نساء في حياة السياب

بقلم أحمد طاهر.

تتناثر القصص وتضيع بين الحقيقة والخيال عند البحث عن المرأة في حياة السياب.  فمنها نسمع ونقرأ عن وفيقة، الحب الاول عندما كان هو في العاشرة من العمر وهي تكبره بست او سبع سنوات. البنت التي كان يمر يوميا من امام بيت اهلها في قريته جيكور بابو الخصيب. كتب فيها شعرا منه نذكر

وفيقة

لم تزل تثقل جيكور رؤاها

آه لو روّى نخيلات الحديقة

من بويب كركرات لو سقاها

منه ماء المد في صبح الخريف

لم تزل ترقب بابا عند أطراف الحديقة

ترهف السمع إلى كل حفيف

ويحها ترجو و لا ترجو و تبكيها مناها

لو أتاها

وتتواصل القصص عن وفيقة… البعض ليخبرنا كيف انه اخرجها من القبر بعد موتها المفاجئ… وهناك من يذكر كيف ان جد بدر شاكر السياب علم بهوى حفيده وطلب من والد وفيقة ان يزوجها من شخص اخر.

ولكن اخرين يجزمون ان وفيقة لم تكن الا خيال واسم مستعار لامرأة اخرى التقى بها ايام دراسته في المعهد العالي! خصوصا ان الموهبة في كتابة الشعر لم تظهر عند السياب الا وهو في مرحلة الاعدادية.

تكرر الشئ نفسه في الخلط بين الوهم والحقيقة لاكثر من اسم ووصف لامرأة، كما هو الحال مع بنت الچلبي خلف الشناشيل، وقوله:

ثلاثون انقضت، وكبرت كم حب وكم وجد

توهج في فؤادي!

غير اني كلما صفقت يدا الرعد

مددت الطرف ارقب: ربما ائتلق الشناشيل

فابصرت ابنة الجلبي مقبلة الى وعدي

ولم ارها. هوائي كل اشواقي، اباطيل

ونبت دونما ثمر ولاورد!

رسم السياب صورة المرأة بعقله ووجدانه ومن الممكن انه لم يجدها في واقعه – او وجدها لكن بعد  فوات الاوان، لذلك نقرأ الغضب والاحباط في بعض ابيات قصائده.  كان السياب في بحث متواصل عسى ان يجد تلك المرأة، ولكن هل وجدها؟ هل كانت ذات الصوت العذب والابتسامة الساحرة من كان يبحث عنها؟ ام هي صاحبة العيون الخضر الخلابة وغمزات الخدود الجذابة ماجعلته يسهر الليالي شوقا؟ هل المرأة التي كان يبحث عنها السياب هي ان تحمل من الحنان والحب مايفتقد اليه بعد امه وجدته؟ هل وجد تلك المرأة في اشباع شهوته مع بنات الهوى التي كان يتردد عليهن في منطقة الميدان؟ ام هي التي كانت ممن تحب الجلوس معه والاستماع اليه وهو يلقي قصائده امام الملأ؟

ام ان جميعهن يشكلن خلقا جديدا للمرأة التي في خيال السياب وملهمته؟

تركت فشل تجارب بدر شاكر السياب مع المرأة الاثر العميق فيه. حب من طرف واحد، رفض وارتباط بشخص اخر، الشعور بالعجز بسبب الفقر او الوسامة وغيرها. وانعكست تلك التجارب بحلوها وغالبا في مرها من خلال القصائد التي كتبها طبعا.  لم يكن بدر شاكر السياب يثق بالمرأة حيث كان شكوكا جدا، وحتى ان بعضهم يصف ذلك الشعور بكراهية شديدة لما فعلته المرأة في نفس ذلك الرجل.

تزوج السياب في 19 حزيران / يونيو 1956 من قريبته اقبال، السيدة التي كانت بعيدة كل البعد عن الشعر والادب العربي، كانت زوجة شديدة الغيرة، لكنها الوفية الواقفة على الدوام الى جانب زوجها واخرها وقوفها الى جانبه في محنته مع المرض.  يقول السياب في قصيدة ( ليلة انتظار ) عنها :

غدا تاتين يا اقبال ، يا بعثي من العدم
ويا موتي ولا موت
ويا مرسى سفينتي التي عادت و لا لوح على لوح
ويا قلبي الذي ان مت اتركه على الدنيا ليبكيني

يقال ان السياب احب سبع نساء وكتب فيهن احلى الابيات، كما يشير هو بنفسه الى ذلك

عشقت سبعا كن احيانا
اغوص في بحر من الاوهام والوجد
واجلسهن في شرف الخيال

فمن هذه السيدات في حياة بدر شاكر السياب؟

لبيبة القيسي، يقال انها كانت عشقه الاول الفعلي. سمّاها “لبلاب” وكانت تكبره بسبع سنوات وظل يحبها بالرغم من معرفته المسبقة ان مصير هذا العشق هو الفشل.  كتب فيها العديد من القصائد ومنها

وهل انسى ( لباب ) اذا تناءت

وكل الناس يذكرني ( لبابا )
ثم يصف نفسه مبكرا من خلال لبيبة :
ومجنون يهيم بالف ليلى
فلا وصل ينال و لا اقترابا لالالالا

الحب الثاني كان الطالبة الجديدة في كلية الحقوق لمعان البكري، والتي تعرف عليها خلال سفرة لدار المعلمين العالية دعيت اليها وبعدها قام بالتردد الى كلية الحقوق للقائها ومشاركتها فيما يكتب من القصائد.  كانت ملهمته حيث يشير كثيرين انها المعنية في مطلع قصيدته الاكثر شهرة “انشودة المطر”.

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ.

عيناكِ حين تَبسمانِ تورقُ الكروم.

وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهناً ساعة السَّحَرْ

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…

تركته لمعان وتركت الدراسة لتتزوج (ثم عادت الى الدراسة بعد ان رزقت بطفل)، وكان اثر ذلك كبير جدا وكارثي على الشاعر الملهم.  قال فيها

وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب/ عافتني إلى قصر وسيارة

– الحب الثاني (وهو محل جدل) هي زميلته في دار المعلمين العالية لميعة عباس عمارة، الزميلة والصديقة والملهمة والحبيبة والمواسية. كانت هي طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وهو طالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية. توطدت صداقتهم وقربهم بعد انقطاع علاقته بلمعان البكري. وكانت هي من تعلم بجميع النساء ممن عشقهن السياب في حياته.

كتب فيها احلى الاشعار مثل (نشيد اللقاء) و (نهاية).

هي (وفيقة) التي كتب فيها الشعر واستخدم هذا الاسم المستعار في حينها بسبب شدة غيرة زوجته عليه.

باختصار كانت لميعة عباس عمارة بالنسبة للسياب متمثلة في هذا البيت:

شاعرتي التي كانت لي الدنيا ومافيها

تقول لميعة عباس عمارة في مقالها – بدر والمراة: “الغريب ان ملهمة الشاعر لم تسمع بحبه وشعره لها الا بعد سنوات طويلة من تخرجها ..”

الحب الثالث كانت ديزي الامير كان لها نصيب من حب السياب لكن في تلك الفترة كان الشاعر الكبير سليمان العيسى من يحبها.

نأتي الان الى ليلى، الممرضة التي كانت بجانبه وهو يتعالج في بيروت.  تلك الشقراء التي بادلته الحب واهدته خصلات من شعرها التي اكتشفتها زوجته ورمتها من الشباك في البحر.  يقول السياب في قصيدة ( رحل النهار ) عن ليلي:

خصلات شعرك لم يصنها سندباد في البحار

شربت اجاج الماء حتى شاب اشقرها وغار
ورسائل الحب الكثار
مبتلة بالماء منغمس بها الق الوعود ..

هناك اسماء اخرى تم ذكرها في اكثر من مصدر، مثل زاهدة الدبوني، سعاد البياتي، وهناك الطالبة التي كان اسمها يطابق اسمه ما جعله يسخر من نفسه قائلاً:

إن اسمها واسمه واحد، لكنها وحدها تستحق ذلك الاسم

 

اترك رد