انشودة المطر – بدر شاكر السياب

 

عسى الله ان يغسل جروح والام العراق والعراقيين وقهرهم بمطر الخير والحرية والرفاه

كتب بدر شاكر السياب انشودة المطر في العام 1962 (بعض المصادر تذكر العام 1960).

القصة تقول ان بدر شاكر السياب كتب هذه القصيدة قبل هذا الوقت بكثير وبالتحديد في الاربعينات من القرن الماضي، وان مطلع القصيدة عن “عينان غابتا نخيل ساعة السحر” كان يقصد بها زميلته في دار المعلمين العالية الشاعرة لميعة عباس عمارة، لكن هناك رأي اخر يقول ان من كان السياب يقصدها هي لمعان البكري، الطالبة في كلية الحقوق.

في مقابلة اجرتها انعام كجة جي عام 2015 في لندن حيث تعيش حاليا قالت لمعان البكري “كنت طالبة في السنة الاولى حين تعرفت على بدر اثناء سفرة نظمها دار المعلمين العالية ودعيت لها.  ومازلت اذكر ان الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض اشعاره، ثم اعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني ان اقرأه.  وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على مافيها ثم اعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شئ. لكن الذي حصل هو انه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني اياه باليد، او يبعثه لي بيد احد الزملاء”.

كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة للسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».

وفي مقابلة مع الشاعرة لميعة عباس عمارة تقول فيها عن القصيدة “لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة.”

وفيما يلي نص واحدة من اجمل القصائد في القرن العشرين:

 

 

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ.

عيناكِ حين تَبسمانِ تورقُ الكروم.

وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهناً ساعة السَّحَرْ

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساءٍْ،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريفْ،

والموت، والميلاد، والظلام، والضياءْ؛

فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاءْ

ونشوةٌ وحشيّةٌ تعانق السماءْ

كنشوة الطفل إذا خاف من القمرْ!

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرة فقطرةً تذوب في المطرْ…

وكركر الأطفالُ في عرائش المكرومْ،

ودغدغت صمت العصافير على الشجرْ

أنشودةُ المطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ

تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثِقالْ.

كأنّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينامْ:

بأنّ أمّه ـ التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها، ثمّ حين لجّ في السؤالْ

قالوا له: (بعد غدٍ تعودْ .. )

لابدّ أن تعودْ

وإنْ تهامس الرفاق أنها هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

تسفّ من ترابها وتشرب المطرْ؛

كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباكْ

ويلعن المياه والقَدَرْ

وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ.

أتعلمين أيَّ حُزنٍ يبعث المطرْ؟

وكيف تنشج المزاريب إذا انهمرْ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياعْ؟

بلا انتهاء ـ كالدَّم المراق، كالجياعْ،

كالحب، كالأطفال، كالموتى ـ هو المطرْ!

ومقلتاكِ بي تطيفان مع المطرْ

وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحارْ،

كأنها تهمّ بالشروقْ

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ.

أصيح بالخليج: (يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!)

فيرجعٍُ الصّدى

كأنه النشيجْ:

(يا خليج

يا واهب المحار والردى .. )

أكاد أسمع العراق يذْخُر الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،

حتى إذا ما فضَّ عنها ختمها لرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ

وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرينْ

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ،

عواصف الخليج، والرعود، منشدينْ:

(مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجَرادْ

وتطحن الشّوان والحجرْ

رحىً تدور في الحقول… حولها بشرْ

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموعْ

ثمّ اعتللنا ـ خوفَ أن نُلامَ ـ بالمطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

ومنذ أنْ كنّا صغاراً، كانت السماءْ

تغيمُ في الشتاءْ

ويهطل المطرْ،

وكلَّ عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعِراق ليس فيه جوعْ.

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

في كل قطرةٍ من المطرْ

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراةْ

وكلّ قطرةٍ تُراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسم جديدْ

أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياةْ!

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

سيُعشبُ العراق بالمطرْ… )

أصيح بالخليج: (يا خليج ..

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!)

فيرجع الصدى

كأنّه النشيج:

(يا خليج

يا واهب المحار والردى.)

وينثر الخليج من هِباته الكثارْ،

على الرمال: رغوه الأُجاجَ، والمحارْ

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريقْ

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لجَّة الخليج والقرارْ،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى.

وأسمع الصدى

يرنّ في الخليجْ

(مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

في كلّ قطرةٍ من المطرْ

حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ.

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديدْ

أو حُلمةٌ تورَّدت على فمِ الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.)

ويهطل المطرْ…

 

 

 

 

اترك رد