من اعلام بلادي – ومضات من تاريخ الفنان العراقي

بقلم احمد طاهر.

انتشر على الانترنت قبل ثلاثة اشهر مقطع فديو عن اللقاء المؤثر الذي جمع الفنانين الكبيرين محمد حسين عبد الرحيم وسامي قفطان سوية بعد سنين طويلة.  كان اللقاء ضمن برنامج (توارد) الذي يعده ويقدمه المبدع احمد هندي على قناة سامراء الفضائية.تابعت اللقاء مع الفنان سامي قفطان وبعدها الحلقة التي عرضت قبلها الخاصة بلقاء الفنان محمد حسين عبد الرحيم.  كان الدافع لسببين: الاول الحصول على معلومات اكثر عن الفترة التي صاحبت تأسيس ونشأة وتطور مسرح دار السلام التي للاسف لم اجد الا القليل عنها.  السبب الثاني وهو الاهم ان اسلط الضوء على العلاقة التي كانت تربط الفنانين الثلاثة سامي قفطان، محمد حسين عبد الرحيم والراحل راسم الجميلي بعضهم بالبعض الاخر مع المرور بشكل سريع عن علاقاتهم بالفنانين الاخرين.

في النهاية وجدت ان الموضوع يستحق ان يكون من ضمن سلسلة اعلام من بلادي، لكن هذه المرة عن ثلاثة اعلام شامخة من بلادي وليس فقط عن شخصية واحدة كما عودناكم.

خلال اللقاء الاول الذي جمعهم استرجع الفنانين القديرين ذكرياتهم مع عملاق الكوميديا الراحل راسم الجميلي الذي وافاه الاجل في عام 2007، بالاخص عندما اسس الثلاثة مسرح دار السلام الذي اشتهر بعروضه في فترة الثمانينيات من القرن الماضي.

التحديات التي واجهتهم كبيرة، اولا لامكانياتهم المادية المحدودة جدا وثانيا لعدم وجود دعم  مادي خارجي يستندون عليه في انشاء وتقديم فرقة مسرحية بكل كوادرها واحتياجاتها.

قاموا ثلاثتهم ببيع سياراتهم الشخصية واقترضوا مبلغ من المال لتأسيس مسرح دار السلام في المبنى الذي كان سينما الاعظمية. كان هذا في العام 1987.

قاموا بانفسهم باعمال الصيانة والتأهيل من بناء مايحتاج بناءه الى ترميم السقف الى صبغ الجدران.  يضحك الفنان الكبير سامي قفطان مع زميله عبد الرحيم بقوله: “من سوينه المسرح اجي اني اصبغه ازرق، يجي محمد يصبغه احمر، يجي راسم الله يرحمه يصبغه غير لون”.

كانوا في ايام لايملكون فاتورة الطعام الذي يطلبونه من المطعم المجاور للمسرح. يقول سامي قفطان” دزينة مرة عالكباب وثلاثتنا ماعدنة فلوس… واحد يباوع عاللاخ”

لكنهم لم يعرفوا المستحيل، واصبح مسرح دار السلام من اهم المسارح واجملها وانجحها في العراق لمدة خمس سنوات حقق فيها ارباح استطاعوا تسديد الديون والحصول على مردود مادي مناسب. من اشهر المسرحيات التي قدمها دار السلام: الف عافية، بيت الحبايب، فلوس وعروس

حول السؤال عن مدى الاثر الكبير الذي تركه الفنان الراحل راسم الجميلي يؤكد الفنان الكبير سامي قفطان انه من المستحيل ان يغيب الجميلي عن ذكراه فهو”  في كل مكان معنا، روحه دائما معنا”.

واكثر لقب محبب الى قلبه يطلقه على زميله في التمثيل المسرحي والتلفزيوني على مدى سنين هو  “استاذي او معلمي”.

وبالمناسبة فان راسم الجميلي كان الضابط المسؤول عن سامي قفطان في منتصف الستينات عندما كان الاخير جندي يؤدي الخدمة العسكرية الالزامية.

لاينسى الفنان سامي قفطان ذكر الدعم من زملائه الفنانين كبارا وصغارا عندما خاض تجربة الاخراج المسرحي لاول مرة في حياته في مسرحية “اللي يعيش بالحيلة” حيث اثنى بشكل كبير على زملائه عبد الرحيم والجميلي وغيرهم من الفنانين الكبار امثال خليل الرفاعي في تفانيهم واخلاصهم للعمل، واحترامهم لمواعيد التمرينات واخذ الايعازات والتعليمات منه بالرغم من فارق العمر والتجربة في عالم الفن.

اما في المقابلة الخاصة بالفنان الكبير محمد حسين عبد الرحيم فلم يختلف الشئ الكثير. تم عرض مجموعة من الصور القديمة، منها صورة تجمع فنانين عراقيين عمالقة مثل جعفر السعدي، يوسف العاني، خليل الرفاعي. اول رد فعل لعبد الرحيم كانت بجملة “احس بنفسي نقطة في بحر. هذولة بحر وانا نقطة بيناتهم”.   سأل احمد هندي ضيفه الفنان ماذا ستقول لهم؟ رد محمد حسين عبد الرحيم بغناء مقطع من اغنية “عزاز” للفنان العراقي ياس خضر وهو ينظر الى الصورة، ثم ادمعت عيناه وبكى بصمت. وعندما سأله المقدم الشاب ” لو رجع بيك الزمن لايام هؤلاء الفنانين شتسوي؟” رد محمد حسين عبد الرحيم بهدوء “ساقبل اياديهم”

عن راسم الجميلي يقول الفنان الكبير محمد حسين عبد الرحيم انه عملاق وشريك، هو الاب والاستاذ والصديق والاخ الذي بالرغم من خبرته الطويلة ومقامه العالي في الفن لم يجعلك تشعر بهذا في يوم من الايام لتواضعه. هو مدرسة للفن.

عن سامي قفطان يقول” اضرب لك تحية واقف لك اجلالا واكبارا”.

اخذ الفنان محمد حسين عبد الرحيم حسرة كبيرة عندما ظهرت صورة الفنانة الكبيرة امل طه وقال “انكسر ضلع من جسمي بعد وفاتها.” ابدع كلاهما في برنامج استراحة الظهيرة وهو العمل التلفزيوني الذي حقق نجاح جماهيري كبير جدا في العراق ودول الخليج.

بقدر ماشدني اللقائين مع فنانين كبرنا ونحن نشاهد اعمالهم التلفزيونية بقدر ما احببت روحهم الطيبة، امتازوا بالنبل عبر السنين ومازالوا، التقدير الواحد تجاه الاخر بالرغم من كل الظروف الصعبة في الماضي التي واجهت ومازالت تواجه الفنان العراقي وتأثر على اعماله (ورزقه) حكمتها التغييرات السياسية والاقتصادية للبلد.  هذا ماكانت عليه ايام الفن الراقي، الالتزام والاحترام والمحبة، وفوق كل هذا الثناء والتشجيع وحب الخير للاخر.

هكذا هم اعلام العراق الشامخة، بابداعاتهم وبانسانيتهم وحبهم للوطن.

راسم الجميلي؛

لم ولن يختلف اثنان بوصفه بالعملاق. القريب والبعيد، سواء من عمل معه او على المستوى الشعبي او الجماهيري.  هو احد اعمدة الكوميديا العراقية الذي قدم احلى وانجح الاعمال الفنية على الاطلاق من على شاشة التلفزيون لعقود. من مواليد عام 1938 في محلة سراج الدين في بغداد ..تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1964. من اشهر ماقدم للتلفزيون شخصية (ابو ضوية) في المسلسل الشهير (تحت موس الحلاق) اضافة الى عشرات الادوار الاخرى في التلفزيون والسينما والمسرح.  اخر عمل تلفزيوني كان دور البطولة في مسلسل (انباع الوطن). بعدها بشهرين وفي الاول من كانون الاول/ ديسمبر من عام 2007 وافاه الاجل في مدينة دمشق أثر إصابته بالعجز الكلوي ودُفن في مقبرة الغرباء في سوريا، وبعدها نقل جثمانه إلى العراق ودفن في بغداد.

محمد حسين عبد الرحيم؛

من مواليد بغداد، منطقة قنبر علي، عام 1955. البدايات الفنية كانت في ايام الثانوية عندما كان يشارك كمطرب في المهرجانات الغنائية الطلابية الى ان جاءته فرصة التمثيل في احدى  المسرحيات الطلابية عندما اخذ مكان احدى الشخصيات الرئيسية لمرضه. كانت تلك المرة الاولى له على المسرح واول مرة يخرج فيها عن النص. اثناء دراسته بكلية الاداب، قسم اللغة الانگليزية كون له اسم بين اللجان الفنية الطلابية حيث انه بعد تخرجه تسابقت عليه اللجان الفنية من كليات اخرى كالعلوم والهندسة للمشاركة في النشاطات المسرحية والفنية.

بعد التخرج من الجامعة ذهب الى دائرة الاذاعة والتلفزيون وحلمه ان يحترف مجال التمثيل. هناك خضع الى اختبار ولم يعلم في بدايتها انه كان اختبار لمذيع اخبار نجح فيه بامتياز ملفت للنظر وتم تعيينه في اذاعة بغداد وكان اول برنامج اذاعي قدمه هو مايطلبه المستمعون. تبع ذلك اشتراكه في مشاهد قصيرة في عدة تمثيليات تلفزيونية ومنها انتشر جماهيريا.

سامي قفطان؛

الفنان الشامل كما يطلق عليه البعض، المسرحي والتلفزيوني والسينمائي ومقدم البرامج الاذاعية والترفيهية (وحتى الغريبة يمكن)، البعض يطلق عليه لقب الشاعر. هو يحمل العود اينما ذهب، حتى عندما يسافر الى خارج العراق. ولد في مدينة الكوت عام 1942

من عائلة من اخ وثلاث اخوات.  بدايته الفنية كانت كتابة اغنية اثناء خدمته الالزامية.

بالرغم من كونه فنان متكامل له ارث كبير فانه كما يقول اسفنجة تمتص كل جديد حتى لو كان مع مخرج مبتدأ.

اترك رد