من اعلام بلادي – لطيف العاني

بقلم وترجمة أحمد طاهر.

قبل فترة قصيرة كتبت عن زيارتي الى معرض الصور الفوتوغرافية لكبير المصورين العراقيين لطيف العاني الذي اقيم في العاصمة البريطانية لندن.

التصوير عشق يموت فيه الصبر.  يقول لطيف العاني عن نفسه وكيف انه دائما يفتقد الى الصبر بعد اكماله التصوير وتطوير (تحميض) الفلم في الغرفة الحمراء لكي يرى الصور التي التقطها. بالرغم من ذلك فحبه للتصوير علمه الشجاعة وساعده في تجاوز كل الحدود التي يضعها المجتمع او الافراد، لكنه لم يتعدى على تقاليد المجتمع او طبيعة اهل هذا البلد الطيب، بالعكس، فهو خير من عرض من خلال كاميرته تلك التقاليد واولائك الافراد خير عرض وتقديم.

هو الذي صور كل شئ في العراق.  عشق من خلال عدسته المدينة، القرية، عشق الطبيعة الملونة التي انعم الله بها العراق بمختلف تضاريسها ومناطقها. بعدسته وحسه الفني العالي اخذ صور لتاريخ الحضارة والتراث. صور الغني، الفقير، السياسيين، الزعماء واصحاب المهن والطلاب. وهو من الاوائل الذي نقل صورة المرأة العراقية وهي تعمل. اراد من ذلك تغيير النظرة المجتمعية التي تركز على الرجل فقط سواء انه في داخل العراق او خارجه.

ولادته ونشأته

ولد لطيف العاني في كربلاء عام 1932 من عائلة توفى رب العائلة وكان لطيف صغير السن. بداياته مع التصوير الفوتوغرافي كانت عندما كان يساعد شقيقه الذي يملك محل في شارع المتنبي. هناك تعلم المبادئ الاساسية للتصوير من صاحب محل تصوير اسمه نيسان.  في عام 1947 اشترى له شقيقه اول كاميرا كوداك وكان سعرها دينار ونصف. كان لطيف عمره 15 عاما. الصور الاولى التي التقطها لطيف العاني بهذه الكاميرا كانت متنوعة: النخيل، الوجوه، النباتات، الناس على اسطح المنازل.

شركة النفط العراقية

جاءت فرصة العمل في شركة النفط العراقية عندما علم من صديقه عزيز عجام الذي كان يعمل محررا بمجلة “أهل النفط” وهي النسخة العربية من مجلة IPC (شركة النفط العراقية) عن حاجة الشركة التي كانت في تلك الفترة تدار من قبل بريطانيين الى متدربين وتم قبوله بعد التقديم. يعتبر لطيف العاني فترة عمله بمثابة مدرسة تعلم فيها كل شئ وليس فيما يتعلق بتطوير مهارته في التصوير فقط. جو العمل يشوبه الانتظام والحرفية في كل المجالات.  كان يعتبر رئيسه في العمل جاك برسيفال Jack Percival استاذه ومعلمه وبمنزلة الاب الذي فقده وهو صغير فقد خصص الوقت والجهد لتطوير مهارات الشاب لطيف في مجال التصوير الاحترافي، حتى ان برسيفال رتب له موضوع تقليص مدة الخدمة العسكرية الالزامية لكي يستطيع ان يسافر معه.  دعاه الى بيته الخاص في بريطانيا، وحتى انه اوصى ان يكون لطيف احد الذين يحملون نعشه عند مماته، وهذا ماحصل في عام 1956.

يذكر العاني في احدى مقابلاته ان الحكومة العراقية ارادت عمل صور دعائية لطائرات الترايدانت Tridant الجديدة. قرر فريق التصوير حينذاك ان يلتقطوا صورة للطائرة وهي فوق صرح له خصوصيته في العراق، وهنا طرح جاك برسيفار فكرة اختيار مرقد الامام موسى الكاظم بقبتيه الكبيرتين والمتميزتين بتصميمهما.

التصوير الجوي

يعتبر لطيف العاني اول مصور بتاريخ العراق يقوم بالتقاط صور من الجو. بدأت هذه التجربة اثناء فترة عمله في شركة النفط العراقية التي خصصت وحدة جوالة خاصة لهذا الغرض وظيفتها تصوير مساحات شاسعة كالسدود والطرق وكان لطيف العاني من ضمن هذه الوحدة.

قسم التصوير في وزارة الاعلام

يعتبر لطيف العاني المؤسس لقسم التصوير في وزارة الاعلام (الثقافة)، كما كان اسمها في عام 1960، والتي كان موقعها مقابل بناية وزارة الدفاع في شارع الرشيد. كانت وزارة الاعلام هي التي طلبته لانه كان الوحيد في العراق كله الذي يعرف كيف يقوم بتطوير وتحميض الصور الملونة انذاك، وقبلت الوزارة شروطه براتب اعلى من ما تم عرضه.  قام لطيف العاني بتعيين حليم الخطاط كمساعد له وهو الذي اصبح فيما بعد من اشهر المصورين العراقيين.  كذلك درب بولوس حنا.

استخدم العاني في تلك الفترة وبشكل مستمر معدات التصوير التالية:

Rolleiflex 6×6 cm

Agfa 32 mm film

كان يشتري افلام الKodak التي تعتبر الافضل في الاسواق من محل حسو اخوان الواقع قريب من سينما روكسي.  كانت هناك محلات اخرى تبيع معدات التصوير مثل محلات  “الرياضة العراقية” و Fixed.

عن قسم التصوير في وزارة الاعلام كانت تصدر مجلة اسمها “العراق الجديد” وكانت تصدر بخمسة لغات: العربية، الكوردية، الانگليزية، الفرنسية والالمانية.  وكانت توزع على جميع البعثات والجاليات العاملة في العراق.  على هذا الاساس كان لطيف العاني يسافر الى كل انحاء العراق لتغطية كل مجالات الحياة: الصناعة، الزراعة، الثقافة، العمال، والمكائن.

كانت هذه جزء من اجنده الحكومة انذاك والرسالة التي ارادت ايصالها للعالم كله.  يقول العاني عن

هذا الجانب “كنت دائما حريص على ان اترجم الرسالة الى صورة بغض النظر عن اي شئ، وجل اهتمامي يصب في تقديم جمال تلك الصورة وليس السياسة. هذه هي عقيدتي”.

وكالة الانباء العراقية

انتقل بعدها الى وكالة الانباء العراقية وهناك عمل رئيسا لشعبة التصوير. عمل بالبداية هناك المصورون فاروق باك وبولص حنا وصالح مهدي وتوسعت لتضم عدد كبير امثال منصور محسن ومحمد علي حسن وعبد الودود جعفر الخفاجي وعبد الجبار الخشالي وناظم سهيم وحمزة جاسم وحميد كجيد محمود وجاسم محمد جبر ورعد عبد الباقي العجيلي وحسن معجون والمصورة ليلى.

سفير العراق 

يستحق لطيف العاني لقب سفير العراق الى دول عديدة مثل الاردن والكويت والبحرين وفرنسا. ونقل الصورة الصادقة عن العراق وشعب العراق بمختلف طوائفه ومكوناته.  مثال ذلك المعرض الذي اقامه ل80 صورة للعراق تم عرضها في برلين الشرقية عام 1965 والذي لاقى نجاحا منقطع النظير مما دفعه الى اقامة معرض في بغداد للصور الفوتوغرافية عن برلين الشرقية.

قبل هذا وفي العام 1963 قام لطيف العاني بجولة في الولايات المتحدة الامريكية، حيث تم عرض 105 صورة في واشنطن، شيكاغو، سان فرانسيسكو، سالت لايك سيتي، نيو اورليانز، نيويورك وغيرها. عرض العاني من خلال جولته في الولايات المتحدة جوانب وصور متنوعة عن العراق: طبيعته، تاريخه، ناسه.

لاقى المعرض نجاحا كبيرا واعجاب من الزائرين، وعدم التصديق ايضا لدى بعض الزائرين ان هذه الصور من العراق او الذي التقطها هو عراقي الجنسية. حتى ان واحدة من الجرائد الامريكية المحلية كتبت عنه وتقول ان العراق ارسل سفيرها كمن خلال تلك الصور.

جواد سليم

التقى جواد سليم من ضمن مجموعة بغداد للفن الحديث، وهو النادي او التجمع الذي ضم عمالقة في الفن والادب. كان اللقاء بواسطة رئيس العمل، جاك برسيفال الذي ربطته بالمجموعة علاقة طيبة. بعد اللقاء الاول قام جواد سليم بدعوة العاني شخصيا واعتباره احد الفنانين وكان هذا لعدة مرات. ومن خلال تلك العلاقات تعمقت علاقة لطيف العاني بالاعضاء الاخرين حتى انهم كانوا يطلبون منه تصوير اعمالهم بشكل دائم. كذلك شارك معهم في واحدة من معارضهم بصورة اسمها “الدمعة” وهي لطفل يبكي في الحضانة .

كان اللقاء الاخير بين الاثنين قبل يومين فقط من وفاة جواد سليم الذي يعتبره العاني فاجعة غير متوقعة. كان هذا في العام 1961، امام نصب التحرير حيث كان جواد سليم يقوم بالاشراف على وضع التمثال الاوسط على اللوح الكونكريتي العريض. يذكر لطيف العاني ان جواد سليم كان مستعجلا في وضع وانهاء النصب خوفا من تدخل الحكومة وخشيته ان هذا التدخل سيجبره على تغيير التصميم.

صور الزعماء

في العام 1954 قام لطيف العاني بلقاء الملك فيصل الثاني لاول مرة عند قام الملك بافتتاح المعرض الزراعي والصناعي البريطاني الذي اقيم في بغداد.  اللقاء الثاني كان عند طلب الملك من لطيف العاني الحضور لالتقاط صور له بزيه الرسمي. شهد اطيف العاني من خلال كاميرته بناء سد دوكان وكذلك حضر افتتاح السد بحضور الملك فيصل الثاني عام 1956.

عام 1966 رافق الرئيس العراقي السابق عبد الرحمن عارف الى باريس للمرة الاولى ولقاءه بالزعيم الفرنسي الكبير شارل ديغول الذي لم يسمح للمصورين باستخدام الفلاش لانها كانت تؤذي عينيه.

في العام 1972 كان لطيف العاني من ضمن الوفد المرافق لصدام حسين عندما كان نائبا خلال زيارته الاولى الى باريس، فرنسا.

التوقف عن التصوير

في عام 1976, كان لطيف العاني مديرا في وكالة الانباء العراقية. في تلك السنة صدر امر حكومي بنقله خارج قسم التصوير الفوتوغرافي وتعيينه في قسم (صحافة لجان التحقيق)، التي لم يجد فائدة من عمله فيها. علم لطيف العاني بعد فترة ان سبب نقله كان شخص يشرف العاني بنفسه على تدريبه وتطويره، وكان هذا الشخص يكتب تقارير ويرفعها الى الحكومة.  بعد ذلك تم الطلب منه ان يدير قسم التصوير الفوتوغرافي لجريدة “دار الجماهير”. هناك عمل لمدة سنة ثم قدم استقالته. سافر الى الكويت لاسباب عائلية وعاد الى العراق عام 1983، كانت تلك الفترة في اوج الحرب العراقية- الايرانية ولهذا السبب كان تقريبا من المستحيل التجول والتقاط الصور بحرية كما عهد في السابق لاسباب امنية وكنتيجة لظرف الحرب.  عندها قرر الاعتزال نهائيا.

ارشيف في الهشيم

بعيد الحرب وغزو العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية عام 2003 تعرض ارشيف لطيف العاني في وزارة الثقافة المتكون من الاف الصور وحتى افلام التطوير الى السرقة والنهب. البعض يقدر حجمها بمئات الالاف من الصور، جميعها فُقدت للابد: صور لاماكن تاريخية ومدن، صور لشخصيات عامة وناس، صور الحياة اليومية، صور فنية، كل العراق … لايوجد لها اثر والى اليوم.

يجزم لطيف العاني ان من نهب ارشيف الصور في وزارة الثقافة من درج الى درج كان يعلم مايفعل وبشكل نظامي وان بعض من افلام الصور (النيگاتيف) موجودة ولم تدمر بالكامل وقسم منها معروضة للبيع في الاسواق المتجولة ببغداد.

مع ذلك فان يخفف عزاء هذا الفنان الكبير هو انه يحتفظ الى هذه اللحظة بالنسخ الاصلية لمجموعة الصور الخاصة ويحرص على المحافظة على النيكاتيف negative (شريط الفيلم بعد التصوير والتحميض) لجميع صوره: ارشيف ستين سنة من الصور محفوظة في صناديق حافظة تمنع حر الصيف وبرودة الشتاء.

صور مؤلمة

للاسف وبعد مرور الزمن وتعاقب الاحداث المؤلمة في العراق لايستطيع لطيف العاني رؤية الجمال موجود في بلاده لكثرة الصور البشعة والحزينة على شاشات التلفزيون ووسائل الاعلام.  لايستطيع ايجاد الجمال بصورة واضحة لانه العديد من الاشياء القبيحة تحصل في بلده. الجمال حاضر في خياله فقط.

نصيحة الى الجيل الجديد من المصورين

اهم شئ هو ان يحب المصور عمله. كذلك يجب مواكبة التطور التكنلوجي في التصوير الفوتوغرافي، لكن في الوقت نفسه يجب على كل مصور احتراف التصوير بالابيض والاسود حتى لو كان هذا الفن في طريقه الى الانقراض لكنه نوع من التصوير نادر ومميز.  

“الصور الان افضل من ناحية النتيجة، وتوفير الوقت والتكاليف. لكني مازلت افضل الابيض والاسود من الناحية الفنية. تأثير الضوء على الصورة اكثر واقعية”

تكريم 

في الثاني من كانون الاول من العام 2015، كرّمت مؤسسة الأمير كلاوس لطيف العاني (و عشرة فنانين آخرين). مؤسسة الامير كلاوس هي هولندية المنشأ واسمها يعود الى اسم ابن ملكة هولندا السابقة الملكة بياتريس. تم منح لطيف العاني جائزة لقيامه بانشاء ارشيف يحتوي على الصور الفريدة لمختلف جوانب الحياة في العراق، كذلك لدوره الكبير في تطوير فن التصوير الفوتوغرافي الوثائقي في العراق.

الفديو ادناه هو للمعرض الذي اقامته مؤسسة رويا لكبير المصورين لطيف العاني في مدينة لندن

والرابط التالي فيه التغطية للمعرض الذي أقيم في لندن

لطيف العاني – معرض الصور الفوتوغرافية – لندن 2017

 

شهادات (بالانكليزية):

I long for a place that might have continued being like Latif’s photos, but say no longer possible. We are nostalgic for a life that we did not live.
Shwan Ibrahim Taha

Co-founder, Ruya Foundation

“It began at the 56th Venice Biennale in 2015 where the presentation of (Al Ani’s pictures) aroused powerful passions.  Many articles appeared in the international press, and the images were informally reproduced on the internet and by museums and heritage organisations.

They aroused stunned reactions as well as curiosity and an awakened awareness of the latest “second life” of an Iraq never to be seen again, swallowed up by a century of imperial, colonial, regional, nationalist and inter-communal wars and violence. “

Murad Montazami

“Such a radical decision has no real equivalent in the history of photography, and thus stands out as a personal response to the lived dramas of his country and its citizens, but also as a metaphor of their shared tragedy”

Catherine David

With or Without a Camera: Latif Al Ani’s Iraq – published in the 2015 Prince Claus  Awards Book, an annual publication on the year’s laureates.

المصادر:

من مقابلة مع تمارا الچلبي عام 2015

العباسية نيوز

 

اترك رد