أبتسم

لليلي أو نهاري أثقلت أغصانه النشوى عيون الحور.

وكنا جدنا الهدار يضحك أو يغني في ظلال الجوسق

القصب

وفلاحيه ينتظرون : “غيثك يا إله”وإخوتي في

غابة اللعب

يصيدون الأرانب والفراش , و(أحمد) الناطور

نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر

ونرفع للسحاب عيوننا : سيسيل بالقطر.

وأرعدت السماء فرن قاع النهر وارتعشت ذرى السعف

وأشعلهن ومض البرق أزرق ثم اخضر ثم تنطفئ

وفتحت السماء لغيثها المدرار بابا بعد باب

عاد منه النهر وهو ممتلئ

تكلله الفقائع, عاد أخضر , عاد أسمر غص

بالأنعام واللهف

وتحت النخل حيث تظل تمطر كل ما سعفه

تراقصت الفقائع وهي تفجر إنه الرطب

تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفه

بجذع النخلة الفرعاء (تاج و ليدك الأنوار لا الذهب

سيصلب منه حب الآخرين سيبرئ الأعمى

ويبعث في قرار القبر ميتا هده التعب

من السفر الطويل الى ظلام الموت يكسو عظمه اللحما

و يوقد قلبه الثلجي فهو بحبه يث!)

*

وأبرقت السماء … فلاح, حيث تعرج النهر,

وطاف معلقا من دون أس يلثم الماء

شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

(عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاء)

وآسية الجميلة كحل الأحداق منها الوجد والسهر.

*

يا مطرا يا حلبي

عبر بنات الجلبي

يا مطرا يا شاشا

عبر بنات الباشا

يا مطرا من ذهب

*

تقطعت الدروب؛ مقص هذا الهاطل المدرار

قطعها ووراها,

وطوقت المعابر من جذوع النخل في الأمطار

كغرقى من سفينة سندباد, كقصة خضراء أرجأها وخلاها

إلى الغد (أحمد ) الناطور وهو يدير في الغرفة

كؤوس الشاي, يلمس بندقيته ويسعل ثم يعبر طرفه

الشرفه

ويخترق الظلام

وصاح “يا جدي” أخي الثرثار:

“أنمكث في ظلام الجوسق المبتل ننتظر

متى يتوقف المطر؟”

*

وأرعدت السماء, فطار منها ثُمّة انفجرا

شناشيل ابنة الجلبي..

ثم تلوح في الأفق

ذرى قوس السحاب . وحيث كان يسارق النظر؛

شناشيل الجميلة لا تصيب العين إلا حمرة الشفق.

*

ثلاثون انقضت , وكبرت كم حب وكم وجد

توهج في فؤادي!

غير أني كلما صفقت يدا الرعد

مددت الطرف أرقب : ربما ائتلق الشناشيل

فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي!

ولم أرها . هواء كل أشواقي, أباطيل

ونبت دونما ثمر ولا ورد !

 

  • تلقّب البصرة بأم الشـناشـيل لكثرة المشـربيات التي تطل على شـط العرب فيها.
  • تبنى المدّات التي تسـتند عليها المشـربية في القاهرة والبصرة من الخشـب، وتبنى في بغداد من الحديد (آي بيم) يسـمى “الشـيلمان”
  • تأثر الغرب في العصور الوسـطى بالمشـربيات (بالإضافة إلى عناصر معمارية أخرى) فبنوا المشتربيات الحجرية ذات النوافذ في بعض قلاعهم.
  • يقال أن المشـربيات من مخلفات الموسـرين. فلطالما كان يعرف ثراء أصحاب البيوت من شـناشـيلها لما تتطلبه من أموال وفيرة وكلف عالية.
  • بعض البيوت ذات المشـربيات أو الشـناشـيل أسـتغرق العمل في بنائها أكثر من ثلاثة أعوام. وقد إعتمد في بنائها على خشـب التوت (التكي) أو خشـب السـدر (النبق) وغيره من الأخشـاب المحلية المتوفرة.

شـكلت الشـناشـيل جزءاً كبيراً من الألهام للفنون التشـكيلية والرسم، فقد قام بعض الرسامين الرواد وما بعدهم من عكس لوحاتهم الجميلة وبعض منها نقلت الشـناشـيل من الواقع المحلي الى المسـتوى الدولي.

 

ذكريات الشـناشـيل والتطرق اليها جميلة بكل شيء وليس في بنائها وتصميمها  و زخرفتها بل في عبق مشاركتها في الفرح والحزن وفلسفة حياتهم على حد سواء وربما البناء هو ايضاً جزء من تلك الروحية الخالدة في ذاكرة كثير من العراقيين، وكم هم يتأسفون حينما يهد بناء قديم من دون التفكير للحظة بأنه يحمل بصمة معمارية وروحاً عراقية فريدة في ذاكرتهم، تلك الروحية الخالدة في ذاكرتهم…. والشـناشـيل واحدة من العلامات المعمارية  وسـمة من سـمات المجتمع العراقي الذي يمكن لنا ان نسـتنتج طبيعة حياته وعلاقاته المتداخلة والتي تكتنفها الالفة والمحبة والانسجام، وعموما فانها تمتلك خاصية فنية في زخارفها ومقرنصاتها واعمدتها وابوابها وزجاجها الملون وغرفها، ناهيك عن كونها تشـكل سـلسـلة من البيوتات التي تسـقط ظلا على الشارع هذا المعمار الذي تكون عبر عشـرات السـنين قسـم كبير قد أضمحل والقسم الآخر اصابه التهميش نظراً للظروف التي مر بها البلد ولكن تبقى هذه البيوت ارث حضاري نخشى عليه من الاندثار فهو يحمل ذكريات الماضي الجميل، وهي بمثابة شـواهد على تاريخ  شـهدته أجيال كثيرة على مر العصور و ما زال بعضها شـامخا هنا وهناك..أذا كانت الشناشيل فناً من فنون الإبداع المعماري والبيئي والجمالي خاصة في بعض مناطق العراق وبالأخص في بغداد والبصرة حيث كانت يوماً حكاية تروى، وغناءً يطرب له، وفناً قضى الحرفيون والمعماريون والبنائون فيه العمر كله، وشعرأ يتغنى به، ورسماً في لوحات رسامينا.

 

*1 حركة الآرت نوفو: http://www.archiciv.com/vb/archiciv281/

*2 حركة الآرت ديكو: http://www.w-dd.net/design_ask/archives/721

 

 

المصادر:

  • الويكيبيديا الموسوعة الحره
  • الموسوعة العالمية للشـعر العربي com / الشـعر الفصيح – رقم القصيدة 68109
  • الكاردينيا مجلة ثقافية عامة / تراثيات و بغداديات “ومضات الشناشيل وجمالية تصميمها العمراني والمناخي لبيوتات بلدي الجميل أختصرتها بكلمات المحبة والشوق وما آل أليها من تهميش” – بقلم سرور ميرزا محمود
  • شـناشـيل عراقيه /آفاق حرة 80

 

رأي واحد على “الشـناشـيل ج2”

  1. موضوع حلو ومكمل لمقال الاسبوع الماضي.
    حركة نوفو يبدو انها تعني اكثر بالمظهر الخارجي, راح احاول اقرا الروابط وابحث اكثر ايضا 🙂
    اتمنى ان نشهد حركة عمرانية في بلدنا الحبيب تعطي شئ مميز لمدنا. شكرا على هذا الموضوع مرة اخرى

اترك رداً على Ahmed Saleh إلغاء الرد