من اعلام بلادي – شاكر خصباك

 بقلم أحمد طاهر

توفي الاحد الماضي المصادف 25 تشرين الثاني / نوفمبر احد اعلام العراق الكبار، الاستاذ الدكتور شاكر خصبباك عن عمر يناهز 88 سنة.  هو احد النوابغ في تاريخ العراق المعاصر. تعدد القابه ليس جزافا فانجازاته وعلمه ومسيرته الطويلة المشرفة ل60 عاما جعلته جديرا بكل لقب اطلق عليه.  هو الكاتب في الرواية المسرحية وهو القاص والمترجم وكاتب المقالات والمذكرات، وفوق كل هذا فهو العالم و الاكاديمي الفذ في علم الجغرافيا.

ولد شاكر خصباك في مدينة الحلَة، محافظة بابل في العام 1930 من عائلة ميسورة الحال. منذ طفولته كان لديه حب المطالعة بشكل كبير وخاصة بعد افتتاح مكتبة الحلة العامة التي كان يتردد عليها بشكل مستمر ويومي منذ ان كان في المرحلة الرابعة ابتدائي يقرأ لادباء العرب واعمالهم.

المجلات ايضا ودوام قراءتها ايضا كان لها تأثير على موهبة هذا الشاب واولها تلك المجلة التي كان يصدرها الزيّات مع مجلة الرسالة في أواخر الأربعينيات، وبعد ان تعلم اللغة الانكليزية بدأ بقراءة ومتابعة الادب العالمي.

كانت البدايات في الشعر تأثرا بخاله الملقب بشاعر ثورة العشرين وهو الشاعر محمد مهدي البصير، لكنها لم تكن تجربة ناجحة وتحول الى كتابة القصة والرواية وهو في السنة الخامسة من المرحلة الابتدائية. كان شقيقه الاكبر ومعلمه في المدرسة يشجعوه دائما على الكتابة ويزودوه بالمصادر من مجلات وكتب وعندما وصل الى المرحلة الثانوية اصبح له اسم وصيت ككاتب وناقد له اسمه،  مثال ذلك (حديث عن الفن) و (مكانة المرأة في بلادنا) و (كليوباترا في خان الخليلي). كذلك نشر مقالات نقدية على مجلة «الرسالة» عن محمود تيمور، ومجلة «البطحاء» عام 1946 التي نشرت مقالاته النقدية عن نجيب محفوظ – الذي ربطته معهما (وغيرهم) صلات متينة وعلاقات صداقة فيما بعد.

اكمل دراسته الابتدائية والثانوية في العام 1947.  ولانه كان من المتفوقين على اقرانه حاز على بعثة الى خارج العراق والتحق بجامعة القاهرة (جامعة الملك فؤاد الأول سابقا) في ايلول / سبتمبر 1948. حصل على شهادة البكلوريوس في العام 1951 اختصاص الجغرافيا.

في اثناء دراسته في القاهرة ,  وكان عمره 18 سنة صدرت له اول مجموعة قصص قصيرة في كتابه تحت عنوان (صراع) واصدر كتابه الثاني (عهد جديد) وكان عمره 21 سنة، كان ذلك في العام 1951.

عاد الى العراق وقد ذاع صيته ككاتب وناقد اشتهر من خلال مقالاته التي نشرها في المجلات اللبنانية والمصرية وواصل الكتابة والنشر في الصحف العراقية قبل ان يضطر الى ترك العراق للمرة الاولى مكرها في العام 1954 الى لندن بسبب عمليات الاعتقال التي كانت تطال المحررين والكتاب اليساريين انذاك.

في بريطانيا اكمل شاكر الدراسات العليا وحصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا البشرية عام 1958 بعدها عاد الى العراق ليخدم وطنه في تخريج اجيال من الطلبة كاكاديمي واستاذ لمادة الجغرافيا في كلية الاداب، جامعة بغداد خلال الستينات وعضوا في اللجنة المركزية لاتحاد الأدباء العراقيين (شأنه شأن عمالقة الادب العراقيين امثال العملاق محمد مهدي الجواهري) لكنه واصل الكتابة وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان (حياة قاسية) تم نشرها في العام 1959، وكذلك كتب اولى رواياته المسرحية (بيت الزوجية). وفي هذه المرحلة من حياته ايضاً لمع أسمه اكثر وبشكل اكبر من خلال نشره لمجموعة من اغنى المصادر والبحوث في علم الجغرافيا، ولسنين قادمة.

في العام 1962 تم تعيينه نائبا لعميد كلية الاداب الى ان حصل انقلاب عام 1963 والذي على اثره تم عزله عن منصبه وسجنه لمدة ستة اشهر بتهمة الانضمام الى التنظيمات الشيوعية.  بعد خروجه من السجن اتصل به رئيس جامعة الرياض الدكتور عبد العزيز الخويطر، وهو صديق من ايام الدراسة في لندن وعرض عليه العمل في جامعة الرياض. بين العام 1964 و العام 1968 عمل شاكر خصباك في السعودية وكتب روايتين، الاولى (الشئ) والثانية هي رواية (الحقد الاسود) – التي تغير اسمها فيما بعد الى (السؤال).  الروايتين تناولتا التعذيب في السجون.

عاد شاكر خصباك الى العراق في العام 1969 (وبعد انقلاب تموز السنة التي سبقتها)، وعاد الى التدريس في الجامعة مرة اخرى, نال درجة الاستاذية في العام 1974,  لكن اضطر الى ترك العراق مرة أخرى  والاسقرار في مدينة صنعاء في اليمن ل25 سنة. هناك عمل استاذا في جامعة صنعاء  ثم تعيينه رئيس قسم الجغرافيا في نفس الجامعة.

في العام 2016 سافر الى الولايات المتحدة الامريكية وبقي هناك الى ان وافاته المنية بتاريخ 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.

تكريم

  • تم اضافة اسم شاكر خصباك في قاموس سير الحياة العالمي الصادر من جامعة كامبردج العام 2000 كاحد علماء الجغرافية المعاصرين الذين أغنوا هذا العلم بمؤلفاتهم وترجماتهم.
  • تم اختياره من قبل المؤسسة الأمريكية لسير الحياة كواحد من المع مثقفي العالم للعام 2004 لتميزه في حقول الأدب والجغرافية والتعليم
  • معجم ريها سمنتو الدولي في دلهي الصادر في العام 2006 اضاف ايضا اسم شاكر خصباك للاسباب نفسها.
  • في 10 حزيران / يونيو 2008 وعلى قاعة مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء اقيم حفل تكريم للاستاذ الدكتور شاكر خصباك تحت عنوان ( مضامين تراثية ونقدية عن المنجز العلمي والأدبي للدكتور والأديب العراقي شاكر خصباك ) وذلك لانجازاته العلمية وايضا بمناسبة صدور مؤلفاته الأدبية في ثمانية مجلدات .

مؤلفاته

كتب شاكر خصباك 35 عملا ادبيا منها 15 رواية.

تميزت كتاباته بكثير من الخصائص التي ينفرد بها وابدع بها باسلوبه اولها حرصه على التركيز في تفاصيل الرواية او القصة بشكل مكثف.  حرص ايضا ان تكون رواياته لاتزيد عن 80 او 100 صفحة لانه يدرك ان القارئ اليوم يختلف عن قراء الامس.  كذلك فقد ابتعد في رواياته عن اسلوب “اغراء القارئ” حتى لو كان الموضوع يتعلق برواية يتداخل فيها الجنس وهذا ماابدع فيه من خلال روايته (الخاطئة) وهي رواية يتحدث فيها عن مومس ودار بغاء.  يقول شاكر خصباك عن هذه الرواية “رواية راقية وبإمكانك أن تعطيها لأي فتاة لتقرأها دون أن تجرح عواطفها”.

اما المسرح فلاتقل كتاباته ابداعا وجمالا وروعة. بدأ بالتأثر بالروايات المسرحية خلال ايام دراسته في لندن ومن قراءته للادب الإنكليزي والأمريكي والإيطالي الى ان تولع بالمسرح وكل جوانبه وبعد رجوعه الى العراق نشر اول رواياته المسرحية (بيت الزوجية) .

تميزت اعماله في مجال المسرح كونها موجهة لقارئ الروايات المسرحية وليست للمخرج.  نذكر من اعماله المتألقة مسرحية القهقهة، الدردشة، هو وهي، الشيء، في انتظار جودو، بيت الزوجية، والدكتاتور.

لاخذ فكرة موسعة عن ذلك فبالامكان قراءة المقالة التي كتبها كريم چثير على موقع الحوار المتمدن، حيث نشر دراسة تحليلية جميلة ودقيقة عن شاكر خصباك ككاتب مسرحي مع شرح موجز لمسرحياته ومقارنة تحليلية بينه وبين عظماء كتاب المسرح.

الرابط لهذا المقالة هنا

لم ينتمي شاكر خصباك الى اي حزب سياسي لكنه منذ الطفولة كانت ميوله يسارية. رفض الاستبداد والظلم ونادى بمحاربة الفقر.  عُرف بموقفه الرافض للطائفية والاثنية والتفاوت الاجتماعي بين ابناء الشعب الواحد، وكان ذلك واضحا جليا من خلال كتاباته في مجال القصة الروائية او المسرح او في المقالات التي نشرت على الجرائد والنشرات المحلية واهمها (اوراق رئيس) و (الديكتاتور) .  نذكر ايضاً  كتابه عن الكرد والمسألة الكردية التي دافع فيه عن حقوق الكرد في الحصول على حكم ذاتي ولكنه من ضمن البلد الواحد – يقال ان الرئيس العراقي السابق جلال الطلباني طلب حضوره وتكريمه على هذا الاساس,  وقام خصباك بتوزيع تلك المكرمة على الفقراء..

يعتبر شاكر خصباك اول عراقي يكتب عن السجون والمعتقلات في العراق عام 1966، ولهذا يعتبره البعض رائد ادب السجون.

اما في مجال الجغرافيا فقد توسع خصباك في البحث وتقديم هذا العلم الى درجة تجاوزت المعروف عنه في الدراسة الاكاديمية والبحثية. نذكر منها الجغرافيا عند العرب، و أصول الجغرافية البشرية. يكتب نجاح مهدي كبة مقال خصص النصف الثاني منه على كتاب (كتابات مضيئة في التراث الجغرافي العربي). الرابط هنا

واخيرا في مجال الترجمة فقد ترجم شاكر خصباك 14 عملا وهو اول كاتب عراقي يترجم لانطون تشيخوف الى اللغة العربية في العام 1954 – هو ثاني كاتب عربي يترجم اعمال هذا الاديب الكبير بعد ترجمة نجاتي صدقي عام 1947.

رحم الله النابغة الاستاذ الدكتور الاديب شاكر خصباك واسكنه فسيح جناته.  هو مثال اخر لاناس اناروا بعلمهم ومعرفتهم سماء مهد الحضارات والعالم.

********************************

تصميم صورة الموضوع الرئيسية:  أحمد طاهر.

اترك رد