قصة جون ماكين مع العراق

بقلم وترجمة أحمد طاهر

صباح أمس في واشنطن تم تشييع رسمي للسناتور الامريكي جون ماكين والذي توفي الاسبوع الماضي بعد صراع مع سرطان الدماغ. أتابع الخبر منذ الأسبوع الماضي على القنوات التلفزيونية والمواقع وصفحات التواصل الأجتماعي العربية التي أعلنت خبر وفاة جون ماكين، وتشيد به كرجل سياسي ذي مكانة وحنكة ، وقبل ذلك بطل حرب في فيتنام!

لو أن الأمر يتعلق بشخصية تاريخية من الزمن الغابر لما كنا في شك أو استغراب من تغطية وسائل الأعلام تلك، لكن الرجل كان عضواً في الكونغرس الأمريكي من عام 1983 وحتى وفاته وكان مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية للعامين 2000 و 2008  وجميعنا نعرف مواقفه بشأن القضايا المختلفة في العالم العربي، والعراق على وجه الخصوص وشاهدنا تصريحاته على شاشات التلفزيون وقرأنا عن سياساته التي أقل مانستطيع وصف صاحبها أنه رجل سيء السمعة سياسياً.

ولتعزيز تلك المواقف والوقفات والسياسات التي اشتهر بها جون ماكين ولخدمة أولئك من يملكون ذاكرة قصيرة ، بما في ذلك أولئك الذين يعملون في وسائل الإعلام ، أنشر لكم ترجمة مقال كتبه ألكساندر لين بعنوان “قصة ماكين مع العراق: اللهفة الى الهجوم” نشره موقع  politifact   بتاريخ 21 آب/ أغسطس. 2018 وفيه يبين جون ماكين نيته للعراق بعد أيام قليلة من هجمات 11 ايلول/ سبتمبر 2001

ليس الغرض من هذا الموضوع التشهير وانما للتذكير، ولكن الأهم هو تعلم الدرس وخاصة في المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق وبالتحديد فيما يخص تشكيل الحكومة وما نسمعه ونقرأه من ضغوطات تمارس من الدول ومن ضمنها الولايات المتحدة على الاحزاب والسياسين العراقيين لتحقيق مصالح تلك الدول…نعم, مصالح تلك الدول فقط …لاغير.

وفيما يلي نص ترجمة المقال:

“تحول السناتور جون ماكين بنظره الى العراق ايام معدودة فقط بعد هجمات 9/11،.و اصبح من اوائل الداعمين الى غزو واحتلال العراق”

 باراك اوباما، في يوم الثلاثاء المصادف 19 اب / اغسطس 2008، في مدينة اورلاندو 

انتقد السناتور باراك أوباما الذي كان يتحدث إلى قدامى المحاربين خصمه السناتور الامريكي جون ماكين بسبب ضعف تقديراته العسكرية ، زاعما أن ماكين قد حول الهدف إلى العراق مباشرة فور وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001.

“كان السيناتور ماكين يحول بنظره إلى العراق بعد أيام من أحداث 11 سبتمبر ، وأصبح مؤيدًا رئيسيًا لغزو واحتلال بلد لم يكن له أي علاقة على الإطلاق بتلك الهجمات ، وان بالرغم من بشاعة شخص كصدام حسين فانه لم يشكل اي خطر محتمل للشعب الامريكي.” قال باراك اوباما بتاريخ 19 اب / اغسطس 2008 ” هناك جهتين يمكن اعتبارهم الاكثر استفادة من مثل هذا التوجه، الاول قادة تنظيم القاعدة، الذين لم يعودوا يواجهون نفس الضغط الامريكي السابق نتيجة التركيز على نشاطاتهم. الثاني هو ايران، التي طورت بشكل متسارع من برنامجها النووي، دعمها للمجموعات الارهابية، وازدياد نفوذها في العراق والمنطقة”

لنضع تحليلات أوباما فيما يخص عواقب الحرب جانبا ، ولنقوم بمراجعة سجل جون ماكين فيما يخص رؤيته عن العراق لمعرفة ما إذا كان  هذا الوصف دقيق في الفترة التي اعقبت 11 ايلول / سبتمبر والفترة التي تلتها من استعدادات للحرب.

باعتباره محاربًا عسكريًا وعضواً في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ ، كان لجون ماكين دوراً بارزًا في أواخر عام 2001 في تحشيد الرأي العام حول كيفية رد الدولة على الهجمات، مستفيدا من الاصوات التي علت في تلك الفترة.

في تاريخ 12 ايلول / سبتمبر 2001 ظهر ماكين على برنامج Hardball ومقدمه كريس ماثيوس الذي سأله اذا كان الرد المناسب سيكون “على شكل قانوني ام عسكري”.

“اعتقد انه سيكون بكلا الاتجاهين” رد ماكين “كما اسلفنا في الماضي فان لاي دولة حق الدفاع عن نفسها اولا. الامر الثاني هو ان هذه التنظيمات لايمكن ان تنتشر وتتوسع لحالها لولا المساعدة ويد العون وتوفير الملجأ من قبل تلك الدول.  ونحن لانعني فقط افغانستان – نحن نتكلم عن سوريا، العراق، ايران، ومن الممكن ايضا كوريا الشمالية، ليبيا ودول اخرى. ”

مثل هذه الاشارات لاتعني العراق بالتحديد لكن بتاريخ 18 تشرين الاول / اكتوبر 2001 كان جون ماكين ضيفا في برنامج The Late Show with David Letterman، في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تعيش ازمة  الرسائل الملوثة بجرثومة الجمرة الخبيثة وفي الوقت نفسه في المراحل الاولى لبدأ الحملة في افغانستان. وفي وسط كل هذا خرج جون مكاين بتصريح يشير فيه و بشكل منفرد الى اتهام العراق.

جاء الاتهام الى العراق بعد ان كان ماكين يشرح رؤيته حول افغانستان “اعتقد اننا سنكون بخير. المرحلة الثانية – اذا كان ذلك ممكن تحقيقه – المرحلة الثانية للحملة هو العراق.  هناك بعض المؤشرات، لكني لااملك الاستنتاجات، لكن من الممكن ان كميات من جرثومة الجمرة الخبيثة – واود ان اؤكد ان هذه احتمالية – قد جاء من العراق.

في كانون الثاني / يناير 2002 وفي اثناء جولة على متن حاملة للطائرات في البحر العربي، صاح جون ماكين بحماسة امام الجنود والمراتب: “الوجهة القادمة: بغداد”.

اكد نواياه بشكل اقوى في خطاب القاه في مؤتمر سياسة الامن الخاص بحلف الشمال الاطلسي NATO في ميونخ، المانيا، بتاريخ 2 شباط / فبراير 2002.

“وجود معسكرات لتدريب الارهابيين في العراق هي حقيقة ثابتة، ولايخفى على الجميع ان المسؤولين العراقيين لديهم طرق مختلفة للاتصال والتواصل مع تنظيم القاعدة”. واضاف “الامريكان نجحوا في تحديد الجبهة الاولى للحرب الكونية على الارهاب وهي افغانستان. الجبهة التالية واضحة ايضا، ويجب علينا ان لانقلل من اهميتها ووضع اليد لتعريفها بشكل اكبر. هناك ارهابي يسكن في بغداد، وفي يده موارد دولة باكملها، تتدفق النقود اليه بغزارة من عائدات النفط غير المشروعة ويفتخر بسجل يمتد لعقد من الزمن في تحدي مطالب المجتمع الدولي التي يطرحها على برامجه لتطوير أسلحة الدمار الشامل “.

وجب التنويه في هذا المقال ان جون مكاين وفي اكثر من مناسبة اقترح بدائل اخرى عن الغزو الشامل واحتلال العراق كوسيلة لنزع سلاح صدام حسين، مثال ذلك ظهوره في برنامج Meet the Press في تاريخ 14 تموز / يوليو 2002:

“لقد كنت على قناعة دائمة بالمعارضة من الداخل – تسليح، تدريب، تجهيز وتقديم يد المساعدة لقوى المعارضة في الداخل، الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب” هكذا قال ماكين في لقاءه مع الاعلامي تيم راسرت. ويضيف “على الاقل يمكننا المحاولة قبل ان نعرض اي امريكي للاذى وارساله الى العراق”

لكن بعد يومين وعلى برنامج Face the Nation  كان ماكين واضحا من ان لو تطلب الوضع الدخول الى حرب طاحنة لازاحة صدام حسين فانه على اهبة الاستعداد لذلك.

“نحتاج الى ان يتغير النظام في العراق”، هكذا قال “سيكون شئ جيد اذا تم تحقيق ذلك بشكل لايكلفنا ثمن باهظ، مثال ذلك ارسال قوات خاصة وبعض الاسناد الجوي ودعم المعارضة في الداخل، سواء من الاكراد او الشيعة. لكن علينا الاخذ بنظر الاعتبار اننا يجب اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لاسقاط النظام. يجب علينا ايضا تهيئة الشعب الامريكي لذلك وتحشيده لحقيقة ان صدام حسين لديه تلك الاسلحة ولاشئ ممكن ان يردعه من تطويرها ونقلها الى دول اخرى. ”

ويواصل بقوله “لهذا نحتاج وباستمرار تحشيد الرأي العام و الشعب الامريكي، واسمح لي ان اكون فظا – ان نخيفهم – نخيفهم ونرعبهم بشكل يومي تجاه تلك الحقيقة.

في بدايات العام 2003، ومع النداءات المتزايدة لغزو العراق، كان جون ماكين من اكثر تلك الاصوات العالية.

“لقد اثبتت هجمات الحادي عشر من ايلول /سبتمبر ان تنظيم القاعدة يشكل خطر كبير جدا” هكذا كتب في جريدة USA Today بتاريخ 14 شباط / فبراير 2003. “صدام حسين لديه قدرة هائلة لتحويل العراق الى ترسانة اسلحة جاهزة للاستخدام من قبل الشبكات المختلفة لتنظيم القاعدة.  إن صدام مجرم دولي، ويخطط لارتكاب جرائم أخرى مع شركائه الإرهابيين ويجب تقديمه للعدالة “.

ومن هذا السرد للاحداث نستطيع القول ان مازعم به باراك اوباما صحيح جملة وتفصيلا وان جون ماكين “كان بالفعل يستهدف العراق أيام بعد من أحداث 11 ايلول / سبتمبر” – ومنه أصبح “مؤيدا قويا” للحرب.

الصورة: Doug Mills /The New York Times

اترك رد