مدينة الناصرية

بقلم ليلى طارق الناصري

الله بالخير يا هلي الطيبين….اليوم سأحدثكم عن بعض مما تحفظه ذاكرتي عن أحد أحاديث أبي رحمه الله عن مدينته التي ولد وكبر فيها الى أن غادرها في 18 من عمره الى بغداد من أجل أكمال دراسته ولم يعود إليها إلا نادرا بعد ذلك، لكنه أرتبط فيها واستخدم اأسمها نسباً له بدلا من قبيلته و كانت حاضرة كثيرا في أحاديثه لدرجة انني عرفتها من خلاله كما لم يعرفها أحد من ساكنيها وعندما شاءت الظروف أن أذهب إليها عام  1997و وجدتني أعرفها وتعرفني !

الناصرية …هي مدينة يقسمها الفرات الى قسمين كما يفعل دجلة في بغداد إلا أن الفرات فيها يكون عريض وواسع وهادر بطريقة رائعة المنظر وتثير الرهبة في النفس عندما وقفت للمرة الأولى في مواجهة هذا النهر العظيم (الفرات) لحظة لا أنساها مطلقاً وقد أستغربت كيف كان أبي يقطع الفرات من( هالصوب الى ذاك الصوب سباحة ويعود ثانية)! ولو أني لم أكن أرافقه الى دجلة وأراها كيف يقطعه من كرخ الى الرصافة ثم يعود الى الكرخ سباحة لم أكن لأصدق منه ذلك لكن الفرات أعرض بكثير من دجلة هنا!! وأجمل ما في ضفافه أنها منبسطة قريبة الى اليابسة كساحل بحري في بعض المناطق ضيقة المساحة لكن بالتأكيد بنيت القناطر على جانبيه لحماية المدينة من الفيضان إذا أرتفع منسوب المياه في الربيع او الشتاء ضفافه يظللها النخيل بكثافة وعندما يمر في وسط المدينة تصبح ضفتيه مرصوفة وتسمى بالكورنيش الذي تجد فيه تشكيلة عفوية من الناس مبعثرة هنا وهناك على أمتداد الكورنيش بكلا جهتيه ( كم واحد ديصيد وناس مطشرة هنا وهناك يقرأ كل منهم جريدة  لو كتاب وهناك من كان يرسم ومجموعة شباب جالسين للسمر مع أنها العصر…ويرافق هذا المنظر أصوات كثيرة لكن أجملها هي أغاني حسين نعمة التي تسمعها إينما تنقلت في الناصرية وأسواقها وبعض من أغاني فؤاد سالم ( برغم من أنه كان ممنوع حسب ما يذكر البعض عن تلك المرحلة الا أنني أذكر جيدا انني كنت أسمع اغانيه علنا في الناصرية) وكان هناك من يقول الشعر ومن الذكريات الجميلة أنني لاحظت ( حرشة الشباب ) تكون عن طريق واحد يقول بيت شعر شعبي ويكمله واحد ثاني ممكن يكون مار صدفة ويجاوبه ثالث يكون واقف بالجهة المقابل وبالغالب الشعر يكون عفوي و وليد اللحظة لأنه يطابق أوصاف الفتاة المارة وما ترتدي والجدير بالملاحظة ان الناصرية من المدن التي فيها كل انواع انماط اللبس يعني ( العباية / سافرة على المودة / حجاب ) لهذا هي مجتمع منفتح نوعا ما وليس منغلق كبعض محافظات العراق…وكانت رائحة السمك المشوي سواء بطريقة المسكوف او غيرها تملئ الكورنيش خصوصا يومي الخميس والجمعة  والكثيرين يحفظ الشعر ويمتلكون أصوات للغناء جميلة لا أقصد المطربين وإنما الناس التي تجلس على الكورنيش، الباعة المتجولين، من يصيد السمك في نهر وكذلك حتى في جلسات السمر كانوا يغنون وصوتهم يبعث في النفس شعور جميل وإحساس بالألفة كأنك تعرفهم جميعاً ولا يكون غريب أن يشارك الغناء مستطرق مار من جانب المجموعة التي تتسامر وتغني وإستكانات الشاي تدور وتدور وتستخدم أحياناً إيقاع مرافق للمغنين. وتسمع تحية ( الله بالخير)كثيرا كثيرا؛ لقد زرتها في 1997 لاول مرة في حياتي وكانت هذه ذكرياتي عنها مدينة جميلة وحنونة ترحب بكل زائر لها وفيها ميزة الانفتاح لا مشكلة أن كنت مسلم أومسيحي أو صابئي لان الطائفة الأخيرة تشكل جزء مهم وكبيرة من تشكيل المجتمع في الناصرية وتعتبر الموطن الرئيسي والأم لطائفة الصابئة وكانت جارة لبيت عمتي الكبرى (صُبِيَة بالتشديد والضم على حرف الصاد ) وكان زوجها واولادها صاغة للفضة وفنانين مبدعين في عملهم وأنا كنت ولازلت من المغرمين بالمصوغات الفضية وعندما عرفت الجارة ذلك أخذتني الى محل زوجها وقد كان فعلا محل جميل ببساطته وروعة المصوغات التي فيه وقد عرفت منهم أنهم يزودون صاغة في شارع النهر ببغداد وأنهم يملكون معمل للأنتاج وأنه عمل توارثوه من أجدادهم ويدر عليهم وارد جيد وانه عمل يخص العائلة وقد أهدوني مصوغات جميلة وأدهشني هذا الكرم السخي لم يقبلوا ان أدفع دينار واحد رغم أصراري على الدفع وعندما ألححت  بأني يجب أن أدفع شدت عمتي على يدي أشارة منها ان أسكت وسكت وقبلت هديتهم بكل امتنان وعند عودتنا للمنزل سألت عمتي (ليش كمشتيني حتى ما أحجي عيب ما أدفع يا عمة؟؟؟!!!) فكان رد عمتي ( عيب تلحين الناس هنا من تنطيج هدية لازم تقبليها والا يعتبروج مستنكفة منهم وماتريدين منية منهم وهذولة الصبة كلش طيبين ونفس طيبة ويزعلون اذا تتعاملين وياهم هيج باجر الصبح سوي الهم قالب كيك حلو ودزي ألهم ).

هكذا كان التعامل!

من ذكريات أبي أنه كان يرسله جدي في الصباح لشراء كيلو لحم من ( نعمه القصاب) حتى يكون ريوكهم مع الخبز التازة من تنور جدتي وكان نعمه القصاب صوته جميل ويغني عندما يعمل وولده حسين كان أيضا صوته جميل ( الذي فيما بعد أصبح المطرب الجميل حسين نعمه) وكان أبي وبقية الصبية يتجمعون أمام محل نعمه القصاب حتى يستمعون لغنائه الجميل وهذا طبعا كان سببا لتوبيخ أبي من قبل جدي لأنه يتأخر؛ لا تستغربوا أنه كان العراقيين يأكلون في وجبة الفطور الصباحية الكباب وصحتهم كانت جيدة ولا أمراض قلب ولا سكر !؟

لم يكن العراقي يشيل بقلبه على أخوه ولم يكن يعرف الأحقاد كان يعيش بحب وتعاون والبيت مفتوح على البيت وإذا بيت بالطرف ( أي الشارع أو المحلة) صار بيه فرح لو مصيبة لا سامح الله كلها تفز وتفزع حتى يتقاسمون الشغل والركض والفرح والحزن سويه  لهذا هيج قلوب ما كانت تعاني لا تصلب شاريين ولا تحتاج عملية قلب مفتوح.

هذا المقال هو بداية أريد نبديها سوه وتشاركونا كل واحد منكم شنو يذكر من مدينته وطيب أهلها شصار وياكم من مواقف حلوة بقت عالقة بذاكرتكم أكتبوها وأرسلوها على عنوان موقعنا عراق أنا … أفتح لي قلبك ….خلونا نشارك بعضنا كل الذكريات الحلوة والوقفات الحلوة بينا وبين جيرانه وأصدقائنا و كل أهلنا طيبين وفي الختام أقول ألكم ( فيمان الله).

جسر الحضارات مدينة الناصرية
جسر الحضارات مدينة الناصرية

32435586

مدخل مدينة الناصرية

naserya_city_center_1
ساحة الحبوبي
%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%8a%d8%a9-11
اثار مدينة أور

6 آراء على “مدينة الناصرية”

  1. الله ليلى أنتي تصفين المدينة وأنا أتخيل وكأنني كنت معكي وشوقتيني لزيارة هذه المدينة الجنوبية التي أسمع عنها فقط واتخيلها عشتي ليلى وعاشت مواضيعك الشيقة

  2. شكرا على المقالة الخفيفة الظل والراقية. الناصرية مدينة جميلة ورائعة. زرتها مرة واحده وبقيت هناك يومين زرت خلالهما هور قريب من المدينة يسمى هور الكرماشية. الناس هناك في منتهى الطيبة والتسامح. أبرز ما يميز الناصرية ان كل اهلها صغيرهم وكبيرهم رجالهم ونسائهم جميعا شعراء بالفطرة والشعر يجري في عروقهم مع الدماء ويمتلكون حس فكاهة رائع. تحية للناصرية منبع العلم والأدب والطيبة

  3. امتعني اسلوبك الرائع والبسيط في سرد الأحداث.. العراق بلد الطيب وكل بقعة فيه هي منبع للطيب.. بارك الله فيك ومزيدا من الإبداع

اترك رد