المسيح بعد الصلب

نشر السياب هذه القصيدة في عام 1957. تقول الناقدة فاطمة فائزي في تحليل طويل للقصيدة أن السياب في هذه القصيدة يستعير ثلاثة من ملامح المسيح في الموروث المسيحي ، هي الصلب والفداء والحياة من خلال الموت، ليصوّر من خلالها مدى معاناته و العذاب الذي تحمله في سبيل بعث أمّته، و كيف أثمرت هذه التضحية فإنبعثت أمته مناضلة تسلك الطريق الذي سلكه، طريق النضال والتضحيات و الفداء، و قد إتّحدت شخصية الشاعر بشخصية المسيح إتحاداً تاماً.

[/arabic-font] 

بعدما أنزلوني سمعت الرياح

في نواح طويل تسف النخيل

و الخطى و هي تنأى إذن فالجراح

و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل

لم تمتني و أنصتّ كان العويل

يعبر السهل بيني و بين المدينة

مثل حبل يشدّ السفينة

و هي تهوي إلى القاع كان النواح

مثل خيط من النور بين الصباح

و الدجى في سماء الشتاء الحزينة

ثم تغفو على ما تحسّ المدينة

حينما يزهر التوت و البرتقال

حيت تمتدّ جيكور حتى حدود الخيال

حين تخضرّ عشبا يغنّي شذاها

و الشموس التي أرضعتها سناها

حين يخضرّ حتى دجاها

يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها

قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا

قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا و ماء نميرا

قلبي الماء قلبي هو السنبل

موته البعث يحيا بمن يأكل

في العجين الذي يستدير

ويدحى كنهد صغير كثدي الحياة

متّ بالنار أحرقت ظلماء طيني فظلّ الإله

كنت بدءا و في البدء كان الفقير

متّ كي يؤكل الخبز باسمي لكني يزرعوني مع الموسم

كم حياة سأحيا ففي كل حفرة

صرت مستقبلا صرت بذرة

ذرت جيلا من الناس في كل قلب دمي

قطرة منه أو بعض قطرة

هكذا عدت فاصفرّ لما رآني يهوذا

فقد كنت سره

كأن ظلا قد اسود مني و تمثال فكرة

جمّدت فيه و استلّت الروح منها

خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه

عيناه صخرة

راح فيها يواري عن الناس قبره

خاف من دفئها من محال عليه فخبّر عنها

أنت أم ذاك ظلي قد أبيضّ وارفضّ نورا

أنت من عالم الموت تسعى هو الموت مرّه

هكذا قال آباؤنا هكذا علمونا فهل كان زورا

ذاك ما ظنّ لما رآني و قالته نظرة

قدم تعدو قدم قدم

القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم

أترى جاءوا من غيرهم

قدم قدم قدم

ألقيت الصخر على صدري

أو ما صلبوني أمس فها أنا في قبري

فليأتوا إني في قبري

من يدري أني من يدري

ورفاق يهوذا من سيصدق ما زعموا

قدم قدم

ها أنا الآن عريان في قبري المظلم

كنت بالأمس ألتف كالظن كالبرعم

تحت أكفاني الثلج يخضل زهر الدم

كنت كالظل بين الدجى و النهار

ثم فجرت نفسي كنوزا فعرّيتها كالثمار

حين فصلت جيبي قماطا و كمّي دثار

حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار

حين عريت جرحي و ضمدت حرجا سواه

حطم السور بيني و بين الإله

فاجأ الجند حتى جراحي و دقات قلبي

فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبرة

فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمرة

سرب جوعى من الطير في قرية مقفرة

أعين البندقيات يأكلن دربي

شرع تحلم النار فيها بصلبي

إن تكن من حديد و نار فأحداق شعبي

من ضياء السماوات من ذكريات و حب ّ

تحمل العبء عني فيندى صليبي فما أصغره

ذلك الموت موتي و ما أكبره

بعد أن سمّروني و ألقيت عينيّ نحو المدينة

كدت لا أعرف السهل و السور و المقبرة

كان شيء مدى ما ترى العين

كالغابة المزهرة

كان في كلّ مرمى صليب و أم حزينة

قدس الربّ

هذا مخاض المدينة

 

اترك رد