من اعلام بلادي – محمد غني حكمت

بقلم احمد طاهر.

 “إني أنحت الأفكار·· إني لست عبثياً… أني أحس بمسؤوليتي التاريخية، بموقف واضح وصريح أمام الأحداث، لا كمسجل يومي لها، ولكن البحث عن الظروف التي تهيأت لها… أردت أن أكون نموذجاً يحتذى به في إخلاصي في عملي، وأن أحافظ على هويتي بالاعتزاز بتاريخي·” –  محمد غني حكمت (من مقابلة مع جريدة الاتحاد الاماراتية عام 2007)

هو الملقب بشيخ النحاتين. ويتفق البعض معه مِن مَن يؤمنون بمفهوم التناسخ او التجايل ان محمد غني حكمت ربما هو نسخة اخرى لروح نحات سومري او اشوري او بابلي او حتى عباسي.

ولادته ونشأته

ولد محمد غني حكمت في مدينة الكاظمية ببغداد في 20 نيسان / ابريل من عام 1929.

والده (1892ـ1976) كان له محل مقابل لباب المراد (وهي احدى ابواب المرقد الكاظمي) لبيع وتطريز العباءات الرجالية واضافة الخيوط الفضية والذهبية اليها بصورة احترافية ولمسة متميزة.

كان ولعه في الفن وعمل المجسمات منذ ان كان عمره 4 سنين فقد كان بيت اهله قريبا من ضفاف نهر دجلة وبعد الفيضان السنوي يتجمع الغرين (الطين النقي) على ضفافه، يجمعه ويصنع منه أشكالاً ومجسمات لحيوانات.

وقبل ان يلتحق بالمدرسة الابتدائية كانت لديه الموهبة في عمل تماثيل صغيرة من الطين ويقوم برصفها على جداريات سطح بيتهم.

درس محمد غني حكمت الابتدائية في مدرسة “الكاظمية الأميرية” في عام 1936. تعلم كيف يصب الجبس لاول مرة ليصنع منه القوالب الصغيرة من ”عبد الحسين محروس” الموظف في متحف التاريخ الطبيعي. وحينما كان في الصف السادس الابتدائي، كانت والدته (1896ـ 1972) تأخذه لزيارة خالاته في منطقة “الكريعات” ومن هناك عرف طريق الحصول على مادة الجبس من “كورة ” اسطة حسين في منطقة “الشواكة”.

حب محمد غني حكمت للفن لم يقتصر على النحت او الخط او النقش، فقد عشق الموسيقى الى درجة كبيرة. عندما سافر اخوه الاكبر سلمان (1914-1992) الى فرنسا عام 1945 لدراسة طب الأسنان، ترك له جهاز “الكرامافون” القديم ومنه بدأ بالاستماع الى عمالقة الغناء العراقي كمحمد القبانچي وكان يردد قوله “الغريب اصبح يزاحمني ابلاداي.. والأهل أهلي وبلادي تعز عليّ”. وكذلك كان يسمع لكبار الموسيقى العربية مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كما احب الشعر وخاصة للملا عبود الكرخي.

خلال فترة دراسته الثانوية تعلم رسم المنظور والمساحات والاشكال من استاذه رشاد حاتم. كما تأثر باسلوب استاذه وحبه في رسم المواضيع الشعبية المتعلقة بالمجتمع وبالحياة اليومية للباعة والفلاحين والعمال والاطفال.

انهى محمد غني حكمت الدراسة الثانوية في الكاظمية عام 1948 وقدّم للدراسة في معهد الفنون الجميلة. في يوم التقديم جلب معه ستة رؤوس منحوتة من الجبس لوالده وأصدقائه. كانت لجنة قبول الطلبة تتكون من حقي الشبلي وفائق حسن وعميد المعهد الشريف محي الدين حيدر.

في مرحلة الدراسة في معهد الفنون الجميلة لم يتأثر محمد غني حكمت باستاذ مثلما تأثر باستاذه جواد سليم الذي لم تكن له فترة طويلة منذ عودته من دراسته في انگلترا عام 1950.  هذا التأثر كان اساس العلاقة الحميمية والصداقة التي توطدت بين العملاقين فيما بعد، وخاصة عندما انضم حكمت الى “جماعة بغداد للفن الحديث” وبعدها ايضا عندما كان في ايطاليا وبدأت التحضيرات لاقامة اكبر واكثر النصب شهرة في تاريخ العراق الحديث: نصب التحرير.

جماعات في الفن والابداع

انضم محمد غني حكمت الى عدة تنظيمات فنية وجماعات تميز اعضاءها بالابداع والتميز في مجال اختصاصاتهم الفنية.  نذكر منها جماعة الانطباعيين العراقيين التي شاركمحد غني حكمت في تأسيسها عام 1953 مع العملاق حافظ الدروبي، بالاضافة الى كبار الفن والادب والثقافة امثال سعدي الكعبي وضياء العزاوي وعلاء بشير وسعاد العطار ومحمد علي شاكر. الهدف من هذه الجماعة هو التركيز على اخذ البيئة والتراث والحياه في العراق اساس لمواضيعهم الفنية واعمالهم.

ويقال ايضا ان مظفر النواب كان من ضمن الاعضاء في تلك الجماعة.

قبل ذلك، انضم محمد غني حكمت الى جماعة بغداد للفن الحديث. تتمحور اهداف جماعة بغداد للفن الحديث حول فكرة أن التراث العراقي جدير بأن يحتل مكانة أولية في ممارسة الفن الحديث، مما يعتبرها المؤرخين أهم جمعية فنية في تاريخ العراق الحديث.

تأسست “جماعة بغداد للفن الحديث” عام 1951 على يد جواد سليم (اي قبل عشر سنوات من وفاته المفاجئ) وكانت اجتماعاتهم تتم اما في معهد الفنون الجميلة او في بيت جواد سليم. بعد انضمامه في عام 1953, فتحت زيارات الطالب في معهد الفنون الجميلة محمد غني حكمت الى بيت استاذه جواد سليم ابواب جديدة فيما يتعلق بالفن والموسيقى والثقافة والمجتمع. هناك استمع الى السمفونيات العالمية لاول مرة، وهناك حضر المناقشات الساخنة بين الادباء والفنانين والكتاب مثل عبد الوهاب البياتي وحسين مردان وبدر شاكر السياب وشاكر حسن وعبد الملك نوري وكاظم جواد ومحي الدين إسماعيل وبلند الحيدري.

وكانت له الفرصة لقاء عمالقة اخرين مثال ذلك جبرا إبراهيم جبرا وطارق مظلوم ورسول علوان وشاكر حسن آل سعد وخالد الرحال.

يقول شيخ النحاتين العراقيين في احدى مقابلاته في نهاية القرن الماضي وبداية الالفية الثانية في تأثير “جماعة بغداد للفن الحديث” على تجربته الطويلة والغنية بالانجازات:

 ” إن أعمالي يمكن أن تكون طريقاً لفكرة (جماعة بغداد للفن الحديث)  واستمراراً لها. لقد اكتشفت إمكانية عمل التجريد في النحت الحديث من خلال مواضيع وأشكال محلية بدون أن أتطرق إلى أي نحات أوربي، وقادتني تجربتي إلى وضع بعض المفردات منالأبواب في تماثيلي، وأدخلت من جانب آخر بعض مفردات تماثيلي في الأبواب التي  أصنعها، وكل باب يحمل شكلاً مغايراً يختلف عنالباب الآخر، هدفي هو توجيه الأنظار إلى إمكانية الاستفادة منالموروث الحضاري وإعطائه شكلاً جديداً يحمل الحداثة والمعاصرة .. إني لم أقتطع أي تفصيل من أي باب قديم وأضعها في عملي، ولمأنقل (مفردة) جزئيات سابقة من أي باب إلى آخر”

الدراسة في روما

تخرج محمد غني حكمت من معهد الفنون الجميلة عام 1953 وسافر بعدها الى روما، ايطاليا ليكمل الدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة.  هناك حصل على شهادة دبلوم النحت عام 1959. كذلك حصل هناك على شهادة في صناعة الميداليات من معهد لازكا عام 1956. من روما انتقل الى فلورنسا للاختصاص في فن صب البرونز وحصل على الشهادة عام 1961.

تجربة محمد غني حكمت في اوروبا كانت غنية بتفاصيلها وتأثيرها كان كبيرا جدا عليه كفنان.  لاشهر عديدة قضاها بالتجوال في ايطاليا، والنمسا والمانيا وهولندا وبريطانيا اطلع فيها على جمال وعراقة الفن الاوروبي القديم والحديث في كل اشكاله وانواعه، كلها كانت الكفيل في صقل روحه الفنية، وان تجعل تلك الروح وماتقدمه من اعمال فنية في السنوات القادمة مزيجا من الحداثة التي تعلمها في تلك الفترة مع اصالة الحضارة بكل مافيها من تفاصيل.

اول استاذ نحت بتاريخ العراق

عاد محمد غني حكمت الى العراق في تشرين الثاني / نوفمبر من عام 1961.

يعتبر محمد غني حكمت اول استاذ نحت تم تعيينه في معهد الفنون الجميلة في عام 1962، وظل يمارس مهنة التدريس هذه لاكثر من اربعين عاماً الى عام 1996.

وادخل محمد غني حكمت أشكال وطرق جديدة لاول مرة في النحت على الحجر وعلى الخشب وطرق النحاس وصب البرونز.

وخلال اربعين عاما قدم محاضرات عديدة عن النحت في مختلف الدول والمدن نذكر منها تونس، أبو ظبي، البحرين، دمشق، قطر، لبنان، كندا، بلجيكا، ايطاليا، الولايات التحدة الأمريكية، روسيا.

سيل من العطاء والأبداع

بعد عودته من ايطاليا في العام 1961 وفي بيت والده في الكاظمية خصص محمد غني حكمت غرفة ليحولها الى مشغله وورشته الخاصة التي امتلأت بعد فترة قصيرة جدا بالتماثيل والقوالب الجبسية والبرونزية والمنحوتات المصنوعة من الخشب. في عام 1964 انتقل الى مشغله الجديد الكائن في منطقة المنصور والذي في حينه كان الاستوديو الاول من نوعه في العراق بتصميمه الايطالي المميز.

تميز محمد غني حكمت في الرسم ايضا، خاصة عند وضع الافكار الاولية لاعماله قبل البدأ بالنحت او صب البرونز. استخدم انواع وطرق مختلفة كاقلام الفحم وحبر الروترنك والباستيل واقلام الرصاص. اعدها البعض اكثر من ان تكون مجرد (سكجات) لغرض تهيئة العمل قبل النحت لتمثال او لنصب او جدارية.

من اهم واجمل اعمال محمد غني حكمت:

نصب الحرية

أشرف محمد غني حكمت شخصيا اثناء وجوده في فلورنسا، ايطاليا، على صب البرونز للتماثيل التي كونت فيما بعد نصب التحرير. كذلك اخذ على عاتقه اتمام العمل اثر وفاة جواد سليم المفاجئ عام 1961.

يذكر محمد غني حكمت في احدى مقابلاته كيف عمل مع استاذه: “كتب لي جواد انه سيصل روما، وعندما وصل استقبلته في مطار روما واكتشف انه أضاع “تخطيطات” النصب في الطائرة، وهذا يعني انه وصل بدون أي “تخطيط” سوى ذاكرته. بقي جواد عدة أيام في روما يسترجع ماضيه حين كان طالباً ويستمتع بالمواقع التي كان يتردد عليها، وكنت إلى جانبه فتجول هنا وهناك ومن متحف إلى كنيسة، ومن قاعة عرض فنية إلى أخرى، ويرى منحوتاتي معروضة في ثلاث قاعات فنية.

وأول شئ فعله انه نحت القسم الأوسط من النصب في مشغلي الخاص وبدون تخطيطات، وكان جواد قد كتب إلى المسؤولين عن النصب في بغداد آنذاك أن يسمحوا له في أن يكون طالب الفن في روما (محمد غني) رسمياً مساعداً له في إنجاز النصب وقد تم له ذلك..”

بعد حصول الموافقة اغلق محمد غني حكمت مشغله وسافر الاثنان الى فلورنسا وباشروا العمل بالنصب مباشرة بعد ان تم تأمين السكن وايجاد المشغل الكبير المناسب الذي ممكن ان يتسع لحجم العمل.

 

كهرمانة

يقع نصب كهرمانة في ساحة دائرية تفصل بين منطقتي الكرادة وشارع السعدون. النصب مأخوذ من قصص الف ليلة وليلة وتحكي فيه قصة كهرمانة التي تسكب الزيت على اربعين حرامي مختبأين في جرار الزيت الفارغة.

ليس هناك صلة او رابط بين قصة كهرمانة التي تعتبر من القصص الاصلية من كتاب الف ليلة وليلة وبين قصة علي بابا والاربعين حرامي المثيرة للجدل  بين الكتاب والمؤرخين حول اصلها كونها قصة مستقلة بحد ذاتها واضيفت الى سلسلة قصص الف ليلة وليلة الاصلية من قبل مستشرق فرنسي في القرن الثامن عشر وانتشرت بصورة واسعة مع انتشار الطبعة المصرية “المنقحة”.

النصب مصنوع من البرونز وتم اتمامه في العام 1969. تم افتتاحه للعامة عام 1971.

تقول الفنانة التشكيلية هناء معلة عن تمثال كهرمانة ان:  “هذا المكان من الاماكن المحببة الى جميع العراقيين وخاصة الفنانيين حيث انه يجمع الكثير من الفنون مثل النحت والفن التشكيلي وحتى الموسيقى “مبينة انه ” عند الوقوف بالقرب من التمثال وسماع خرير الماء تكون لوحة متكاملة من حيث الصورة والصوت”. يقال انه عندما سُئلت المهندسة الكبيرة زها حديد رحمها الله عن اي نصب تذكاري بغدادي تفضل أن يكون “رمزا إعلاميا لبغداد” لم تتردد إنها ترى نصب كهرمانة الأفضل لأنه يرمز للعصر الذهبي لبغداد وقصص ألف لية وليلة وهذا مرتبط أساسا بالمخيال العالمي لبغداد.

شهريار وشهرزاد

نصب اخر يصور الابطال الرئيسيين لقصص الف ليلة وليلة. يقع هذا التمثال على كورنيش شارع أبو نؤاس المطل على نهر دجلة.  يبلغ ارتفــــــــاع التمثال 4 امتــار و 30 سم ويبلغ طول تمثال شهريار 4 امتار وارتفاعه 3 امتار. يرتكز التمثالان فوق 7 مدرجات من الحجر بأرتفاع مترين. تم افتتاح النصب في يوم الاثنين المصادف 19 ايار / مايو 1975.

الملفت للنظر هو الطريقة المختلفة والمميزة التي عمل فيها محمد غني حكمت في اخراج تصميمه للنصب. شهريار الشديد البأس المعروف ببطشه مستلقي بارتياح واستمتاع يستمع لشهرزاد الفاتنة وهي الواقفة بثقة وبدون خوف وهي تحكي القصص والمغامرات.

تمثال المتنبي

تم افتتاحه عام 1977 مقابل المكتبة الوطنية وسط بغداد ويقابل البوابة الرئيسية لوزارة الدفاع السابقة.  يتذكر الفنان الكبير قصة عمل التمثال:

“دعاني طارق عزيز وزير الثقافة والإعلام السابق لتكليفي بعمل تمثال للمتنبي فاعتذرت، ولكنه أرسل لي الشاعر شفيق الكمالي وبإصرار ليقنعني ، فاختفيت في مشغلي لفترة طويلة وأنا أدرس حياة المتنبي، وكانت أياماً وليالي عصيبة، كيف أنجز تمثالاً لعظيم مثل المتنبي؟! وبدأت أخطط على الورق شكله، حركاته، وجهه، ملابسه، وأعمل له تماثيل مصغرة من خيالي، فلم أقتنع وبقيت أحاول حت

 

ى جاءني شعره ليلهمني بموقف: أنا الذي نظر الأعمى·· فعملت تمثالاً صغيراً لا يزيد طوله عن 20 سم من الطين وهو واقف بشموخ وكبرياء كمن يصرخ: أنا·· أنا·· فتمت قناعتي وسألت من يزورني من يكون هذا الشاعر؟ فزادت قناعتي إذ لم يخطىء أحداً بالجواب·· إنه المتنبي·”

بعد احتلال العراق عام 2003 وفي وسط الفوضى والنهب والسلب التي طالت الكثير من معالم بغداد خصوصا اختفى تمثال المتنبي من مكانه وتم العثور عليه بعد سنين وقد تعرض لاضرار كبيرة. تم ارجاع التمثال الى وزارة الثقافة وفي العام 2009 وفي مقابلة مع مدير عام دار الكتب والوثائق أسعد إسكندر قال فيها انه تم ترميم التمثال وتصليحه وانه سيتم نصبه في مكانه الاصلي مقابل المكتبة الوطنية.

جدارية عند مدخل مدينة الطب

وتعتبر احدى المعالم التي كانت ضحية السلب والفوضى التي عمت عام 2003 بعد الاحتلال الامريكي للعراق.

من اعماله الاخرى في العراق 14 لوحة جدارية في إحدى كنائس بغداد تمثل درب الآلام للسيد المسيح

على المستوى العربي والدولي، تتعدد انجازات محمد غني حكمت التي زينت اكثر من مدينة عربية واوربية، نذكر منها جدارية الثورة العربية في العاصمة الاردنية عمان، اعمال مختلفة في البحرين مثال ذلك إنجازه خمسة أبواب لمسجد قديم وتماثيل. في عام 1987 قام محمد غني حكمت بنحت جداريه فنية في البوابة الرئيسية المسماة بباب السلام لمبنى منظمة اليونسكو بباريس.

في عام 1972 كتبت غادة السمان عن محمد غني حكمت بأنها وجدته الفنان العراقي الوحيد الذي يستلهم من تراثه الحضاري في حين إن معظم الفنانين العرب كانوا أكثر اهتماما بتيارات الحداثة المتمثلة بالمدارس الأوروبية. ويرد الفنان الكبير على هذا بقوله ” أنا سليل حضارة وادي الرافدين فمن الطبيعي جدا أن استلهم أفكاري ومواضيعي من حضارتي.” ويضيف بقوله “نعم هي صادقة. فأنا أتعامل مع المدارس الغربية بنظرية لكم دينكم ولي ديني. وبطبيعة الحال أنا احترم كل المدارس الفنية.”

وفي الجدال القائم ان الفن “انساني” ولاعلاقة بمفاهيم الشرق والغرب بتحديد ذلك الفن يقول محمد غني حكمت “أنا أجد أن أفكار العولمة الجديدة تعمل على تدمير البشرية إجمالا. لماذا لا يتأثر الغرب بنا ويتبعونا لماذا فقط نحن نركض خلفهم فقط.” ويضيف ” لماذا يريد الغرب منا ان نصبح مثلهم. انا لا ارغب أن أكون مثلهم، فالفنان الهندي بقي هندياً والفنان الايطالي بقي إيطالياً وكذلك الصيني. اذن اتركني فنانا وادي رافديني لدي أساطيري وثقافتي وحضارتي التي تجعل الفنانين الأوربيين يتأثرون بها. بالتالي أنا أولى بالتأثر بحضارتي. أنا لا يهمني إتباع العولمة. فما لدي يكفيني. ”

يعتبر محمد غني حكمت اول نحات عربي مسلم في العالم الحديث ينحت ابواب كنائس حيث انجز ثلاث بوابات لكنيسة تيستا دي ليبرا

في عام 2002 تم اختياره رئيساً للجنة الوطنية للفنون التابعة لليونسكو – باريس

 كانت فترة الحصار الظالم المفروض على العراق اليمة وراح ضحيتها الكثيرين بسبب الشحة في المواد الحياتية الاساسية. قام محمد غني حكمت بعمل مجموعة من 30 تمثال مصنوعة من الخشب والبرونز باحجام صغيرة تركز على الامومة والطفولة في العراق وتأثير الحصار الجائر عليهما بسبب قلة الغذاء والدواء. وكانت الفكرة ارسالها الى احدى المعارض في روما بايطاليا والقاء المحاضرات لاطلاع العالم على معاناة ابناء بلده.

الجدل حول قوس النصر

يعتبر قوس النصر من اكثر اعمال محمد غني حكمت المثيرة للجدل للاعتقاد انه يرتبط بالنظام السابق فقط وفترة حكمه وليس النصب الذي يمثل قوة وهيبة الجيش العراقي البطل وخاصة خلال الحرب العراقية- الايرانية (ووضع خوذ الجنود الايرانيين عند قاعدته) وبالفعل كانت هناك محاولات لرفعه او تهديمه بعد الاحتلال الامريكي للعراق في 2003 ولسنين تلت.

يقول محمد غني حكمت إن “الحكومة في ذلك الحين أعدت مسابقة شارك فيها الكثير من النحاتين العراقيين، أنا شخصيا لم أشارك، فاز بها خالد الرحال لكنه مات قبل أن ينجز النصب”.

وأضاف: “بعدها اتصل بي محمد فاضل وزير الإسكان، وقال لي (محمد، تقرر تكليفك بتنفيذ هذا العمل). اعتذرت بلا جدوى، لذلك تم تنفيذه من قِبلي لكني لست صاحب الفكرة”. وخلص إلى القول: “أنا لم أحب السياسة يوما، لأني ببساطة فنان كل مصيبته أنه يهوى العراق”.

قبل وبعد الحرب

غادر محمد غني حكمت العراق قبل نشوب الحرب واحتلال العراق في اذار / نيسان عام 2003 واستقر في عمان، الاردن.

بعد الحرب مباشرة عاد لبغداد ومثلما ادرك كثيرين حجم التدمير المتعمد لحضارة بلاد مابين النهرين، ليس فقط للبنية التحتية وانما لكل شئ. ولم تستثنى اعمال الفنان الكبير من التشويه والسلب والتخريب: اولا تم سلب جميع اعماله المعروضة في المتحف العراقي للفن الحديث (مركز صدام للفنون سابقا) في بغداد والتي في عام 1993 تم تخصيص الطابق الثالث فيه جناحا خاصا تكريما لاعماله ومسيرته الفنية الغنية، وكان يضم اكثر من 150 تمثالا من البرونز والخشب والحجر والجبس واكثر من 300 وساما وميدالية.  الكارثة الثانية هي التخريب المتعمد لنصب “شهرزاد وشهريار”، حيث قطعت يد الملك اليسرى.

يذكر الفنان تلك اللحظات قائلا في احدى مقابلاته “كنت حينها في البحرين وبسبب الحرب لم أتمكن من العودة إلى بغداد إلا بعد ثلاثة أشهر لأرى أن كل شيء قد سُرق ونُهب وما تبقى هو حطام لا يمكن أن يكون من فعل إنسان عاقل”.

حبه لبلده وارثه الحضاري دفعه الى التحرك لاسترجاع الاعمال المسروقة، ليست اعماله فحسب بل كل مايستطيع جمعه واسترجاعه من قطع واعمال فنية وثقافية. اسس محمد غني حكمت جماعة “جماعة انقاذ الفن العراقي” التي كانت تهدف إلى إعادة شراء الأعمال التي تظهر في السوق السوداء. استطاع من خلال هذه الجهود أن يسترجع ما لا يقل عن 100 عمل فني بما فيهم تمثال “الأمومة” لجواد سليم في العام 2003.

خاتمة الانجازات – جواهر تزهى ببغداد

اخر اعمال محمد غني حكمت هي اربعة: الاولى نصب “العراق ينهض من جديد” او “انقاذ العراق” والذي تم افتتاحه عام 2013، وهو على ارتفاع 6 أمتار، فيما يبلغ ارتفاع النصب مع القاعدة 10 أمتار، ويقع على مقربة من ساحة الفارس العربي في منطقة المنصور”. العمل يصور خمسة ايادي تمثل العراقيين بمختلف فئاتهم ومكوناتهم يتعاونون على رفع اسطوانة (مشابهة لاسطوانة الاختام السومرية والبابلية) وكتب عليها “هنا بدأت الكتابة”

العمل الثاني هو نصب “بغداد” في ساحة الاندلس الذي يزيد ارتفاعه عن 13 امتار وهو عبارة عن قاعدة ارتفاعها اكثر من عشرة امتار عليها كتابات عن المدينة، واعلى هذه القاعدة فتاة تجلس على كرسي بالزي العربي القديم.

العمل الثالث هو نصب “الفانوس السحري” او “مصباح علاء الدين”  في ساحة الفتح قرب المسرح الوطني ببغداد الذي تم افتتاحه في يوم 24 كانون الاول 2011.

والنصب الرابع هو«أشعار بغداد» وهو شكلا كرويا من الحروف العربية الاسلامية يتضمن في محيطها بيت للشاعر العراقي مصطفى جمال الدين يقول “بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ إلا ذوت ووريق عمرك أخضرُ”. ومن المقرر أن يوضع النصب في منطقة. العطيفية قرب مقهى «البيروتيّ» في جانب الكرخ من بغداد. يبلغ ارتفاع النصب تقريبا 5 امتار.

عن احلامه وامنياته للمستقبل قال محمد غني حكمت قبل كم سنة مضت:

“… ساجسد كل مافي ذاكرتي من اساطير وحكايات في هذه المدينة لاجعل الإنسان يتفاعل معها ، حتى ملاعب الأطفالسأضع فيها تماثيل يمكن للطفل أن يلمسها ويلعب معها ، كما سأخصص جانباً من هذه المدينة لمعارض النحت فيالهواء الطلق ومعارض لتجارب الشباب”، ويضيف “انني ضد فكرة وضع التماثيلونصبها في الساحات، لأنها ستنعزل عن  الناس، واقترح نصبهافي المنعطفات والزوايا الفارغة ، على الأرصفة الفسيحة وحتى فيالمناطق الشعبية ثمة فراغات بالإمكان استغلالها ، وأتمنى أنتخصص أمانة بغداد حديقة كبيرة تحمل اسم (حديقة العظماء) توضع فيها تماثيل كل العظماء الذين خدموا التاريخ العراقي اوالعربي والإنسان في كل مكان ، وأن تكون تلك التماثيل نصفيةوبالحجم الطبيعي ومن مادة البرونز مثبتة على قاعدة يكتب عليهااسم صاحب التمثال وتاريخه.”

وقال حكمت في تشرين الثاني/نوفمبر 2009 لوكالة الصحافةالفرنسية “لازلت احلم بالعودة الى بغداد يوما لانجاز ثلاثة اعمالبرونزية: الاول تمثال للسندباد البحري عائم وسط نهر دجلة والثانينافورة مصباح علاء الدين السحري في ساحة الخلاني (وسط بغداد) والثالث لحرامي بغداد تلك الشخصية التي اشتهرت فيالعصر العباسي عندما كان يتلثم بالليل ليسرق اغنياء بغداد ويوزع بعد ذلك المال على الفقراء.”

الحياة الشخصية

محمد غني حكمت متزوج من السيدة غاية الرحال، وهي شقيقة النحات العراقي الراحل خالد الرحال الذي صمم نصب قوس النصر وتمثال ابو جعفر المنصور، ونصب الجندي المجهول.

لمحمد غني حكمت ولد وبنت هما ياسر وهاجر.

مرضه ووفاته

عانى محمد غني من عجز كلوي خلال السنة الاخيرة التي سبقت وفاته وفي الاشهر الاخيرة تدهورت صحته الى درجة كبيرة سببت مشاكل في المعدة والقلب والرئتين. في الفترة بين ايار / مايو وآب / اغسطس 2011 ادخل الى مستشفى الخالدي في العاصمة الاردنية عمان لتلقي العناية الطبية والعلاج.

يصف الصحفي المرموق صبري الربيعي والذي كان يرقد المستشفى نفسها ويقول ” …فقد كان (رحمه الله)، يرقد من وقت لآخر، على سريره الذي تفصله عن سريري مسافة متر واحد.. كنت أرقب تنفسه وهو يصعد وينزل، طيلة ثلاثة أشهر من هذا العام، هي مايس، وحزيران، وتموز. وفي الفترات مابين غفوة وغفوة، يرسل نظراته الزائغة إلي، يحاول جاهدا الابتسام، إلا أن عضلات وجهه الرخوة لا تساعده على ذلك، فيكتفي بتضمين نظراته تلك انكسارات تحدث فعلها العميق في نفسي !”. ويتابع الربيعي قائلا “يرافقه في كل مرة إلى قاعة الغسيل الكلوي، الفنان ألطباعي الشاب هيثم، نجل رائد الطباعة الحديثة فتح الله، صاحب (مطبعة الأديب البغدادية)، محتضنا بأصابعه بحذر شديد، حقنة ثمينة تحافظ على جودة الدم، وبعد دفع رسوم المعالجة، يرقد (محمد غني حكمت)..”

وفي مساء يوم الاثنين المصادف 12 ايلول 2011 اصيب بجلطة مع عجز كلوي تام ادت الى وفاته.

كانت وصية محمد غني حكمت ان يتم دفنه في بغداد. وفي يوم الجمعة المصادف 16 تشرين الاول / سبتمبر بدأت المراسيم التشييعية من مبنى السفارة العراقية التي نظمت مجلس عزاء و تبعتها مسيرة راجلة لمحبيه من الفنانين والشعراء. بعض المصادر تقدر عدد المشيعين بالفي شخص تتقدمهم زوجة الراحل وابنه ياسر. فيها تم لف جثمان الفنان الكبير بالعلم العراقي ونقلوه الى مطار الملكة عالية.

في بغداد كانت المحطة الاولى في تشييع محمد غني حكمت في جمعية التشكيليين العراقيين ومن ثم انطلق المشيعون من محبي الفنان الراحل وعائلته الى مقبرة الكرخ حيث مثواه الاخير.

المعارض الشخصية والمشاركات

  • عدد المعارض الشخصية التي أقامها محمد غني حكمت كثيرة جدا سواء على المستوى الشخصي او بالمشاركة مع فنانين اخرين. نذكر منها: 
  • اذار/ مارس 1955 اشترك في معرض اقيم في نيودلهي في الهند وفي قاعة لافونتانلا في روما 
  • ايار/مايو 1956 اشترك فيمعرض ماركوتا في روما ايطاليا مع الرسام تاتو
  • ثلاثة معارض شخصية تفصل بين كل واحد منها ايام قليلة في اذار / مارس 1958. الاول في مدينة باليرمو، صقلية بإيطاليا عرض فيها 23 قطعة منالسيراميك الملون.  اقام المعرض الثاني في قاعة ( ماركوتسيما ) في روما عرض فيه 30 تمثالاًمن الخشب والبرونز. وأقام المعرض الشخصي الثالث للنحت في قاعة أوتيل باريس في سان ريمو عرض فيه 30 تمثالاً من الخشب والبرونز.
  • في حزيران / يونيو 1959 أقام معرضاً شخصياً للنحت في قاعة ميريكا في روما احتوى على 30 تمثالا من الخشب.
  • اقام معرضه الشخصي الاول للنحت بعد عودته الى العراق بتاريخ 22 كانون الثاني 1962 في دار الدكتور محمد مكية الكائن في منطقة المنصور، وعرض فيها اربعين تمثالا تم انجازها عندما كان في روما.
  • يعتبر المعرض الاول من نوعه لنحات عراقي في تاريخ الحركة التشكيلية الحديثة في العراق.
  • في العام نفسه وبدعوة من صديقه علي الركابي اقام المعرض الشخصي الثاني. المختلف هذه المرة ان اعماله كلها كانت مأخوذة من ارث حضارة بلاد مابين النهرين، الحضارة والتراث الاسلامي، وكذلك عرض مواضيع شعبية للحياة اليومية للناس خصوصا في بغداد.
  • وفي شهر اذار / مارس 1963 أقام معرضاً شخصياً للنحت في قاعة ( وان ) ببيروت ضم 23 تمثالاً من الخشب والبرونز والنحاس.
  • وفي نيسان/أبريل1981 أقام معرضاً شخصياً  للنماذج البرونزية البارزة في قاعةالمركز الثقافي في لندن ضمّ 85 تمثالاً من البرونز. 
  • وفي تشرين الاول / أكتوبر 1991 أقام معرضاً شخصياً للنحت في قاعة المركز الثقافي فيعمان ضمّ 26 تمثالاً من الخشب والبرونز. 
  •  قاعة الكوفة بلندن في ايلول/سبتمبر 1988 اشترك في معرض تكريمي لجواد سليم.

الجوائز والتكريمات

  • جائزة تقدير من عمدة روما بإيطاليا عام 1958 .
  • جائزة تقدير من المعرض العالمي فيا مارغوتا في روما عام 1959 .
  • جائزة كولبنكيان كأفضل نحات عراقي ، بغداد عام 1964
  • جائزة الدولة اللبنانية من وزارة الثقافة ، رشانا ، لبنان عام 1994 .
  • جائزة تقدير من جامعة الدول العربية عام 2002 .
  • عام 2010 حصل على جائزة تكريم للابداع العربي عن انجازات العمر – قطر
  • في عام 2015 وفي الذكرى ال70 للأمم المتحدة، تم اختيار نافورة كهرمانه للتراث الوطني العالمي.
  • في نيسان / ابريل 2016 قامت شركة Google بالاحتفال بذكرى ولادة الفنان الراحل بوضع رسم لنصب “انقاذ العراق” على الصفحة الرئيسية لها.
محمد غني حكمت - عند وضع نصب كهرمانه في نهاية الستينات
وضع نصب كهرمانه في نهاية الستينات
محمد غني حكمت - المشغل
محمد غني حكمت – المشغل
كهرمانه
كهرمانه
شهريار وشهرزاد
شهريار وشهرزاد
مع خالد القصاب
مع خالد القصاب
شهرزاد
شهرزاد
شيخ النحاتين
شيخ النحاتين
محمد غني حكمت - عند وضع نصب علاء الدين والمصباح السحري
محمد غني حكمت – عند وضع نصب علاء الدين والمصباح السحري
السندباد
السندباد
شهريار وشهرزاد
شهريار وشهرزاد
عند تصميم نصب كهرمانه
عند تصميم نصب كهرمانه

 

المصادر

اترك رد