من اعلام بلادي – سعد محمود حكمت

بقلم د. حسن المدفعي.

بالرغم من التقدم التكنلوجي الهائل الذي حدث خلال العقود الماضية في مجال التسجيل الموسيقي الا اني لا زلت أفضل الاستماع للموسيقى من خلال الأسطوانات البلاستيكية  vinyl records وذلك بسبب دفئ الصوت الذي يميز الأسطوانة عن غيرها من الوسائط الرقمية الحديثة. وخلال بحثي عن الأسطوانات النادرة في أسواق لندن وجدت مجموعة أسطوانات اسمها The Glen Miller Years – Readers Digest (RCA) وهي مجموعة كنت ابحث عنها منذ مدة.  بعد التفاوض مع البائعة الشقراء وافقت على بيعي المجموعة بسعر رمزي حيث ان الغلاف بدت عليه اثار القدم.

فور عودتي الى البيت وضعت الأسطوانة الاولى (من مجموع ست اسطوانات) في الگرامافون و كانت المعزوفة الاولى Moonlight Serenade – The Glen Miller Band  و هي من القطع المعروفة التي يعود تاريخها الى عام 1939م و تعتبر اللحن المميز للموسيقي الأمريكي Glen Miller. سحر الموسيقى ان الالحان تحمل معها ذكريات وصور وهذه القطعة بالنسبة لي محملة بذكريات بغداد في الثمانينيات حين استمعت لهذا التسجيل لأول مرة.

في منتصف الثمانينيات عندما كنت طالبا في الجامعة المستنصرية كان يوم الأربعاء هو يوم قاعة الاورفه لي – وبالأخص الطابق العلوي من القاعة حيث كان الاستاذ سعد محمود حكمت – عمو سعد حيث تربطني به علاقة عائلية – يدرس البيانو والموسيقى. كل يوم أربعاء وفي نهاية اليوم كنت أزور عمو سعد في مكتبه. عمو سعد كان موسوعة موسيقية وكل اربعاء كنا نستمع الى البوم او مجموعة قطع او اغان موسيقية وكان يشرح لي تحليلاته عن التركيب الموسيقي والهارموني المستخدم وتوزيع الخطوط الموسيقية حسب قدرة الالة او مجموعة الآلات. لطالما استمتعنا بالنقاش عن محرمات الهارموني – ونصيحته لي: “حسوني لازم تتعلم ما هي محرمات الهارموني لكي تعرف متى وكيف ترتكبها”، حيث ان الهارموني وهو علم معني بتناغم الأصوات الموسيقية له قواعد محكمة يستخدم في تطبيقها علم الرياضيات. كنا نتحدث عن تطورات الجمل الموسيقية واختلافها حسب جنس ومنشأ الموسيقى. كان عمو سعد يمتلك مجموعة أسطوانات منتقاة رائعة ولطالما استمعنا الى انتونيو كارلوس جوبيم والبوسانوفا البرازيلية وتحدثنا عن اختلافات هذا الطور الموسيقي مقارنة مع موسيقى الجاز في شمال امريكا وأمثال اوسكار بيترسون.

عمو سعد كان موسوعة في هندسة الصوت للحفلات الكبرى كحفلات الفرق السيمفونية وكذلك في هندسة الصوت في استوديوهات التسجيل الإذاعي والموسيقي. عملت معه في مناسبات عديدة في استوديو دائرة الفنون الموسيقية والاذاعة والتلفزيون وفي استوديوهات متعددة أخرى وكذلك من خلال عملي ومرافقتي للفنان الهام المدفعي. خلال العمل كان عمو سعد يزودنا بمعلومات قيمة عن علم هندسة الصوت وادواته كالفروقات بين الگرافيك والپاراميتريك اكوالايزر وأنواع اللاقطات (المايكروفونات) وكيفية استخدامها (الاكوالايزر equaliser  هو جهاز قادر على التحكم في رخامة الصوت و يستخدم بكثرة في الإنتاج الموسيقي في مرحلة المكساج لتحقيق توافق صوتي بين الآلات الموسيقية). في أحد الايام واثناء تسجيل اغنية احتجنا الى إضافة مؤثر صوتي يشبه الصدى الذي يصدر في قاعة متوسطة الحجم لكن الجهاز الالكتروني المسؤول عن إضافة هذا المؤثر- يسمى المؤثر ريڤيرب Reverb –  كان عاطلا. عمو سعد وضع لنا مخطط لصنع جهاز ريڤيرب ميكانيكي باستخدام إطار حديدي وصفيحة معدنية وفعلا صنعنا الجهاز واستخدمناه في التسجيل وبنجاح.

عمو سعد كان عازف اكورديون وبيانو بمستوى أكاديمي وفني عالمي. كان عضو جمعية عازفي الاكورديون العالمية التي تتطلب شروط انتماء عالية المستوى بحيث ان عدد أعضاء الجمعية لا يزيد عن 30 عازف من انحاء العالم. كان يؤمن بان للموسيقى دور في كل مجالات الحياة. يذكر بانه كان يجالس شيخ الرسامين المرحوم محمد صالح علي في مرسمه ويعزف الموسيقى اثناء عمل الفنان وكان لديه القدرة ان يسكت رضيع يبكي بعزف الموسيقى. حسوني، كان يقول لي، مثل ما المهندس في العراق يجب ان يكون ملم بما يحدث في مجال الهندسة في العالم فان الموسيقي كذلك يجب ان يعرف عن الموسيقى في جميع انحاء العالم. وبالفعل قطع موسيقية مميزة وايقاعات غير تقليدية من البلقان والارجنتين وجنوب اوربا وشرق اسيا كان عمو سعد يعزفها بإتقان ويسمعنا إياها ويشاركنا بدراساته وتحليلاته عنها.

اذا . . . كانت اول مرة استمع فيها الى هذا التسجيل من قطعة Moonlight Serenade ل Glen Miller  هي في ليلة اربعاء بغدادية جميلة حالمة مع عمو سعد و ما ورد هو بعض من شريط ذكريات عميق و ممتع مع عمي و معلمي و صديقي المرحوم سعد محمود حكمت. فيما يلي نبذة مختصرة عن سيرته العملية الغنية بالعطاء والابداع …

  • سعد محمود حكمت من مواليد بغداد 10- شباط – 1938
  • اتم دراسته الابتدائية والثانوية في الاعظمية في بغداد. أحب الموسيقى منذ نعومه اظافره وقد ساعده والده بذلك حيث تعلم اصول العزف على الة البيانو في البيت على يد الاستاذ جوليان هرتز وبعد ذلك طور مهارته بمساعده الاستاذة بياتريس اوهانسيان.
  • دخل معهد الفنون الجميلة (الذي أصبح فيما بعد اكاديمية الفنون الجميلة) وتخرج منها عام 1952 اختصاص اكورديون‪.
  • اهم مساهماته خلال فترة الدراسة هي عمله التطوعي في خدمه الاطفال المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة في معهد الامل وقد نجح في ابتكار طريقه فعالة لتعليم المكفوفين الموسيقى والايقاعات عن طريق تزويد كراسي الطلاب بسماعات الرأس تساعدهم في الاستماع لتعليمات الاستاذ والاستماع لبعضهم اثناء العزف.
  • كون مع مجموعه من الموسيقيين فرقه غنائية موسيقية لحن خلالها اغان عراقية اشتهرت بطابع توزيعها الغربي غنتها المطربة (فتاة البصرة) وألف ووزع قطع موسيقية (مارشات) في مهرجانات احتفاليه لمدارس التربية في ملعب الكشافة في بغداد بعضها لا يزال يعزف الى الان.
  • بعد تخرجه من الاكاديمية سافر الى ميلانو ليكمل دراسته العليا في العزف على الة الاكورديون ومن بعدها سافر الى اليونان حيث عمل في مجال التسجيل الصوتي والموسيقي في أحد اهم الاستوديوهات في أثينا. كان يعتبر هذه المرحلة من أجمل سنين عمله المهني.
  • عاد بعدها الى بغداد ليؤسس اول استوديو عراقي خاص للتسجيل الصوتي مع شريكه السيد طلعت وقد سجل مجموعة مميزه من الاغاني والمقطوعات الموسيقية العراقية.
  • عمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون العراقية في مجال الهندسة الصوتية وسجل مجموعه من الاغاني لكبار المطربين والمطربات العراقيين خلال الستينات والسبعينيات والثمانينيات.
  • أسس مع مجموعة من ذوي الاختصاص مدرسه الموسيقى والباليه عام 1968 وساهم بتوظيف اساتذة الموسيقى من الاتحاد السوفيتي السابق وعمل مدرس للبيانو والاكورديون لأكثر من 15 سنة.
  • لحن ووزع اهم عماله الفنية – باليه الميلاد والمسيرة – عام 1976. العمل قمته الفرقة السنفونية العراقية آنذاك.
  • سافر مرارا الي روسيا للتدريب وتبادل الخبرات وكذلك الى بولونيا حيث تعلم تقنيات عمل دوزان البيانو.
  • اسس ستوديو دائرة الفنون الموسيقية في مقر وزاره الثقافة والاعلام حيث ادخل تقنيات رائدة لم تكن معروفة في المنطقة آنذاك. كان الاستوديو ملتقى للفنانين الكبار في الثمانينيات حيث سجل فيه الموسيقار منير بشير مجموعه من المقطوعات على الة العود وسجل فيه الفنان الهام المدفعي العديد من الاعمال الاذاعية.
  • قام بعمل الهندسة الصوتية لمهرجان بابل الدولي قبل تقاعده بدرجه مدير عام في وزاره الاعلام- دائرة السينما والمسرح عام 1987.
  • حصل على أكثر من 40 شهادة شكر وتكريم خلال 33 سنه عمل في القطاع العام في العراق.
  • اسس ستوديو خاص للفنان عبد الله الرويشد بمشاركه الفنان فاروق هلال في بغداد عام 1989 تم خلالها تسجيل واخراج مجموعه من الاغاني للفنانين العراقيين والعرب مثل كاظم الساهر.
  • اتجه بعد تقاعده نحو التدريس الخاص للبيانو والاكورديون في قاعه الاورفلي ببغداد الذي يعد مركزا فنيا متميزا.
  • انتقل بعد عام 2003 للإقامة في الاردن وعاد للعمل التطوعي في مركز الضياء مع المكفوفين.
  • اهتم في حياته بنشر الثقافة الموسيقية الرفيعة في المجتمع العراقي وكانت له هوايات أخرى متعددة اهمها التصوير الفوتوغرافي وكان من الاوائل الذين صوروا بالملون ببغداد مع اخيه الدكتور وليد حكمت
  • كان من هواه الراديو Amateur Radio.
  • اتقن التحدث باللغة الروسية والانجليزية مع الالمام باللغة التركية.
  • تزوج عام 1968 من رسميه محمد علي – باحثه اجتماعيه -عملت معه طيلة حياتها في مجال رعاية المعوقين.
  • له من الاولاد ثلاثة:
  • بشير: مهندس نظم حاسبات وسيطرة وعازف بيانو
  • فاطمة: مصممة ديكور وعازفة اكورديون
  • عمر: طبيب وعازف كمان
  • انتقل سعد محمود حكمت الى رحمة الله في عمان في 14- حزيران -2017 بعد صراع مع المرض.

د. حسن المدفعي

اترك رد