العشق المعتق

قصة حقيقة : العشق المعتق

كتابة : نجلاء ابراهيم جبوري

 

كان طفلا لم يتجاوز 4 أعوام عندما وقف بجانب سرير ابنة عمه متاملا الطفلة الحديثة الولادة التي لم يبلغ عمرها سوى بضع ساعات اذ كان ينتظر مقدمها بفارغ الصبر عله يجد من يلعب معه بعد أن منعه والديه من الاختلاط باطفال الجيران خوفا عليه لكونه الابن الوحيد لهم … وقف طويلا يتأمل ابنة عمه محاولا بكل ما يعتريه من فضول اكتشاف هذا الكائن الغض الصغير ، فتارة يلامس يدها وتارة أخرى يقبل جبينها ويطلب من زوجة عمه أن تضعها في حجره ليستطيع اللعب معها…

ظل على هذا المنوال عدة أشهر حتى كبرت قليلا فبدأ يهديها من احب العابه عليه حتى أنه في أحد المرات أهداها مجموعة من الدعابل وكرة قدم مصنوعة من البلاستك … كان يخاف عليها من أي طفل يزوربيت عمه ويتواجد دوما لحمايتها ويمارس عليها سلطته بعدم اللعب مع الأطفال الآخرين واللعب معه فقط أو باشرافه أن اقتضى الأمر…

كبرت ابنة عمه وصارعمرها 6 سنوات وبدأت تفهم نوعا ما اهتمامه بها وخوفه الكبير عليها … كان يقضي العطلة الصيفية في بيت عمه وينام بجانبها ايام الصيف الحار على سطح المنزل ويبقى الليل بطوله ممسكا باصابع يدها بحجة تعليمها العد كونه اكبر منها ومتفوق بدراسته ، فكانا يعدان سوية النجوم ويختار كل منهما للاخر نجمة في السماء ويراقبان افولهما او يراقبان القمر ويتحدثان اليه . كانت ابنة عمه طفلة ذكية ومرحة وجميلة بجدائل سوداء طويلة وتحب المغامرة فقد كانت تتسلل من البيت ظهرا لتركب الدراجة الهوائية معه لان والدها منعها من ركوب الدراجة حفاظا عليها من التعرض للأذى في حالة سقوطها . كانت تجلس أمام ابن عمها بينما هو يطوقها بذراعيه ويقود دراجته الهوائية في الحي الذي كانا يسكنان هما الاثنين فيه فقد كان بيت عمها لا يبعد أكثر من عشرين مترا عن بيت والدها …

كبرت البنت واصبحت في 11 من عمرها فتنبه والدها إلى ضرورة فصلها عن اللعب مع أبن عمها لذلك منع دخوله إلى بيته إلا بوجود والديه وبذلك تكون زيارته لبيت عمه زيارة رسمية وبموعد مسبق … شعر هو بالحزن من قساوة هذا القرار وأثر ذلك على مستواه الدراسي فقد كان متفوقا طيلة مراحله الدراسية حينها قرر والده الذي يعمل طبيبا الانتقال إلى حي سكني اخر للعيش في محاولة منه لإبعاد ولده وأشغاله من خلال زجه بدورات تدريبية رياضية ، فعمد إلى إشراكه في فريق لكرة السلة وقد اجتهد فيه حتى بدأ اللعب في الفريق الوطني وشارك ببطولات خارجية متعددة .

كان يزور بيت عمه بين الحين والآخر ويتبادل النظرات مع ابنة عمه خلسة لئلا يثير انتباه أحد وكان يتبادل الأحاديث العادية دون أن يكلم ابنة عمه على انفراد ليعبرلها عن حبه … استمرالاثنين على هذا الحال حتى تخرج هو من الإعدادية بتفوق والتحق بكلية الطب ولكن في محافظة ثانية بعيدة عن مكان سكناه … وهي الأخرى استمرت بالدراسة وبتفوق لغرض اللحاق به ، غير أن القدر لعب لعبته مع المحبين فقد التحق هو بالعمل السياسي بجهة معادية للحكومة فأصبح مطاردا من السلطات معظم الوقت فبدأ بالتنقل للاختباء من ملاحقيه حتى رقن قيده من الجامعة وعندما سمع ابوه بذلك غضب غضبا شديدا وطرده من بيته عقابا له على ما قام به فذهب إلى بيت خالة أمه التي اوته عندها واعتبرته أحد أبناءها غير أن لهذه المراءة ابنة كبيرة بالسن إذ أنها تكبره ب 18 سنة وقد فاتها قطارالزواج فاقترحت عليه الاقتران بها ليكون تواجده في بيتها شرعيا ومقبولا اجتماعيا.

اضطرته الظروف إلى القبول وتزوج منها … كانت زوجته أمراءة فاضلة ومحترمة تعمل في سلك التعليم وقد ساعدته كثيرا في لمام شتات نفسه بعد الأزمات المتكررة التي أطاحت بحياته غير أن رد فعل عائلته على اقترانه بها كان عنيفا فقد قاطعته العائلة برمتها باستثناء عمه والد حبيبته فقد رفض رفضا قاطعا مقاطعته وكان يستقبله وزوجته بين الحين والاخر في بيته . كانت حبيبته تدعي المرض خلال تلك الزيارات ولا تخرج حتى لإلقاء التحية عليه فلربما كانت تريد أن ترسل رسالة له بغضبها منه على فعلته …. وعندما ازداد عداء العائلة لزوجته قررت الأخيرة أن تبحث عن عمل في بلد مجاور لتستطيع أن تسافر به بعيدا عن كل المشاكل التي تنغص عليهم حياتهم …

انقطعت اخباره تماما لبضع سنين باستثناء أن زوجته كانت تأتي لوحدها لزيارة بيت عمه بين الحين والآخر للسؤال عن أحوالهم وتخبرهم عن عمل زوجها الليلي والتحاقه بالجامعة نهارا لإكمال دراسته الجامعية الى أن انقطعت زيارتها هي الأخرى واختفت كل أخبارهم تماما … مضت ابنة عمه في حياتها الدراسية ونجحت في حياتها العملية ورفضت الاقتران بكل من تقدموا لخطبتها وآثرت الاعتناء باولاد اخوانها وأخواتها على أن تكون لها حياة عائلية خاصة …. لم تحاول في يوم من الأيام أن تبحث عنه رغم أنها سافرت إلى البلد الذي كان يعيش فيه ابن عمها عدة مرات ولفترات زمنية طويلة.

وبعد مرور 25 عاما من انقطاع اخباره وبينما كانت تتصفح الفيس بوك ظهر أمامها صفحة باسم حبيبها ، فلم تتردد لحظة في أن تترك له عدة كلمات بسيطة على الخاص ( انت ابن عمي ؟) وكانت تنتظر الجواب بفارغ الصبر وبعد مرور أقل من 7 ساعات جاء رده باربع كلمات فقط ( اهلا ببنت عمي العزيزة ) عند هذه اللحظة ابتدأت شمس الحياة تشرق عليهما من جديد وتزهر أجمل وأطيب الثمار لكليهما وتعاهدا أن لا يفترقا مرة ثانية ولن يدعا أي عائق يقف أمام سعادتهما. حدثا بعضهما عن ما عانوه الاثنين من الم ولوعة واشتياق خلال فترة فراقهما واخبرها بانه انفصل عن زوجته قبل 8 سنوات ولم يرزق بطفل منها وانه الان انسان حر ويعمل استاذ جامعي في إحدى الجامعات المرموقة ويحضر لدراسة الدكتوراه.

تقدم لخطبتها بعد مرور عام على عثورهما على بعض وقد وافقت هي على الفور وبارك لهما الاهل والاصدقاء وبدأ بالتخطيط لحياتهما القادمة

نعم سيداتي وسادتي … لابد ان يتنصر الحب في النهاية اذا كان حبا حقيقيا ولابد ان يزهر في نهاية المطاف وان جاء موسم الازهار متاخرا ولابد ان يشرب المحبين عسل هذه الازهاريوما ما فقارورة العشق المعتق لا تنضب ابدا .