خـــان المدلل

يحتفل سكان بغداد الأصليون في شهر تموز من كل عام بذكرى تشييد خان المدلل وهو احد اقدم خانات بغداد القديمة ، الذي شيد سنة 1890م كفندق للمسافرين التجار ورجالات الحكومة. والخان كلمة عثمانية ما زال العراقيون يستخدمونها حتى يومنا هذا، وهو بناء يشبه الفندق في عصرنا الحالي يستخدم لاستراحة المسافرين وتقديم الطعام لهم، وفي نفس الوقت بيع وشراء الحاجيات الضرورية للمسافرين.يقع خان المدلل في ساحةالميدان وسط بغداد، والذي يقتصر عمله اليوم على بيع المقتنيات النادرة والمواد الثمينة عبر دكاكينه المعدودة ورواقه الضيق حيث يقصده هواة جمع الطوابع ومقتنو السلع القديمة كالاسطوانات النحاسية والأرائك الخشبية والتحف الفنية النادرة، بحثا عن الأشياء التي تستأثر باهتمامهم. بالاضافة الى ان سكان بغداد يقطعون مسافات طويلة للوصول إليه لشرب الشاي المصنوع على الفحم في قهوة المدلل الواقعة في نفس الخان .

تعود تسمية الخان الى عائلة المدلل المعروفة ، حيث كان الخان ملكاً خاصاً لهم واستملك من قبل امانة بغداد فيما بعد ، ويمتد وجوده الى ما قبل انشاء السوق الحالي الذي يمتد تاريخه الى العهد العثماني ، عندما كان بناية تعود الى بيت المدلل ، وعند تاسيس المملكة العراقية عام 1921 استخدم هذا المبنى كدائرة كمارك ، وكانت تقابلها من الجانب الاخر من الشارع سينما ( رويال ) في مطلع الثلاثينيات ، فيما كانت مجاورة  لصالة ( ملهى الهلال ) في الميدان بباب المعظم وكان قبل ذلك يسمى ( ملهى ماجستك) والملهى المذكور يقع قبالة ساحة حافلات نقل الركاب مجاور سوق الهرج وهو المسمى (خان المدلل) الذي صدحت فيه حنجرة كوكب الشرق ام كلثوم عام 1932 اروع اغانيها فـي حينه .

تمثل الخانات في بغداد بشكل عام انذاك المقصد الرئيس لأي نشاط ثقافي او فني واجتماعي وتعدى الى السياسي في العهد الملكي بالعراق ، بينما يمثل خان المدلل بالنسبة لرواده الحاليين ممن ادركوا اوائل واواسط القرن الماضي روح بغداد القديمة وما تحمله من اصالة وجمال واناقة نفتقدها في الزمن الحديث ، حيث تمتلىء جنبات المكان بالذكريات التي تثير الحنين للماضي وما يمثله من الحب والامان وحلاوة الجيرة الحسنة والبساطة والتواضع والنوم فوق الطابوق الفرشي ايام الصيف القائظ بعد رشه بالماء بدون الاكتراث الى ملمسه الخشن ، ونومة السطح المحببة لدى العراقيين عندما لم تكن هنالك أجهزة تكييف أو ثلاجات . كما يعد متحفا عالميا مصغرا، لأنه يحتوي على بضائع من حضارات مختلفة وبلدان عديدة، منها ما يعود الى الحضارة الصينية او الرومانية او الشرقية والسورية والتركية العثمانية.

وعلى الرغم مما يعانيه خان المدلل اليوم من الإهمال الحكومي كباقي المناطق التراثية التي تعبر عن هوية بغداد العربية الحقيقية، وفقد الكثير من زبائنه للظروف الأمنية المعروفة في العراق، فلم يعد للسياحة دور يذكر، وأيضا هجرة العوائل البغدادية العريقة التي كانت تهتم كثيراً بمقتنياتها العريقة ، الا انه بقي يمثل  تحفة بغداد وجمال تاريخها عبر العصور والحقب الزمنية المختلفة .

كتابة : نجلاء ابراهيم جبوري

اترك رد