بيع التاريخ ومسح التاريخ

بقلم أحمد طاهر.

انتشرت هذه الايام اخبار بيع صالة كريستي للمزاد جدارية تصور الملك اشوربناصربال الثاني بهيئته الالهية واقفا الى جانب مايعتقد الكثير من الباحثين انها شجرة الخلود. تعود القطعة الاثرية الى العام 883 قبل الميلاد. موعد عرض هذه القطعة الاثرية سيكون يوم الاربعاء القادم 31 تشرين الاول / اكتوبر . حجم هذه القطعة هو 223.5 /  195.5سم. وحسب موقع كريستي فان المالكين السابقين لهذه القطعة الاثرية هم:  الباحث والمؤرخ البريطاني اوستن هنري لايارد الذي اكتشفها في العام 1840 اثناء التنقيب في قصر نمرود، الموصل.  ثم في العام 1859 حصل عليها الدكتور هنري باسكل اثناء البعثات التبشيرية في الموصل، وفي نفس السنة (انتقلت ملكيتها) الى معهد فرجينيا للدراسات الدينية في ولاية فرجينيا وبقيت كذلك الى الان.

وفي غياب تحرك حكومي سواء من السفارة العراقية في الولايات المتحدة او من وزارة الخارجية تعالت الاصوات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذه المتاجرة وانتشرت دعوات من اشخاص ومنظمات مختلفة.  هذه احدى النشرات 

تعرض العراق لاكبر حملة نهب وتخريب لتاريخه ابان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 عندما تم سرقة اكثر من 15 الف قطعة اثرية من المتحف العراقي. ومازالت المشاهد المؤلمة لما تركه التخريب الممنهج للمتحف محفورة في ذاكرتنا – نسمع بين الحين والاخر عن ضبط وارجاع جزء من القطع المسروقة حتى ان هناك من يدعي ان الثلث اجمالي ماتم استرجاعه.  ومع ذلك فمنذ ذلك التاريخ والى اليوم نسمع ونقرأ بين فترة واخرى عن ظهور اثار عراقية للبيع في صالات مزاد في لندن ونيويورك او نسمع عن استخدام سماسرة وعملاء في تهريب قطع اثرية الى خارج العراق مثال تلك المخطوطة التي تم تهريبها عبر دهوك وحلب وعمان.  الامر لايتعلق بالعراق فقط وانما هناك دول اخرى تعاني وتحارب عصابات وسماسرة تهريب الاثار مثل مصر واثيوبيا.

كل هذا يجري بالرغم من الاتفاقيات الدولية اولها اتفاقية اليونسكو عام 1970 التي بموجبها حظر استيراد أو تصدير أو نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. تبعتها اتفاقيات اخرى كثيرة مثل اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (يونيدروا) للعام 1995 بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة، واتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه للعام 2001، واتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي للعام 2003، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي للعام 2005 وغيرها.

السؤال هو هل نصت تلك الاتفاقيات على تجريم مثل تلك الممارسات ام انها فقط لتعزيز احترام الارث الحضاري لتاريخ الدول؟

من ضمن السياق نفسه فلايمكن اهمال ممارسات فردية يقوم بها البعض، مثال ذلك حي ماحصل اوائل الصيف الماضي للفنان العراقي عمار الرسام عندما عثر على بعض من لوحاته وقد الحق بها الضرر من شخص يعمل في المكان الذي يتم فيه خزن تلك اللوحات. لايمكن ان نقلل من هول الكارثة وخاصة ان هذا المبدع هو واحد من كثير من الفنانين العراقيين اليوم الذين يصورون ويساهمون في توثيق حاضر البلاد وتاريخه لاجيال قادمة.  الفنان عمار الرسام هو الابرز على الاطلاق في تصوير جرائم داعش بحق العراقيين، فقد رسم عن مذبحة سبايكر، ورسم عن مأساة سبي النساء الايزيديات، ورسم شهداء العراق ممن قاتلوا وطردوا داعش بكافة اطيافهم ومكوناتهم، رسمهم على شكل ملائكة ترتقي ارواحهم الطاهرة الى السماء، ورسم غيرها الكثير .

بكل حال من الاحوال، سواء كانت تلك الممارسات والمحاولات فردية او تم تخطيطها مسبقا عبر اجندات دولية، فان جميعها بدون استثناء تشارك في الوصول الى هدف واحد:تخريب ومحاولات لمحو تاريخ البلاد ، شأنها شأن ممارسات الارهابي والمتطرف ومن معه هوس في توسيع امبراطوريته، والامثلة كثيرة نذكر منها:

– عصابة داعش وتدميرهم منارة الحدباء وجامع النوري، والحضر ومعبد نمرود في الموصل

– تدمير معبد مدينة تدمر في سوريا من قبل داعش ايضا

– تفخيخ وتفجير تمثال بوذا المصنوع من الحجر قبل 1700 سنة في افغانستان من قبل طالبان في العام 2001؛

– تدمير 25 متحف بالكامل في بولندا من قبل النازيين قبيل الحرب العالمية الثانية؛

– حرق اثمن مكتبة في تاريخ سيريلانكا اثناء الحرب الاهلية هناك؛

– يوليوس قيصر يحرق مكتبة الاسكندرية بالكامل في العام 48 قبل الميلاد.

نتوقف ونطرح عدد من الاسئلة: كيف يمكن ولماذا يمثل تاريخ بلد وحضارته تهديد لدولة او كيان اخر؟  والى هذه الدرجة يتم الاستهتار والاستخفاف بارث بلد حضاري لمنفعة مادية بحتة؟

المصيبة ان اجوبتها موجودة والفاعلين معروفين.

لكن الاسئلة الاهم هي: هل مثل هذه المحاولات ستنجح في محو التاريخ الفعلي لحضارة بلد ما وكتابة واقع جديد اليوم ليكون بعد الاف السنين ذلك التاريخ المسلم به لمن يقرأه؟ السؤال الاخر الاهم هو ماذا يجب ان نفعله كاشخاص ومنظمات وحكومات من اجل الحفاظ على تاريخنا؟ ليس فقط الحفاظ وانما ادامته، ان يبقى نقي من شوائب الحاضر الاجتماعية والسياسية والاثنية؟

ماهو واجبنا كبشر قبل ان نحمل معنا مفهوم المواطنة والولاء لبلد؟

 

الصورة: bahri altay/iStock/Thinkstock

 

اترك رد