مصاصي الدماء في بلاد مابين النهرين

من منا لا يعرف قصة “دراكولا”؟ احدى روائع الادب العالمي التي صدرت في العام 1897 والتي تحكي قصة الكونت من مقاطعة ترانسالفانيا (رومانيا) والذي يعتاش على دماء ضحاياه.  تم ترجمة هذا الكتاب الى جميع اللغات تقريبا وتم تحويل القصة ايضا الى عدد كبير من الافلام والمسلسلات التلفزيونية كل منها باحداث جديدة، وشخصيات مختلفة لاضافة عامل التشويق والمغامرة والاثارة.

الى ان ظهر فلم “مقابلة مع مصاص الدماء”. هذا الفلم من انتاج 1994, الذي ابدع باخراجه الايرلندي العبقري نيل جوردون وكان من بطولة مجموعة من ممثلي هوليوود ذوي الوزن الثقيل على رأسهم توم كروز، براد بيت، انتونيو بانديرز، كريستيان سلايتر وغيرهم. الفلم مقتبس من قصة للكاتبة الامريكية آن رايس صدرت في العام 1976، بفترة قصيرة بعد وفاة ابنتها ميشيل، وكان الحادث الاليم بمثابة الدافع والالهام لصنع شخصية كلوديا في القصة التي جسدتها الرائعة كيرستين دانست في الفلم (كان عمرها 10 سنين فقط حينها). نجاح الكتاب دفع آن رايس الى كتابة سلسلة من القصص تحت عنوان “التسلسل الزمني لمصاص الدماء” التي تتناول تاريخ الشخصيات من الكتاب الاول بشكل منفرد واضافة احداث وشخصيات اخرى جديدة منهم من عاش اقدم العصور وعاصر اقدم الحضارات! صدرت قبلها وبعدها كتب اخرى تتناول عنصر الربط نفسه في البحث عن اول مصاص دماء في التاريخ وربط هذا البحث بالحضارات والاديان والمعتقدات والثقافات القديمة باسلوب يحمل المتعة والاثارة لكثير من القراء عن طريق الخلط بين الخيال الخصب للكاتب وبين اساطير والاحاديث الفلكلورية والاثار المستكشفة للحضارات والشعوب والثقافات المختلفة على مر التاريخ.

حضارة وادي الرافدين كانت ومازالت مصدر غني لمثل هؤلاء الكتاب والمؤلفين كما هي للمكتشفين والمؤرخين وحتى لرجال الدين. ولكون حضارة بلاد مابين النهرين هي مهد واقدم الحضارات فان بعض المواقع الالكترونية تسرد القصص عن ان مصاص الدماء الاول في التاريخ قد ظهر من تلك البقعة من الارض.

IRAQesque وهو حساب على شبكة التواصل الاجتماعي Twitter يعرض مختلف المواضيع المتعلقة بتاريخ العراق وثقافته باللغة الأنكليزية. كتب تغريده:

“اول مصاصي الدماء في التاريخ. في بلاد مابين النهرين توجد العفاريت قبل 6000 سنة”.

وارفقها مع الصور ادناه:

مصادر اخرى، مثل موقع “مصاصي الدماء” ذكرت الشئ نفسه وهو موقع متخصص بكل شيء يتعلق بهذا الموضوع من أفلام ومسلسلات إلى ألعاب وكتب. على الموقع مقالة تحت عنوان “أول مصاص دماء في التاريخ؟” وفي مقدمته يذكر:

“يعود تاريخه إلى ما قبل 6000 عام ، وهو ما يعتقد أنه أول مصّاص دماء تم توثيقه – “أديمو بلاد ما بين النهرين” (المعروف أيضًا باسم ” أكيمو” (Ekimmu)). هو الضحية الغاضبة لانه لم يتم دفنه بشكل لائق بعد وفاته.  هو لا يشرب فقط دماء أولئك الذين يمرون من جانب قبره، ولكن أيضا يسلبهم روح الحياة.”

المصدر الثاني هو موقع  “أساطير مصاصي الدماء حول العالم” وفيه قسم خاص ببلاد مابين النهرين يحتوي فيه على اسماء وصور وسيرة عدد من مصاصي الدماء كما يدعي انهم جميعا من بلاد الرافدين:

اكيمو (Ekimmu)

معنى الاسم هو “الخاطف” وهو مخلوق شرير غاضب يحوم الارض بحثا عن ضحيته. يختلف عن مصاصي الدماء التقليديين كونه لايشرب الدم لكي يعيش، وانما يعتاش على قوة الطبيعة من سلبه لها ويكون ذلك عند لمسه لهالة الحياة في كل من النبات والحيوان والانسان وعناصر البيئة.

إوروكو / أوتوكو  (Uruku / Utukku)

ترجمة “إوروكو / أوتوكو” تعني “مصاص الدماء مفترس البشر.” بمجرد النظر في عيونه يمكن أن يسلب روح الأنسان. يقال أنh يطارد البشر في الأماكن المهجورة مثل المقابر والجبال والبحار. يقال إنه مشابه ل “اكيمو” في مظهره (شبح ، مخلوقات شبيهة بشيطان).

ساكوبي / أنكوبي (Succubi / Incubi)

ويقال إن هؤلاء مصاصي الدماء تستخدم الإغراء الجنسي لاحتجاز ضحاياهم ، ثم تفترسهم أثناء نومهم. يظهر كل منهم بشكل رئيسي في الأحلام. ساكوبي هي أنثى ، آنكوبي هو ذكر. واعتبرت الكنيسة أن هؤلاء مصاصي الدماء جزء من جيش الشيطان.

الشياطين السبعة

تم ذكر الشياطين السبعة في مختلف النصوص الدينية في بلاد ما بين النهرين. تشترك الشياطين السبعة مع مفاهيمنا اليوم حول مصاصي دماء. تتجنب الشياطين السبعة معابد الآلهة وتتغذى على دم الإنسان.

لاماشتو   (Lamashtu)   

لاماشتو، حسب ديانة شعب بلاد ما بين النهرين أنها كانت ابنة اله الشمس “انو”. قيل أن لاماشتو هي أفظع الشياطين الإناث. قيل إن لاماشتو تقتل الأطفال ، وتشرب الدم وتأكل لحم البشر. كما أنها تجلب ألكوابيس على ضحاياه ، وهي مدمرة الطبيعة بفعلها كتلويث المياه، وتتسبب في إجهاض النساء الحوامل.

ليليث   (Lilith) 

أسطورة ليليث متجذرة في الأساطير البابلية المتعلقة بالجان و الشياطين. ويقال أيضا أن ليليث هي نصف أله بطبيعة مظلمة تشبه هيكت (الهة السحر والشعوذة في الاساطير اليونانية)، وهناك من يقول أن ليليث هي زوجة آدم الأولى (قصة آدم وحواء) التي تعصي زوجها وهي محكوم عليها أن تجول في الأرض كشيطان للأبد. يمكن ليليث أن تحول إلى أي شيء وغالبا ما تصطاد وهي بشكل بومة. ضحاياها المختارين من الأطفال حديثي الولادة والحوامل. كما يقال أن في بلاد ما بين النهرين يلقون باللوم على ليليث لانها سبب في حصول الأحلام المثيرة والجنسية في أذهان الرجال.

فرايولكاس  (Vryolakas )

فرايولكاس هي جثث أشخاص يتم لبسها من قبل شيطان.  هم يصعدون من قبورهم ليلاً ويقرعون الأبواب الأمامية التي يطلقون عليها أسماءهم. إذا كان الشخص يجيب على الباب ، فإنه  محكوم عليه  بالموت في اليوم التالي. ومع ذلك ، يمكن لل فرايولكاس استدعاء اسم الشخص مرة واحدة فقط.  لهذا فكثيرين تجنبوا الموت بالانتظار حتى يسمعوا اسمهم للمرة الثانية قبل فتح الباب. على عكس مصاصي الدماء المعروفين،  فرايولكاس لا تمتص الدماء وانما عندما يجيب شخص ما على الباب ، فمصيره الموت بالمرض. كانت هذه الأسطورة خاصة بمصاصي الدماء الأكثر انتشارا في اليونان القديمة.

تقول الباحثة الينور روبسن  وهي أستاذة تاريخ الشرق الأوسط القديم ورئيسة شبكة النهرين، (وهي مؤسسة مختصة في البحث والتنمية لتاريخ وأرث وتراث الشرق الأوسط): “ان اول مرة تم ذكر الشياطين او العفاريت في حضارة وادي الرافدين كان في العام 2500 قبل الميلاد تقريبا، اي قبل 4500 سنة، وليس قبل 6000 سنة، وكل الامثلة  الموجودة يعود عمرها الى اقل من 3000 سنة. ”

عن الصور التي نشرها IRAQesque تقول الاستاذة روبسن ان هؤلاء ليسوا مصاصي دماء، لديهم اسنان حادة لانهم شياطين على اشكال الكلاب او الاسد- النسر. ببساطة، لاتوجد اساطير في بلاد مابين النهرين تتكلم عن مصاصي دماء.

الصور في الحقيقة حسب الاستاذة روبسن هي ل:

صورة المخلوق على هيئة الاسد- النسر اسمه “آنزو” (Anzu)، وفيها يقاتل الاله المحارب “نينورتا” (Ninurta). من قصة نمرود، القرن التاسع قبل الميلاد.

http://oracc.museum.upenn.edu/nimrud/livesofobjects/anzu/index.html

صورة الشيطان على هيئة اسد اسمه “أوگاللو” (ugallu) ويعني “العاصفة الكبيرة”. الصورة مأخوذة من احدى جداريات قصر الملك اشور بانيبال في القرن السابع قبل الميلاد

http://www.britishmuseum.org/research/collection_online/collection_object_details.aspx?objectId=369041&partId=1

الصورة الثالثة هي لشيطان اسمه لاماشتو وعدوه بازوزو  Pazuzu (شيطان على هيئة كلب). في الرابط أدناه صورة نساء حوامل يرتدين التعويذات تقرباً إلى بازوزو ليحمينهن  من لاماشتو

https://www.metmuseum.org/exhibitions/listings/2014/assyria-to-iberia/blog/posts/pazuzu

اما عن المعلومات المذكورة في المواقع الانفة الذكر فتقول الاستاذة الينور روبسن ان هذه الادعاءات تنشرها مواقع الكترونية مجهولة ليس لدى اصحابها أي دليل يدعم ادعاءاتهم. هذه المواقع تدار من قبل أشخاص لا يستطيعون حتى قراءة اللغة السومرية أو البابلية”.

اولا – لا توجد كلمة بابلية “اكيمو” (ekimmu). الاقرب الى هذه الكلمة اذن يجب ان يكون “اتيمو” (eṭemmu)، وهو في اللغة السومرية  ببساطة تعني “شبح”

ثانيا – لا توجد كلمة بابلية “اوروكو” (uruku) ؛ ولا كلمة “اوتوكو” (utukku). في اللغة السومرية هناك كلمة “اودوگ” (udug) وتعني “شيطان”. في بعض القصص هذا الشيطان يأخذ ضحاياه القتلى إلى العالم السفلي.

في هذا الرابط يجد القارئ التعويذة الآشورية للحماية من شيطان “اوتوكو” ( utukku). التعويذة من القرن السابع قبل الميلاد، ولاشئ في المصدر يشير الى انه مصاص دماء

http://oracc.museum.upenn.edu/cams/gkab/P338490

ثالثا – الاسماء “ساككوباس” (Succubus) و “فرايولاكاس” (Vryolakas) ليست اسماء سومرية او بابلية ولااعلم مالذي يدور في ذهن صاحب المقالة على ذلك الموقع.

رابعا – “ليليث” (Lilith) هي كلمة عبرية، ليست ولاتمط باي صلة باللغة البابلية او السومرية.  من الممكن ان كاتب المقالة يقصد الشيطان “ليليتو” (Lilitu) وهو الذي يعتقد انه يسبب الامراض والاوبئة حسب الاعتقاد السائد انذاك.

في هذا الرابط معلومات طبية من الحضارة الاشورية تعود الى القرن السابع قبل الميلاد وفيها شرح لمختلف الامراض التي يعتقد انداك ان سببها يعود الى مختلف انواع الشياطين:

http://oracc.museum.upenn.edu/cams/gkab/pager#P338411.29

خامسا – “لاماشتو” (Lamashtu) من اكثر الشياطين المعروفة من ضمن قصص واساطير الحضارة البابلية. يقوم بمهاجمة النساء الحوامل والاطفال حديثي الولادة. الرابط ادناه في معلومات

http://www.ancientneareast.net/mesopotamian-religion/lamastu-lamashtu

الرابط ادناه هي لتعويذة من الحضارة الاشورية تعود الى القرن السابع قبل الميلاد والتي فيها قراءات للحماية من “لاماشتو”

http://oracc.museum.upenn.edu/cams/gkab/P348688

 

شكر خاص للاستاذة  الينور روبسن على السماح بترجمة ونشر هذه المعلومات

ترجمة وبحث أحمد طاهر

في جنات عدن  – اهوار بلاد مابين النهرين

في جنات عدن  – اهوار بلاد مابين النهرين

بمناسبة احتفالات صندوق اوبك (OPEC) للتنمية الدولية (اوفيد او OFID) بالذكرى السنوية الثانية والاربعين لتأسيسها اقيم معرضا بعنوان “في جنات عدن – اهوار بلاد مابين النهرين” في مبنى المؤسسة في العاصمة النمساوية فيينا يوم الجمعة المصادف 26 كانون الثاني/ديسمبر 2018 بحضور حشد من السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وعوائلهم اضافة الى جمع من رجال الاعمال والفنانين والاعلاميين والناشطين في مجال البيئة  والاعمال الخيرية.

يستمر المعرض لمدة اسبوعين ويسلط الضوء على واحدة من اعظم العجائب على كوكب الارض، ليس لكونها فريدة في تكوينتها البيئية،  لكنها تمثل اصل الحضارات واصل الثقافة على الارض المتمثلة ببلاد مابين النهرين. هذه الارض التي كانت ومازالت ملهمة للعلماء والباحثين ورجال الدين على حد سواء، حتى ان بعضهم يذهب الى اعتبار الاهوار هي المكان الاصلي لجنة عدن، والبعض الاخر يربط سكان الاهوار كونهم ينحدر اصلهم من الحضارة السومرية.

احتوى المعرض على صور مختلفة للاهوار واهلها. كذلك تم استخدام الطائرة المسيرة (الدرونز) في التصوير من الجو لابراز سحر وجمال الاهوار.  كما يجد الزائر في اماكن متفرقة من المعرض لوحات للرموز القديمة مع معانيها التي كانت تستخدم من قبل السومريين انذاك.

وقد قام الاستاذ المهندس عزام علوش، الحاصل على جائزة غولدمان للبيئة (Goldman Environmental Prize) في عام 2013 وذلك عن جهوده في إعادة تأهيل الاهوار بالقاء محاضرة قيمة حول تاريخ الاهوار وبلاد مابين النهرين امام حشد من عوائل السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة في النمسا.

يذكر ان الاستاذ عزام علوش هو رئيس ومؤسس (طبيعة العراق)، وهي منظمة غير حكومية معتمدة لدى البرنامج البيئي للأمم المتحدة” (اليونيب) وهي المنظّمة الأولى والوحيدة بشراكتها للمجلس العالمي لحماية الطيور”.

تم التحضير لهذا المعرض وتنظيمه بالتعاون مع سفارة الجمهورية العراقية في فيينا، النمسا. يعتبر العراق احد البلدان المؤسسة لصندوق اوبك للتنمية وايضا من الدول الاولى المؤسسة لمنظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك). حيث ان اوبك قد انشئت بداية عبر مؤتمر بغداد الذي عقد عام 1960 وبحضور وفود من العراق، ايران والكويت والمملكة العربية السعودية وفنزويلا.

المعرض هو الاخير من سلسلة معارض استضاف فيها صندوق اوبك للتنمية الدولية (اوفيد او OFID) سلسلة من المعارض التي تسلط الضوء

على مختلف الثقافات والحضارات.

الفديو ادناه يلقي الضوء على فعاليات المناسبة مع تغطية حصرية بموقع عراق انا لجانب من المحاضرة التي القاها الاستاذ عزام علوش حول تاريخ الاهوار امام عوائل السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة في النمسا، نتمنى ان تنال اعجابكم.

شكر خاص للفنانة التشكيلية، المصممة المتألقة السيدة ريما الجبوري على المواد والمعلومات الخاصة بهذا الحدث مع تمنياتنا لها بالنجاح والتوفيق دائما.

من اعلام بلادي – ليلى العقابي

بقلم احمد طاهر.

اقامت عائلة الفنانة التشكيلية ليلى العقابي يوم السبت الموافق 11اذار 2017، حفلا تأبينيا في مدينة لندن، المملكة المتحدة، والتي وافاها الاجل يوم الثلاثاء 31 كانون الثاني 2017 بعد صراع مع المرض، وبحضور عائلة الفنانة التشكيلية وجمع من المقربين والاصدقاء, والشخصيات الإجتماعية، الاكاديمية والفنية العراقية المقيمة في بريطانيا منهم الدكتور حسين الزبيدي، الفنان التشكيلي باسم مهدي, الشاعرة ورود الموسوي, الصحفية ميديا النعيمي, المخرجة والناقدة زينب الجواري، الدكتور عامر الصفار من جمعية تواصل العراقية ,و الكابتن فريد لفتة. إقرأ المزيد