يازكريا.. عودي عليه.. كل سنة وكل عام وأنصب صينية

بقلم زينة الالوسي.

هذا ما تعودعلى غناءه وترديده أطفال ونساء العراق في اليوم الذي يحتفلون به بيوم زكريا والذي يصادف أول يوم أحد من شهر شعبان من كل عام…. ولكن في بيتنا كان الوضع مختلف فبالأضافة الى ترديدينا هذه الكلمات كنا نضيف عليها أغنية عيد الميلاد  Happy Birthday لأنه (عمتّي) شقيقة والدتي عمة منذرة الغالية رحمة الله عليها جانت تكول أنه اليوم عيد ميلاد عمه منذرة فلازم تحتفلون بيه وتغنولي وتجيبولي هدايا هههههههه والكيكه جانت عبارة عن قالب دولمة معتبرههههههههه، وهي بالحقيقه جانت تريد تعودنا على الاحتفال بهذا التقليد والموروث الاجتماعي الشعبي والديني بس بطريقتها الخاصة والمميزة اللي جانت تخلّي كلشي مُحَبَب ودمّه خفيف ويرسم الضحكه على وجوهنا ويدخل الفرحة لقلوبنا..

أول شي جانت تسوي هو تحضير جدر الدولمة وتسوي حلاوة الطحين باللوز وتزيينها باللوز المحمص وتسوي الزردة والحليب وتضع الصحون وصينية الدولمة في صينية كبيرة فافون وتزيينها بالشموع و ورق الياس والمصقول والحامض حلو.. ومن يكتمل نِصاب الحضور وتجهَز الصينيه يبتدي الأحتفال الرسمي بيوم زكريا…. نشعل الشموع ونبدي نغني ونكول: “يازكريا.. عودي عليّه.. كل سنة وكل عام.. وأنصب صينيه”. وبعدها وعلى غفله وبصوت واحد نبلّش نغني “هابي بيرثدي تو يو.. هابي بيرثدي تو يو.. هابي بيرثدي تو عمّه..هابي بيرثدي تو يو”.. ونهنيها ونسلمها الهدايا اللي جانت تكون عبارة عن شغلات من نفس الصينيه يعني لو مصقوله لو حامض حلوايه لو عود ياس وهي جانت تطير من الفرح بهدايانا ، مع العلم هي اللي حاطتها بالصينيه.. الله عليج ياعمتّي وعلى حنيتج وطيبة قلبج اللي ماشفت مثلها في حياتي…. وبعد ما نوزع الهدايا وتنتهي أعراض الفرحه والدهشه بالهدايا الخنفشارية، نبدي بالاستمتاع بالدولمة اللذيذه والحلاوة الالذ ونرقص ونغني… هذه ذكرياتي عن يوم زكريا.. وهيجي جنّه نحتفل في بيتنا من جنّه صغار.. وهذه جانت ايامنا الحلوة مع الناس الغاليين.

صورة من الزمن الجميل في ثمانينات القرن الماضي توثق أحتفالنا بيوم زكريا (عيد ميلاد عمتّي)… من اليمين: ماما (فطومتي)، عمة منذرة (صاحبة العيد ميلاد)، عمة راجحة رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته أبن عمتي غزوان و زوزو.

وترجع عادات وتقاليد وطقوس الأحتفال بيوم زكريا الى قصة النبي زكريا (عليه السلام) حيث أستجاب الله سبحانه وتعالى لندائه حين دعى ربه أنه يرزقه بولد وقد بلغ من العمر 92 عاماً وكانت زوجته عاقر وكما ورد في (سورة مريم) بسم الله الرحمن الرحيم: “كهيعص (1ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)… صدق الله العظيم ….فأصبح هذا اليوم من الموروثات الدينيه الشعبية والفولوكلورية وتقليداً لدى النساء اللاتي لم ينجبن او من لم يرزقن بالذكورمن الابناء او ممن تأخر زواجهم بالنسبة للبنات والذكور او النجاح في الدراسة او العمل…الخ…أملين ان يستجيب الله لأمنياتهم ودعواتهم من خلال أحياء هذه الذكرى.

ويكون الاحتفال بهذا اليوم المبارك بالتجهيز له قبل فترة وذلك بشراء المستلزمات الاساسية من الحلوى والمصقول والرز والسكر والمواد التي تدخل في عمل الدولمة والكليجة ومختلف انواع الحلويات الأخرى والشموع والشرائط الملونه والمكسرات والطبول (الدنابك) والدفوف…. ويشير الباحث التراثي المرحوم عبد الحميد العلوجي في حديثه عن يوم زكريا الى مسألة التزام المرأة العراقية باحياء المناسبات الدينية والموروث الشعبي والأعتماد على ذاكرتها في معرفة مواقيت الاعياد ومواسم الزيارات الدينية ومواعيد الشعائر المعروفة ، كما يصف صينية زكريا بقوله :” ان المرأة العاقر او من لم يرزقها الله غلاما تتولى بنفسها اعداد صينية عامرة بالحلوى والزردة والخضر والفواكه المختلفة والاكلات البغدادية الشهيرة مثل الدولمة والكليجة، وتحاط هذه الصينية بشموع صغيرة وكافور وتوضع وسطها احيانا شمعة العروس الذهبية المزخرفة بالورود بعد تثبيت قواعدها على الطين بين اغصان الآس والبرتقال .. “, “كما اعتادت الامهات وضع اوان فخارية تتكون من ابريق لكل ذكر من اولادهن ووعاء لكل بنت قرب الصينية ”

“ويحتفل العراقيون في جميع محافظات العراق بهذا العيد مع اختلاف نسبة الالتزام بأداء الطقوس، اما بقية الممارسات فتختلف من منطقة الى اخرى…. ففي منطقة الكاظمية مثلا ، تصوم النساء يوماً او يومين في اول يوم احد من شهر شعبان وتصوم بعضهن عن الكلام كما فعل النبي زكريا (عليه السلام )، اما الافطار فيتكون من خبز، شكر وماء من البئر ، وعلى الرغم من غياب هذا التقليد حاليا ، الا ان الالتزام بالصوم مازال قائما…. أِما صيام زكريا بالنسبة للأكراد والذي يُسَّمّى بالكردية (روزك زه كريا) ويشير العيد الى صيام (زكريا المعمدان) ويستمر الصيام منذ آذان الفجر الى ما بعد آذان صلاة المغرب اذ يتم اعداد صينية للفطور الذي يتألف على الاغلب من دجاجة مشوية ورز وتوضع في الصينية شموع وبخور وحناء وملبّس و(كليجة) وماء يتم احضاره من بئر مسجد الخلاني.”

ويضيف رحمه الله قائلاً: “كانت النساء تصوم في هذا اليوم ويتم دعوة نساء المحلة على الفطورالذي غالبا ما يكون سبع اشكال فيه الفسنجون اضافة الى الكُبَب والمحلبي والزردة والحليب…. اما صينية زكريا ففيها الملبس والشموع والتنك والبركان وبعد الافطار تأخذ النساء قطعة من صحن من الصحون الموجودة في الصينية وتنذر او تطلب مرادها غالبا ما يتعلق بالانجاب وحينما يتحقق النذر او المراد في السنة القادمة فتنتقل الصينية الى ذلك البيت وهكذا.. و تأخذ المرأة التي تنوي تحقيق نذرها باستعارة شمعة من صينية جارتها مثلا واذا تحقق نذرها ، تقوم باعداد صينية في العام المقبل مع صيامها يوم زكريا، والاولاد يتحلقون حول امهاتهم وهم يدقون على الطبول والدفوف ويغنون ( يا زكريا ..عودي عليه .. كل سنة وكل عام .. انصب صينية ).

ومن طقوس الاحتفال بيوم زكريا وعاداته وتقاليده المميزة، تكون شمعة صاحب النذر كبيرة ومميزة بشكلها وتزيينها وتوضع في وسط الصينيه وَتُوَزَع حولها الاباريق والاوعيه والكاسات والشموع ويكون بينها كاسات صغيرة أو اواني وتحتوي كل كاسة على: اللهوم وهو عبارة عن سمسم مسحوق مخلوط بالشكر..المخلَّط وهو خليط من الحمص وحب الرقي وحب الشجر المقليين والزبيب الاسود والمصقول(الملبَّس) والحامض حلو واللوزينه والشوكولاته).. الساهون وهو خليط من الشكر واللوز.. البيض المسلوق الملون بألوان مختلفه الاحمر والاصفر والبرتقالي.. الحلقوم الملون.. الزردة والحليب.. اللبن.. والخضراوات مثل الكراث والرشاد والكرفس والياس.

وقبل وقت الغروب تقوم النساء بأيقاد الشموع وتهيأت الفطور للصيام أو تحضير مالذ وطاب من اكلاتنا العراقية اللذيذة واهمها الدولمة والرز والدجاج والبرياني والفسنجون وأنواع الحلويات..و قبل أن تنطفيء الشموع يتمنون ويطلبون من الله وتعالى ان يسـتجيب لندائهم وأمانيهم وأن يحققها لهم كما حققها واستجاب لنداء نبيه الكريم زكريا ( عليه السلام).. أما بالنسبة للبنات الذين يريدون الزواج فيقومون بغرس دبوس في الشمعه والدعاء أن يحقق الله مطلبهم، وغيرها من الأمنيات والدعوات…. بعدها يتم توزيع الاطعمة المنذورة على الجيران ومن تريد طلب نذر فعليها ان توقد شمعة في صينية احد الاصدقاء وتطلب من الله تعالى نذرها واذا تحقق لها تحتفل بالعيد بنفسها في العام المقبل.”

وفي يومنا هذا اصبح شكل الصينية اكثر حداثه حيث تطور الى مائدة حلوة انيقة عامرة بما لذ وطاب تزينها الشموع حديثة الشكل والمزهريات الزجاجيه والكرستالية التي تحتوي على اوراق الياس والزهور مع الاحتفاظ بالموروث والحرص عليه بوضع الحامض حلو والحلقوم والمكسرات والشوكولاتة والساهون والدولمة والزردة والحليب.

تمنياتي لكم أن تتحقق جميع أمانيكم وأحلامكم وينعاد عليكم بالخير والصحه والعافيه والسعادة وراحة البال والوفرة والطمأنينه والأمن والامان.. وان اكون وفقت في ذكر كل مايخص عادات وتقاليد الاحتفال بهذه المناسبة العزيزة على قلوب العراقيين عموماً وعلى قلبي خصوصاً لما تحمله من ذكريات من أحلى وأغلى الذكريات مع الأحبه والغاليين اللذين أفتقد وجودهم في حياتي.. وان تكونوا قد أستمتعوا بهذه الرحله في بحر موروثاتنا وعاداتنا وتقاليدنا وفولوكلورنا الغني بالكثير من التفاصيل والجمال.

مصادر الموضوع:

  • بيت أهلنا المغتربين
  • الغد بريس
  • الأمارات اليوم
  • صفحة الاغاني العراقية والعربية

مصادر الصور:

  • درر العراق
  • الكاردينيا مجلة ثقافية عامة
  • السومرية TV
  • صديقة العمر وتوأم الروح اساور الكناني

 

 

اترك رد