من اعلام بلادي – عبد الجبار عبدالله

بقلم احمد طاهر.

تمر اليوم الذكرى الرابعة بعد المئة على ولادته.

يقول عنه الدكتور سعدي الدبوني، الامين العام السابق لجامعة بغداد ” أن يطلع جمهور المهتمين بالعلم والثقافة والمعرفة، خاصة العراقيين منهم أن هناك عالماً ضربت جذوره عميقاً في وادي الرافدين الى آلاف السنين، رجلاً وفياً لكل المعاني القيمة العلمية والحضارية والفكرية في هذا الوادي، العراق.

فاذا شئنا ان نتعرف قليلاً على دنيا هذا الرجل الفذ، فأن الحقيقة التي يلزمنا أن نقولها أولاً وقبل كل شيء أن هذا الرجل الذي قدم كل ما يستطيع من مواهب ومعارف وطاقات للبلاد التي أنجبته، لم يلق ما يستحقه من جزاء. وحتى حين أدرك الحكام أخيراً، أن لهذا الرجل حقاً أن يوفي جرى كل شيء على استحياء، وليس بملء الفم كما يقال.”

ولادته: 

ولد الدكتور عبد الجبار عبدالله في ناحية قلعة صالح بمدينة العمارة مركز محافظة ميسان بتاريخ 14 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1913، كما اكد وذكر هو شخصيا لافراد عائلته، وليس كما تذكره العديد من المصادر (ومن ضمنها شهادة الجنسية العراقية وشهادة الولادة الصادرة من السلطات العثمانية) كونه ولد في عام 1911.

ينتمي الدكتور عبد الجبار عبدالله الى عائلة السام، وهي عائلة معروفة من الديانة الصابئة المندائية كانت تعيش في العمارة (ميسان حاليا).

دراسته:

في عام 1925 تخرج من المرحلة الابتدائية في مدرسة “قلعة صالح”، وهي اول مدرسة تم بناءها في محافظة ميسان من قبل الانگليز عام 1917.  كان عدد الطلاب في السنة الاولى بعد افتتاح تلك المدرسة من مختلف الاديان: 45 طالب من الديانات الصابئية المندائية ومن اليهود وونفس العدد من الطلبة المسلمين.

أَكمل دراسته الإعدادية في “الاعدادية المركزية” في بغداد عام 1930 واثبت فيها تفوقه ونبوغه بين زملائه مما اهله مع 26 طالب فقط على مستوى القطر كله الى الحصول على منحة لاكمال الشهادات العليا خارج البلاد وغادر إلى لبنان عام 1930 لمواصلة التَعليم بالجامعة الأمريكية في بيروت (AUB). كانت سفرته الى لبنان عن طريق البحر من ميناء البصرة.

تخصص في الفيزياء وتخرج بدرجة بكالوريوس في عام 1934

بعد عودته الى العراق عمل استاذا لمادة اللغة الانكليزية في المدرسة الشرقية المتوسطة في الكرادة ببغداد.  لم يكن سعيدا بعمله لكونه بعيدا عن اختصاصه.  التقى بالصدفة بصديقه رشيد غالب الذي كان في زيارة الى بغداد من ميسان وساعده بحكم صداقته بالاستاذ موسى الشماع مدير “ثانوية العمارة” ان يحصل على عمل هناك كمدرس لمادتي الرياضيات والفيزياء من عام 1934 والى عام 1938، الى ان جاءت فرصة العمل في مطار البصرة. بعد فترة اصبح معاون مدير الانواء الجوية لمطار البصرة.

اول كتاباته كانت في اواخر عام 1939 فقد كان ينشر مقالاته العلمية في مجلة التفيض (البغدادية)، والتي هي عبارة عن سلسلة مقالات علمية تتصل باختصاصه في الفيزياء ظهرت منذ العدد السابع للمجلة المذكورة. فقد نشر مقالته العلمية الأولى تحت عنوان (مبادئ النظرية النسبية من بطليموس الى اينشتاين) الذي تميزت بأسلوب علمي مبسط ومشوق. وبعدها نشر الجزء الثاني من الموضوع ذاته في العدد التالي للمجلة وبالعنوان ذاته. بعدها نشر مقالة علمية ثالثة تحت عنوان (مصدر الإشعاع الشمسي، ونظرية جميس جنيز) ، أتمه في العدد اللاحق للمجلة وبذات الأسلوب المبسط . لينشر بعد ذلك مقالة جديدة بعنوان (النظرية النسبية)، ويبدو انه خلال هذه المدة كان قد اكتسب عضوية الجمعية الإنكليزية للأنواء الجوية، كما يظهر ذلك بوضوح في هامش المقالة المنشورة في المجلة المذكورة ٠ كما ان إحدى الجامعات الإنكليزية قد منحته شهادة عليا في الأنواء الجوية عن طريق المراسلة، خلال تلك المدة

اضطر للعودة الى بغداد لاداء خدمة الاحتياط برتبة ملازم ثاني للمدة من الرابع من شهر تشرين الأول / اكتوبر من عام 1940 ولغاية الرابع من كانون الثاني / يناير من عام 1941. عاد بعدها للعمل في مطار البصرة حتى أواخر شهر أيلول من عام 1941 وقرر بعدها الانتقال الى بغداد من جديد و العمل كمدرس في “الاعدادية المركزية” لغاية سنة 1943.

في العام 1946 سافر الى الولايات المتحدة الامريكية لاكمال دراسته العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology او (MIT) وحصل على شهادة الدكتوراه بالعلوم بدلا من الدكتوراه في فلسفة العلوم المعتادة، وهي شهادة نادرة ومحدودة تمنحها عدد قليل من الجامعات كتعبير عن تقديرها لانجازات وجهود الطالب المميزة. اضافة الى ذلك فان الجامعة قدمت هدية للدكتور عبد الجبار عبدالله وهي عبارة عن ساعة ذهبية تقديرا لتفوقه في مجال فيزياء الانواء الجوية.  تم تعيينه استاذ في الفيزياء في نفس الجامعة الى عام 1949 عندما قرر الرجوع الى العراق ايمانا منه بضرورة العودة لخدمة بلده وان يقدم الى اهل بلده مايفيدهم من العلم الذي حصل عليه.

بعد عودته عمل في التدريس في “الاعدادية المركزية” وعمل استاذ مساعد في دار المعلمين العالية (كلية التربية حاليا).

في نفس السنة تم تعيينه رئيساً لقسم الفيزياء في دار المعلمين العالية وبقي في هذا المنصب الى عام 1958.

في اثناء عطلته من دار المعلمين عمل الدكتور عبد الجبار عبدالله استاذاً باحثاً في جامعة نيويورك من عام 1949 الى عام 1955! وكتب بحثا من جزئين بعنوان ديناميكية الاعاصير.

في تشرين الاول / اكتوبر من عام 1956 وهي خلال الفترة التي شغل فيها الدكتور عبد الجبار عبدالله منصب رئيس قسم الفيزياء في دار المعلمين العالية قامت وزارة المعارف بترشيح الدكتور عبد الجبار عبدالله كممثل عن دار المعلمين العالية للمشاركة في اللجنة المقترح تشكيلها من اجل رسم سياسة مستقبلية للعراق تتعلق باستخدام الطاقة الذرية  للاغراض السلمية.

بعد مرور سنة، اي في عام 1957، تم تعيين الدكتور عبدالله عضوا في مجلس تأسيس جامعة بغداد. وهو المجلس الذي على اساسه تم جمع كل الكليات الموجودة من طب وهندسة وصيدلة وغيرها تحت كيان تربوي مركزي ووضعه من ضمن بقعة جغرافية واحدة – والتي كانت منطقة الجادرية مرشحة لان تكون تلك البقعة.

في عام 1957 تم اختيار الدكتور عبد الجبار عبدالله رئيس تحرير مجلة “المجمع العلمي العراقي” وبقي في ذلك المنصب لغاية عام 1962. من المميز ان المجلة اعتادت على نشر مواضيعها جميعها باللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية مع ملخص باللغة العربية، واشتهرت بنشر البحوث في مجالات الرياضيات والفيزياء والبيولوجي والهندسة والكيمياء وعلوم الاحياء.

بعد ثورة تموز / يوليو 1958 ونتيجة للتغييرات السياسية وماتبعتها من اصدار قوانين قامت الحكومة انذاك بتعيين الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيس جامعة بغداد بالوكالة.

وفي عام 1959 تم تعيينه رئيساً لجامعة بغداد، ويعتبر الثاني بتاريخ العراق الذي  يشغل هذا المنصب بعد الدكتور متي عقراوي الذي شغله من 5 تشرين الاول / اكتوبر 1957 ولغاية الاول من آب / اغسطس 1958.

جمعية الرابطة الثقافية:

تعتبر الجامعة الامريكية في بيروت المكان الذي تأسس فيها اول تجمع طلابي عراقي خارج العراق، ففي نفس السنة التي التحق بها الدكتور عبد الجبار عبدالله بالجامعة تم تأسيس النادي العراقي في بيروت، وكان الهدف من هذا التجمع الطلابي “توحيد جهود الطلبة من اجل خدمة العراق”

لا توجد معلومات عن عدد الاعضاء بالبداية او نشأتها لكن هناك مصادر تذكر ان من بين اعضائها اسماء اصبح لها ثقلها في الساحة السياسية العراقية مثل عبد الفتاح إبراهيم، وعلي حيدر سليمان ومحمد حديد، جميعهم كانوا خريجي الجامعة الامريكية في بيروت والذين بعد رجوعهم الى العراق قاموا بتشكيل جمعية الرابطة الثقافية في 26 كانون الاول 1943 في بغداد وكانت محور جذب لعدد كبير من المثقفين حيث بلغ عدد الاعضاء في الايام الاولى فقط ستين شخصا من بغداد والموصل وبعقوبة والكوت.

أما أبرز أهداف جمعية الرابطة الثقافية ، فهي بث الثقافة والروح الديمقراطية وتشجيع النشاط العلمي والاجتماعي ، وكل ما يتيسر لها من الوسائل المشروعة كإصدار النشرات ونشر البحوث وأعمال التأليف والترجمة وإلقاء المحاضرات و إقامة الاجتماعات والتعاون مع المؤسسات التي لها علاقة بموضوع الرابطة.

تم تعيين عبد الجبار عبدلله سكرتير التحرير في مجلة الرابطة التي تحمل اسم “الرابطة” عند صدور العدد الاول في  اذار / مارس عام 1944، بعد شهرين من انتخاب الهيئة الادارية. والجدير بالذكر انه تم تعيينه وهو لم يكن عضوا في الهيئة الادارية بالاصل.

كان اهتمام عبد الجبار عبدلله في تلك الفترة تصب في صلب اهتماماته العلمية كأخبار الفلك والرصد الجوي والفيزياء، لكنه كتب بين الحين والاخر عن مفهوم الحرية والديمقراطية والوعي الاجتماعي والثقافي. من كتاباته المعدودة اعتبره البعض مختلفا او مستقلا عن المبادئ التي تبناه الاخرين من اعضاء الرابطة.

اخر المقالات التي كتبها لمجلة الرابطة كانت بعد تركه لمنصبه في سكرتارية التحرير واستعداده للسفر للولايات المتحدة الامريكية في عام 1945. الاولى بعنوان “نشأة العلم”. بعد ذلك نشرت المجلة مقالتين باسمه الاولى بعنوان “العلم والتطورات الاجتماعية” والثانية تتمة لها.

الاعتقال والسجن:

بعد انقلاب عام 1963 تم اعتقال الدكتور عبد الجبار عبدالله بتهمة الانتماء الى “حزب محظور” وتم فصله من رئاسة جامعة بغداد. في يوم 9 شباط / فبراير من العام 1963 توجهت مجموعة من العسكريين الى بيته لاعتقاله. لاصحة لقصص عن اقتحام الدار او غيرها من القصص. انتظر العسكريين خارج البيت وعند البوابة الخارجية وسمحوا له بالاستعداد لمرافقتهم ولم يمسه اي احد منه باذى.

استمر اعتقال الدكتور عبد الجبار عبدالله لغاية 8 تشرين الاول / اكتوبر من العام نفسه، وحسب البيان رقم 106 للعام 1963 والصادر من الامين العام لادارة الاموال المحجوزة وتم نشره على جريدة الوقائع العراقية العدد 894 فيه تم رفع الحجز عن الاموال المنقولة وغير المنقولة.

بالرغم من عدم توجيه اي تهمة رسمية اليه فقد احيل الدكتور عبد الجبار عبدالله الى التقاعد.

الهجرة الى الولايات المتحدة الامريكية:

في عام 1964 قرر السفر الى الولايات المتحدة. هُناك شغل منصب باحث زائر في مركز البحوث الوطني للانواء الجوية في بولدر، كولورادو.  هناك كتب مجموعة من البحوث العلمية والدراسات المهمة وفي عام 1966 انتقل الى جامعة نيويورك في الباني حيث تم تعيينه استاذا في قسم علوم الانواء الجوية.

وفاته:

في الفترة التي كان الدكتور عبد الجبار عبدالله يدرس في الباني، نيويورك ظهرت عليه اثار المرض و اثر ذلك كثيرا على عمله.

بتاريخ 8 تموز / يوليو 1969 توفي الدكتور عبد الجبار عبدالله في مستشفى المركز الطبي في الباني، نيويورك بعد صراع مع سرطان الغدد اللمفاوية.

لم يحمل الدكتور عبد الجبار عبدالله سوى جنسيته العراقية ونزولا لرغبته قبل وفاته تم دفنه في موطنه في المقبرة المندائية في بغداد.

الحياة الخاصة:

تزوج الدكتور عبد الجبار عبدالله من السيدة قسمت عنيسي الفياض عام 1943، ويعتبر والدها صائغ العائلة المالكة الرسمي. تكريما لخدماته منحه الملك لقب ورتبة شيخ.

كانت السيدة قسمت تعمل كمدرسة للمرحلة الابتدائية عندما اقترنت بالدكتور عبدالله.  نتاج هذا الزواج اربعة : سنان، سناء، هيثم وثابت.

تكريم:

في العام 2009 صدر قرار من رئاسة الوزراء العراقية بتسمية احدى القاعات في جامعة بغداد باسم الدكتور عبد الجبار عبدالله، وكذلك تسمية احدى شوارع العاصمة بغداد باسمه.

بين الخيال والحقيقة:

الكثير من القصص رويت عن العالم الدكتور عبد الجبار عبدالله ومنها ماهو حقيقي وغيرها لايمت للواقع بصلة.  الموقع الرسمي للدكتور عبد الجبار عبدلله يؤكد انه لم تكن له اية علاقة مباشرة مع ألبرت أينشتاين، ببساطة لكون الدكتور عبد الجبار عبد الله اكمل دراسة الدكتوراه في  فيزياء الانواء الجوية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تحت اشراف العالم برنارد هورويتز و لم يلتقي بالعالم البرت اينشتاين اطلاقاً.

على هذا الاساس فلاصحة للقصة الثانية ان آينشتاين كان قد اهدى الدكتور عبد الجبار عبد الله قلم سرق منه بعد اعتقاله عام 1963.

القصة الثالثة تقول أن الرئيس الأمريكي ترومان قام بمنح الدكتور عبد الجبار عبدالله وسام العلم. لا صحة لهذا الادعاء و لا وجود اصلاً لمثل هذا الوسام في الولايات المتحدة.

شهادات:

كتب الكثيرين عن الدكتور عبد الجبار عبدالله، كتبوا عن علمه، عن حبه للوطن، عن تفانيه في خدمة طلابه. فيما يلي بعض مما كتب عنه من شهادات:

زميله وصديقه البروفيسور عبد الكريم الخضيري، بمناسبة مرور ربع قرن على رحيله، يقول: عبد الجبار عبدالله يذكرني بغاندي، حيث كان هادئاً في مشيته وطباعه، قليل الكلام، لكنه إذا تكلم نطق بحكمة.. كان متواضعاً، لا يعرف الكبرياء، رغم أنه قد بلغ قمة الإنجاز العلمي والأكاديمي..مقنعاً في مناقشاته بمنطق سليم، ورؤية سديدة

المصادر:

 

اترك رد