الدين والعبادة

بقلم ليث حمودي
قام بكل بساطة وبدون أدنى أحساس بالمسؤولية بايقاف شاحنته في شارع منطقتنا الرئيسي وقريبا من مدخل أحد الشوارع الجانبية. أوقفها بطريقة تجبر من يريد دخول الشارع الفرعي القريب ان يسير في وسط الشارع ثم يستدير من الرصيف الثاني للشارع وهو ما قد يتسبب في اصطدامه بالعجلات الخارجة من المنطقة.
الأمر لم ينتهي عند هذا الحد وليته فعل ولكنه وبكل رعونه وقف يتحدث مع عجلة حمل متوسطة الحجم جاءت بطريقة معاكسه. تحدثا في وسط الشارع واغلقا ثلاثة أرباعه واجبروا السيارات القادمة على خفض سرعتها والسير خلف بعضها البعض. لم يبالي بأي شيء بل لم يظهر عليه مشاعر رغم أنه يرى بأم عينيه مبلغ الضرر الذي يتسبب به لغيره. هنا وبكل صراحه لم اتمالك نفسي, أشرت له بيدي ان يوقف صاحب السيارة الصغيرة على جنب الشارع ليبتعد عن طريق الناس. لم يعرني انتباها. صرخت عليه
وخّر صاحبك من الشارع سديتوا طريق الناس. هكذا قلتها وبنبره قوية وعصبية. انطلق صاحب سيارة الحمل الصغيرة وعاد الشارع واسعا. جائني غاضبا وقد ظهرت عليه علامات الأنزعاج
  • حجي ليش تصيّح عليّه قابل آني زعطوط
  • لك بابا جاي أصيّح عليك لأنه أريد انصحك. أشّرتلك مرتين او تلاثة وما انتبهت. أنت ما جاي تشوف شلون ضايقت الناس
  • اي حجي بس مو الرجال جاي يسألني عن شغلة
  • مو مشكلة يسألك بس كان ممكن توگفه على صفحة وتسولف مو تسد طريق الناس
  • حجي انت ليش عصبي
  • عصبي لأنه انت غصبت حق الناس. الشارع مو الك ولا ملك الخلفوك توگّف اللوري مالتك على سايد وتسولف ويه صاحبك بسايد ثاني وتسد الطريق على الناس
  • آني اسف حجي بس هو سألني
  • لك بابا أدري سألك والله أفتهم بس ما يصير تسببون أي اذية للناس. حرام. لا الله يقبل ولا الدين يقبل
ومع انتهاء عبارتي التي رسمت ملامح الأستغراب على السائق, أنتهى الحديث وأنطلق في طريقه وانا على يقين كامل أنه تقبل كلامي من باب أنه أعتبرني مجنونا وعلى كل انسان عاقل كامل الوعي والعقل مثله أن لا يعير أهتماما كبيرا للمجانين أمثالي ممن يعتقدون أن الدين تصرفات وأخلاق ومعاملة.
ولعل أبرز المشاكل التي تواجهها المجتمعات العربية هي قضية الخلط بين الدين والعبادة أضافة الى الفهم الصحيح لمعنى كلمة الأسلام.
إن نظرة منطقية الى دور الأنبياء والرسل ستكشف لنا بصورة جلية لا لبس فيها أن الهدف الرئيس لأرسالهم هو خدمة المجتمعات الأنسانية من خلال اصلاح عيوبها وتنظيم حياتها وصولا الى ضمان حقوق جميع أبناء المجتمع وليس فقط من أجل اقامة الصلاة او الصوم او أي عبادة أخرى. فمثلا لو نظرنا الى الآيات القرآنية الكريمة التي جاءت كأوامر الهية اوعلى لسان الرسل سنرى الكثير منها  تحث على المعاملات وليس العبادات كقوله تعالى (واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) او (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) أو (ولا تبخسوا الناس اشيائهم ) أو (ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط) أو (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) او (وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك) وهكذا
وضمان هذه الحقوق لا يمكن ان يتم من دون ضوابط معينة. دعونا بشيء من المنطق والأدلة النقلية نستعرض بعضا من هذه الضوابط وبصورة موجزة جدا لأن شرحها بتفاصيل كاملة قد يتطلب كتبا وليس مجرد مقالة بسيطة.
  • عن المصطفى محمد بن عبدالله عليه وآله الصلاة والسلام أنه قال (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه). في هذا الحديث الذي اتفقت عليه مختلف المذاهب الأسلامية يضع لنا رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام أهم أسس الأسلام وهي كف الأذى بشكليه المعنوي والعملي ويقرن ذلك بالأسلام كله وكأنه يقول أن من يسبب الأذى للناس خارج عن الملة والدين. واكثر من ذلك, إن الأمر تعدى الأطر المحلية الى الأفق العالمي حين قال (من سلم الناس) ولم يقل المسلمين او المسيح او اليهود فجاءت تعليماته مطابقة للقران الكريم وآياته العظيمة ومنها ((وما أرسلناك الا رحمة للعالمين). إن كف الأذى ونشر السلام يسهم في أنماء أهم غرس مجتمعي وهو الثقة والتي بدورها تقود الى الطمأنينة التي يسعى خلفها كل بني آدم. ولشد ما يؤلمني أن أرى شرائح كبيرة من أبناء المجتمع العراقي صارت تسلك طريق الأذى بمختلف أنواعه دونما مراعاة لأدنى قواعد الأسلام والدين ولعل النزاعات الداخلية وعمليات القتل والتفجير العشوائية التي تقبض ارواح الأبرياء في العراق وفي بلدان عدة والتهجير وغيرها من مختلف اشكال العنف هي الدليل الأكثر وضوحا على تجاهل هذا المبدأ.
  • ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم (الدين المعاملة). وفي هذا السياق تأتي كلمة المعاملة بمعنى واسع فهي تعني المعاملة المادية والمعنوية ولو أردنا مرادفا اكثر ملامسة للقلب لما وجدنا كلمة اروع وأرق من الحب فهذا رسول الله يدعونا لحب بعضنا فيقول (لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهذا هو أنجيل متى يدعو لذات الأمر فيقول على لسان سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام (و كما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوا انتم ايضا بهم هكذا ) وماذا يريد الناس من الآخرين أكثر من أن يحبونهم ويقول ايضا (اعطوا تعطوا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون في احضانكم لانه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم) ولاعطاء أروع من الحب الذي يمكن وصفه بأنه ركيزه من ركائز كل الرسالات السماوية المقدسة.
  • جاء في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وآله وسلم قوله (خير الناس من نفع الناس). لعل هذا الحديث الشريف هو المصداق الأوضح على إن خدمة المجتمع هو أصل من أصول الدين يستحق عليه فاعله رحمة الله. فلو حاولنا اعادة صياغة الحديث او لو أننا حاولنا شرح الحديث لطالب في اولى مراحل الدراسة فسنقول له إن أفضل الناس هو من يخدم الناس وينفعهم. ومن المنطقي ان أفضل الناس سيكون جزاؤه الجنة وبهذا يصبح واضحا لدينا ان الدين يمكن ان يتجسد في خدمة المجتمع ولتفكير بالمصلحة الجماعية قبل الفردية ومن هذا المنطلق فأن القيام بالواجبات المناطة بالأنسان في وظيفته هو تمسك واضح وصارم بالدين وتطبيق حرفي له كما ان التقدم العلمي والأختراعات التي تنفع البشرية هي جزء لا يتجزء من مضامين هذا الحديث الشريف فحينما أخترع توماس ألفا أديسون المصباح, قدمه للبشرية فاضاء لنا ليالينا ويسر علينا الحياة ومنحنا خيرا لا نهاية له الا بنهاية الحياة على الأرض وعندما أخترع كراهام بل الهاتف جعل أختراعة التواصل بين البشر متاحا وسهلا فمنح البشرية خيرا لا ينضب والأمر ذاته ينطبق على كل صاحب أختراع او اكتشاف.
هذه بأختصار شديد بعض من المفاهيم التي أنظر اليها على أنها المعنى الحقيقي للدين وهو في الحقيقة أمر مختلف تماما عن الصوم والصلاة والحج والزكاة والشهادة والتي تمثل اسس العبادة والتي لا علاقة لها بالدين لأنها ومن وجهة نظري الشخصية ليس سوى علاقة شخصية بين العبد وربه واليت عادة ما نتوارثها وقلما نصل اليها بقناعات شخصية. لكنها وفي كل الأحوال لا تضر ولا تنفع المجتمع بقدر ما تضر وتنفع صاحبها ولا أريد التطرق الى موضوع العبادة بصورة أوسع لأنني لا أرغب في التطرق الى الأمور الشخصية. لا يهمني إن كان الطبيب الذي اتعالج عنده يصلي ويصوم او يشرب الخمر ولكن ما يهمني أن يقوم بواجبه بصورة كاملة لأنني أريد أن أرى دين الناس لا عبادتهم.

 

اترك رد