من اعلام بلادي – محمد مهدي الجواهري

بقلم احمد طاهر.

اكتب اليوم عن محمد مهدي الجواهري. هو (شاعر الجمهورية) و (شاعر العرب الاكبر) و (متنبي العصر).  هو احد الاعلام الشامخة في تاريخ العراق المعاصر.  اكتب عن الجواهري اليوم لعدة أسباب, اولا لانه قبل ايام مرت علينا الذكرى ال119 لولادته الذي يصادف في  السادس والعشرين من تموز / يوليو من كل عام. كذلك ذكرى رحيله في الشهر نفسه وبالتحديد في يوم الخميس المصادف 27 تموز / يوليو. السبب الثاني لما لهذا العظيم من دور في ايصال صوت الشعب وحب الوطن على مدى قرن من الزمان وخاصة ان العراق يمر الآن بظروف استثنائية وسط تظاهرات واحتجاجات يقوم بها ابناء شعبها للمطالبة بحقوقهم وبسبب استياءهم من الاداء الحكومي لعقد ونصف بشكل مشابه مع تلك التظاهرات التي عمت كل العراق في العام 1948 ضد معاهدة بورتسموث والتي بالرغم من سقوط الشهداء نتيجة للعنف والقمع الدموي من قبل القوات الامنية وبالرغم من غلق الصحف والاعتقالات …كل هذه الاجراءات لم تنجح في اسكات الجماهير التي اجبرت الحكومة على تقديم استقالتها والغاء تلك المعاهدة انذاك.

ولد الجواهري بتاريخ 26 تموز / يوليو 1899 في مدينة النجف من اسرة لها سمعة ومقام عالي جدا بين الاوساط النجفية الدينية والادبية تعود الى عقود طويلة قبل ولادته، احد اجداده هو الشيخ محمد حسن النجفي كتب 44 مجلدا فقهي اسمه “جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام”، ومن هنا جاء لقب الجواهري. بدأ محمد مهدي الجواهري ينظم الشعر في سن مبكرة جدا.  كان والده يحرص على ارساله الى المدرسة وان يأخذ دروس من اساتذة كبار يعلموه اصول النحو والصرف والبلاغة والفقه. وكانت اول مجموعة شعرية له وهو في الخامسة والعشرين من العمر، تحت عنوان “خواطر الشعر في الحب والوطن والمديح”، تبعه اصدار اول ديوان شعري في العام 1928 بعنوان “بين الشعور والعاطفة”.

عمل الجواهري لفترة قصيرة من الزمن في البلاط الملكي بعد تتويج الملك فيصل الاول ملكا إلى أن قدم استقالته في العام 1930 والتي كانت اسبابها حسب مذكرات الشاعر الكبير تعود إلى قصيدته  (جربيني) لما فيها من تحد للمجتمع والعادات انذاك.  دخل الجواهري بعد ذلك إلى عالم الصحافة.  كانت جريدة (الفرات) التي اسسها اول ثمار العمل الصحفي.  وبعد ان قامت الحكومة باغلاق الصحيفة وعندما لم تنجح محاولاته لاعادة فتحها توجه الجواهري الى سلك التعليم وعمل معلما في ثانويات ومدارس في بغداد )المدرسة المأمونية( وفي البصرة والحلة.

في العام 1936 اصدر جريدة (الانقلاب) عقب الانقلاب العسكري لبكر صدقي وبسبب مواقفه المناهضة للانقلاب تم حبسه لمدة ثلاثة اشهروغلق الصحيفة.  بعد خروجه وبعد سقوط حكومة الانقلاب العسكري قام باعادة فتح الجريدة ولكن تحت اسم (الرأي العام).  كانت المقالات التي ينشرها سببا لاغلاق الصحيفة لاكثر من مرة حتى ان الضغوط دفعته للهجرة الى ايران والعودة بعد فترة. في العام 1946 وتحت ظل الاوضاع والتغيرات عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت في العراق دعوات الى نشر وترسيخ الديمقراطية وهذا ماشجعته حكومة توفيق السويدي التي تشكلت في 23 شباط / فبراير من نفس العام. تحفزت الحركات السياسية للتسجيل ومنهم (الحزب الوطني) التي كان الجواهري من الاعضاء المؤسسين لها. بعد التسجيل واجازة الحكومة للحزب الوطني بممارسة العمل السياسي وفي 2 نيسان / ابريل 1946 اتخذ الحزب من جريدة )الرأي العام( الجهة شبه الرسمية لنشر فعالياتها وتبليغاتها ومقالاتها وكانت هذه الخطوة بموافقة الجواهري. بعد فترة من الزمن بدأت الخلافات بين اعضاء الحزب مما حذى بالجواهري الى تقديم استقالته في شهر آب / اغسطس 1946 وبالاتفاق اعاد الجريدة الى عهدها السابق وباسمها الاصلي.

واصل الجواهري نشاطه السياسي بالاضافة إلى النشاط الصحفي.  في العام 1947 تم انتخابه نائبا في مجلس النواب العراقي ولكنه استقال بعد مرور عام لمعارضته معاهدة بورتسموث والتي كان شقيقه احد ضحاياها نتيجة لتعرضه لاطلاق ناري خلال التظاهرات واستشهاده متأثرا بجراحه بعد عدة ايام. كتب الجواهري قصيدتين يرثى فيها اخيه “اخي جعفر” و”يوم الشهيد”.

في العام 1949 كان محمد مهدي الجواهري العربي الجنسية الوحيد ممن حضر في مؤتمر “انصار السلام العالمي” الذي اقيم في بولندا والذي على أساسه تم تأسيس مجلس السلم العالمي عام 1950 و اختير عضواً فيه.

وفي عام 1956 سافر الجواهري الى سوريا تلبية لدعوة رسمية لحضور الحفل التأبيني السنوي للذكرى الاولى على اغتيال العقيد عدنان المالكي، وهو من المع الشخصيات العسكرية السورية لدوره في تطوير الجيش انذاك, فهو من اسس مدرسة صف الضباط، وهو اول ضابط جيش يحمل العلم السوري بعد الاستقلال من فرنسا، بالاضافة الى انه اول من دفع باتجاه تغيير و أعادة  كتابة المناهج الخاصة بالانظمة العسكرية على أن تكون باللغة العربية. القى الجواهري مجموعة من الابيات في الحفل التأبيني اعتبرتها الحكومة العراقية معادية في المضمون وخاصة فيما يتعلق بحلف بغداد وهو الحلف الذي تم اقامته قبلها بعام لمواجهة الاتحادالسوفيتي وضم كل من العراق، بريطانيا، تركيا، باكستان، وايران. جراء ذلك قرر الجواهري طلب اللجوء السياسي في سوريا، وعمل في ادارة تحرير مجلة “الجندي” التابعة للقوات المسلحة السورية وبعد عام ونصف رجع الجواهري الى العراق. في البداية تم استدعائه وواجه تهمة المشاركة في محاولة قلب نظام الحكم التي رد عليها مستهزئا بقوله” ولماذا اشترك مع الاخرين وانا استطيع قلب النظام بلساني وشعري” بعد ساعات تم اطلاق سراحه.

بعد انتقال العراق من الملكية الى الجمهورية في 14 تموز / يوليو 1958 كان الجواهري من اكثر المتحمسين لهذا الانتقال  المهم والحساس. في تلك الفترة اطلق عليه لقب “شاعر الجمهورية”، واول نقيب للصحفيين في تاريخ العراق، كان ذلك في 7 ايلول / سبتمبر من عام 1959 من ضمن المؤتمر التأسيسي الاول بحضور الزعيم عبد الكريم قاسم.  لكن سرعان ماتأزمت علاقة الجواهري بالنظام السياسي الى درجة كبيرة ازدادت فيها المضايقات له ولعائلته وعلى اثرها غادر العراق الى لبنان في العام 1961 ومن هناك سافر الى  جمهورية التشيك بدعوة من اتحاد الأدباء، وهناك قدم طلب اللجوء السياسي كما كشفت أحدى الوثائق التي تم العثور عليها في ارشيف وزارة الخارجية التشيكية عام 2008 من قبل الاستاذ أحمد الجبوري السكرتير الاول في سفارة جمهورية العراق ببراغ  خلال بحثه لاستكمال الدراسات العليا. الوثيقة مؤرخة 20  حزيران / يونيو عام 1961 بخط يد الجواهري نفسه، وختمها بالتوقيع الآتي:  “محمد مهدي الجواهري، الشاعر العراقي، ورئيس اتحاد الادباء العراقيين، وصاحب جريدة (الرأي العام) المحتجبة، وعضو المجلس الأعلى لأنصار السلام ببغداد”.

بعد ثورة 8 شباط 1963 سحبت الحكومة الجنسية العراقية من محمد مهدي الجواهري لموقفه ورفضه لتلك الثورة بقيادة عبد السلام عارف.  عاد الى العراق بعد انقلاب تموز 1968 بدعوة من الحكومة العراقية والتي امرت باعادة الجنسية العراقية وصرف راتب تقاعدي قدره 150 دينار كل شهر.  لكن في اواخر عام 1980 غادر العراق ليستقر في دمشق .  بعض المصادر تذكر انه انتقل الى سوريا في العام 1983 تلبية لدعوة رسمية – حتى أن هذه المصادر تذكر أن الجواهري في عام 1980 كان بالحقيقة يسكن براغ في جمهورية التشيك.  في التسعينات من القرن الماضي تم سحب الجنسية العراقية من محمد مهدي الجواهري  للمرة الثانية لمشاركته في مهرجان الجنادرية السنوي المقام في المملكة السعودية في عام 1994

توفي الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري فجر يوم الاحد المصادف  27 تموز / يوليو 1997 في أحدى مستشفيات العاصمة السورية دمشق وكان تشييعه في دمشق مهيبا حضره اركان الدولة السياسيين والعسكريين بالاضافة الى حضور شعبي عظيم. دفن الجواهري في مقبرة الغرباء في منطقة السيدة زينب في دمشق  إلى جانب قبر زوجته السيدة أمونة.

على قبره منحوتة لخارطة العراق من حجر الكرانيت مكتوب عليها:

“يرقد هنا بعيدا عن دجلة الخير”

 

ومضات سريعة من تاريخ الجواهري

  • يقول الجواهري عن نفسه عند يشرع في الكتابة:

“عندما اكتب الشعر تعلن حالة الطوارئ في البيت، ويغلق باب غرفتي، اجلس الى المنضدة وامامي صحنا سجائر … ادخن بشراهة … اقف، ازرع الغرفة جيئة وذهابا، وادندن الموسيقى بصوت مرتفع، موسيقى بدون كلمات… لااستعمل الورق العادي… يعجبني ان اكتب على غلاف الكتب وعلب السجائر. وقد اضعت قصيدتين بسبب ذلك”

  • احتفل محرك البحث الأول Google في يوم الثلاثاء المصادف 26 تموز / يوليو 2011 بالذكرى 112 لولادة الشاعر محمد مهدي الجواهري من خلال وضع صورة الجواهري على الصفحة الرئيسية بجانب علامة الموقع.
  • كتب قصيدة (طراطرا) عام 1946 وكان يرددها رئيس الوزراء في زمن الملكية نوري السعيد دائماً على وزرائه كلما أراد أن يلومهم.
  • أطلق عليه اسم “شاعر العرب الأكبر” أثناء مهرجان ابو العلاء المعري الذي أقيم في سوريا عام 1944 وصفّق له الأديب المصري طه حسين وقوفاً
  • تم منح الجواهري وسام “الاستقلال” خلال اقامته في سورية، ويعتبر أعلى وسام وطني في الدولة السورية.
  • ألقى قصيدته (فداء لمثواك) يوم العاشر من محرّم عام 1947 في صحن الإمام الحسين (ع) …  يقال أنها حالياً مكتوبة بماء الذهب على مرقد الحسين في كربلاء

 

تكريم وتخليد لذكرى الجواهري

  • اول الجهود الحثيثة الواجب الاشارة اليها لقيمتها العالية لتخليد ذكرى شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري ماقامت به مجموعة من الادباء والمثقفين عن طريق تأسيس (مركز الجواهري في براغ) في العام 2002، ويحتوي الموقع الالكتروني الخاص بالمركز على معلومات رائعة عن الشاعر الكبير تتنوع من التوثيق، ومنبر لكتاب مختلفين وصور وملفات صوتية ومرئية مختلفة.
  • في العراق وفي يوم السبت المصادف 12 اذار / مارس 2016 اعلنت بلدية بعقوبة عن افتتاح تمثال للجواهري في شارع الثقافة وسط المدينة بحضور عدد من الادباء والمثقفين.  قام بتصميم التمثال الفنان التشكيلي مجيد الصباغ الذي اخذ منه شهر من العمل الدؤوب. يعتبر هذا النصب الاول في تاريخ المدينة منذ حوالي 20 عاما وهو حسب القائمين عليه الاول من سلسلة تماثيل ونصب تخلد ذكرى شعراء وفنانين من تاريخ الادب العراقي.
  • وبتاريخ 19 كانون الاول / ديسمبر 2014 افتتح رئيس جامعة القادسية الاستاذ الدكتور احسان القرشي وعدد من الاكاديميين وعمداء الكليات تمثال بالحجم الطبيعي للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.
  • اما في بغداد وفي يوم السبت المصادف 15 تشرين الاول / اكتوبر 2016 ووسط حضور كبير من مختلف الطبقات الادبية والثقافية والسياسية اقام الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق حفلا لازالة الستار عن نصب لشاعر العرب الاكبر امام مبنى الاتحاد، وهو تمثال مصنوع من مادة البرونز يبلغ ارتفاعه 3.5 متر. النصب من تصميم وتنفيذ النحات خليل خميس.
  • اخر النشاطات التي بذل الكثيرين الجهد الكبير لتحقيقه جاءت نتيجته عندما اعلنت امانة بغداد وفي 10 ايار / مايو  من هذا العام، 2018, بالمباشرة بتحويل منزل الجواهري الذي يقع في منطقة القادسية الى متحف ومركز ثقافي واسمته (بيت الجواهري)، بعد حملة قامت بها عائلة الشاعر الكبير لسنين ناشدوا فيها الحكومة والمسؤولين لكي يكون المنزل معلما ثقافيا مفتوحا للزوار والاجيال القادمة ومحبي هذا العلم من اعلام العراق الشامخة.

 

مصادر المقالة والصور

ويكيبيديا

اعمال محمد مهدي الجواهري – الموسوعة العالمية للشعر العربي

المعرفة

الحكواتي

الصباح الجديد

العقيد “عدنان المالكي”.. الشهيد الحي … أول ضابط يرفع العلم السوري بعد الاستقلال “سلسلة تاريخنا”

موقع قناة عشتار

موقع جامعة القادسية

موقع قناة السومرية

عنكاوا دوت كوم

عراق برس

مركز الجواهري في براغ

الموسوعة العالمية للشعر العربي (موقع يحوي مجموعة هائلة من أعمال الشعراء العرب ومنهم الجواهري)

المجلة

مجلة الرأي

شجون عربية

جريدة إيلاف الالكترونية

اترك رد