للألوان مذاقات و للأشياء حياة

بقلم ليلى طارق الناصري.

 

منذ كنت في الخامسة من عمري والى الآن وأنا أحب التحدث الى كل ما حولي ( من طير او نبات وأشياء وموجودات) وكنت أنتظر وقت المطر كي أخرج الى سطح بيتنا دون مظلة أو أي شيء يقيني المطر وأترك لقطرات المطر أن تتخلل خصلات شعري وملابسي وأستمتع بالبلل وانا حافية القدمين وأدخل الى منزل وأن اقطر ماء وكنت أستمتع دوما بالمشي بحديقة بيتنا حافية وكان والدي لديه هذه الميول أيضا وكنا نأخذ نصيبنا معا من التوبيخ من قبل امي لأننا لا نهتم كثيرا لشروط الصحة والنظافة التي تقتضي لبس حذاء او نعل _ أجلكم الله _ وبقيت هكذا الى ان كبرت وأصبحت في نهاية العشرين وأنغمست في دوامة الحياة وتحقيق الذات والعمل بجد وأبتعدت عن المشي حافية القدمين تحت المطر وأصبحت امشي بكامل أناقتي ومعي مظلة تحت المطر واحيانا عندما يكون الشارع خاليا من المارة أغلق مظلتي كي استعيد ولو قليلا من تلك المتعة التي كنت استمتعها وانا طفلة قبل أن تصبح العادات والتقاليد هي الاولوية في سلوكي، الا انني كنت قد فقدت الكثير من حيويتي وطاقتي واقبالي على الحياة وتغيرت كثير بطريقة بِتُ لا أعرف نفسي وأستغربها أصبحت منطقية وواقعية وعقلانية والخ مما يُقال عندما ينضج المرء [ للأسف تقاس الأمور بهذه الطريقة للنضج ان يكون الشخص متقولب ويمشي ضمن خطوط معينة وضعه المجتمع كلما تمادى فيها كلما وصف بأنه ناضجا وواعيا ومحترما ] لكني لم أكن سعيدة كما كنت في السابق و لم أستعد حيويتي وطاقتي الا عندما عدت الى عاداتي السابقة أتحدث الى التراب والسماء والنبات والحجر والطيور والمطر وكل شيء يحيط بي القي عليه التحية والسلام وعندما حللت على أرض دمشق مهاجرة منذ 13 عام مررت بمعاناة كبيرة كأي مهاجر يأتي محملا بهموم بلده الذي فقد كل شيء دفعة واحدة كالكابوس صعب التصديق أنه حقيقة !! ولم يساعدني على التألف نوعا ما مع كل تلك الغربة سوى أنني أحب التحدث الى ما حولي كنت اخرج يوميا طالما الجو ليس باردا جدا وامشي لوحدي ساعة او اكثر اسير وحدي في طريق ملئ بالمزارع والاراضي الزراعية المارة شبه معدومين والسيارات لا تمر الا فيما ندر ولا تسمع سوى صوت الطبيعة حولك طبيعة ريفية الا انها جميلة وكنت أقف عند شجرة نارنج يتدلى منها قداحها وكنت احدثها انه كان لي شجرة مثلك في حديقة بيتنا وكان ابي يعتني بها …المهم انني كنت أفرغ من طاقتي السلبية المتراكمة والمتجددة وقتئذ بسبب الغربة وآلام الفراق وأشحذ بعض الطاقة الايجابية التي تساعدني على الاحتمال و الاستمرار ولا تتخيلون كم كانت هذه الطريقة نافعة وذات اثر جيد جعلتني قادرة على الاستمرار والتقدم.

وذات مرة كنت اسير بها الى موقع عملي وكانت ترافقني زميلة لي فمرت بنا قطة فألقيت التحية على القطة وواصلت المسير فاذا بزميلتي تسألني وهي مندهشة : ليلى ماذا فعلت قبل قليل؟!!

فقلت لها وقد أدركت سبب سؤالها : سلمت على خلق الله وماذا في ذلك؟!

فقالت : حقا انتم جماعة علم النفس بكم شيء من الجنون. واتبعتها بضحكة وشاركتها الضحك.

إلا أنني تعمدت أن اكمل الحديث معها عن الموضوع فبادرت قائلة : الا تعتقدين أن خلق الله يسمعون ويتأثرون بما نفعل ونقول لهم ؟ ونحن نتاثر أيضا بهم ؟

قالت وهي مستنكرة نوعا ولا رغبة لها بدخول نقاش معي من صباحية الله على قولتها: “نعم بالتأكيد أومن بذلك يعني بالنسبة لمن يربي الحيوانات ويدربوهم ، أكيد  القطة أو كلب او قرد والخ  بالسيرك يستجيبون لمدربيهم لكن لا تقنعيني أن أي حيوان حتى لو لا يعرفك ولا مدرب سيفهم عليكِ هذه اولا, وثانيا النباتات والكراسي والتراب يا ليلى أنتي حتى القلم الذي تكتبين فيه والفنجان (مك) الذي تشربين فيه تحدثيه !!! الا تعتقدين أن الموضوع مبالغ فيه؟!!”

فأبتسمت لها قائلة: “لكني لا أتحدث إليها كثيرا صح؟ كما اني لا أتحدث اليها امام الآخرين وانتي إذا أنتبهت إلي فذلك لتمتعك بصفة سنفور حشري ( وقد قلت كلماتي الأخيرة وأنا أضع يدي على كتفها وأضحك كي لا تتحسس من كلامي).”

عزيزتي أن للكل ما يحيط بكِ طاقة من الكائنات الحية او غير الحية مما يطلق عليها جمادات ألم تسمعي قول الله تعالى (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام آية 38.

(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) سورة الإسراء آية 44.

الم تمر عليك قصة جذع الشجرة الذي كان يستخدمه الرسول صل الله عليه وسلم كمنبر في مسجده بالمدينة وانه حين أستبدله بمنبر آخر صار يأن الجذع بصوت سمعه الصحابة شوقا للرسول حتى عاد الرسول إليه وحدثه وطمأنه!

دعك من القرآن والسيرة لربما لا يكون الأستشهاد فيهما مقنعا لغير المتدينين او من يعتنق غير الاسلام . ولنتحدث عن الشعر العربي وكم فيه من غزل وحديث وعلاقة صداقة بين الانسان والخيل مثلا أو الابل وكم من قصة غريبة تربط بين هذه المخلوقات وأصحابها من وفاء وولاء…طيب ألم يمر على مسامعك أن كل شيء حولنا يتكون من ذرات وهذه الذرات تتكون من أجزاء أخرى أصغر حجما وتتحرك بمجالات معينة وطالما تتحرك إذا هي تولد طاقة حتى لو لم نلمسها او نشعر بها .

أوليس الحواس التي ندرك بها يقال أنها خمسة حواس الشم والذوق والنظر واللمس والسمع والسمع هو أول الحواس نستخدمها حيث الجنين في بطن امه يسمع وهي اخر حاسة نفقدها عندما نموت وهي اول مانعود نستخدمه عندما ينفخ بالصور (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) سورة يس آية 51.

لكن من قال أنها خمسة فقط؟!! وإن سلمنا بأنها خمسة من قال انها لا تتداخل مع بعضها البعض مكونة كم هائلا من الأحاسيس مثلا :

كل لون من الالوان له تردد موجة تدركه العين البشرية من خلال حاسة البصر لكن هل جربنا ان نستشعر لونا ما بحاسة أخرى؟

مثلا اللون الأحمر نحاول التعرف عليه من خلال اللمس؟! ربما يكون لديه درجة حرارة تختلف عن لون اخر، هل جربنا أن نستشعر مذاق اللون الاحمر ؟! الايمكن ان يكون له طعما يميزه عن غيره من الألوان ، الا يمكن أن يكون له رائحة تختلف عن غيره؟!

لست بصدد الفلسفة ولا التحذلق إنما حقيقة أنا أستشعر بعض الألوان كما سبق ؛ بعضها يعطيني أحساس بالحرارة أو البرودة وبعضها يمكن ان أميز مذاقه ونكهته في فمي وانفي لأنكم كما تعلمون حاسة الذوق وثيقة الأرتباط بحاسة الشم ويمكن أن يكون لها تردد معين يعطي صوتا ما.

قد يبدو كلامي غير منطقي الا انني من خلال دراستي وخبرتي في مجال عملي توصلت الى بعض القناعات إننا جميعا مؤهلين لأن نستخدم حواسنا بشكل كامل وان هذه الحواس تتدرب كأي مهارة مثلها مثل السباحة او السياقة وإذا تدربنا على استخدام كافة حواسنا بكل إمكانياتها سنجد مفاتيح لتشغيل الحواس الآخرى كالحاسة السادسة والسابعة واظن ان الحواس لا تحصر بتلك الخمسة التي نعرفها.

أنظروا الى بعض النحاتين كيف يمكنهم الرؤية والتجسيد من خلال النحت وهم مكفوفين !

انهم أضطروا للأعتماد على ما تبقى من الحواس وعلى أستخدامها بأكبر قدر ممكن.

هناك مدارس في شرق آسيا تدرب طلابها على التأمل والاستخدام الامثل لأمكانياتهم وهناك معلمين البوذيين في التبت الذين يمارسون تدريبات خاصة لتلاميذهم تعتمد على تعطيل حاسة او حاستين من الحواس الخمسة كي يضطر التلميذ  الى تعرف واستغلال الامثل لما تبقى من حواسه كان يربطوا عينيه لمدة أسابيع متواصله ويغلقوا اذنه ويجعلوه يعتمد على ما تبقى كي يتمكن من البقاء حيا حتى يصل الى مهارة الدفاع عن نفسه والهجوم ان تطلب الأمر.

ما يستطيعه البعض يعني تسطيع عليه أنت واستطيع عليه أنا الفرق الوحيد هو التدريب والرغبة الشديدة للتعلم التوق والشغف لأكتشاف طاقاتنا المخزونة الى حد الاهمال.

ان لكل شي يحيط بنا مجال للطاقة يمكن أن يقاس بأجهزة معينه وتترجم هذه الطاقة التي تقاس الى صورة حرارة  او حركة او رائحة أو مذاق؛ كل شيء حولنا يملك حيزا من الطاقة أما تكون سلبية او ايجابية ونستطيع إدراك ذلك خلال أمور بسيطة ( قد تدخل مكان ما فتشعر بالانقباض ولا ترتاح وتسرع بقضاء حاجتك التي دعتك لدخوله كي تخرج وتتخلص من شعور الانقباض هذا) وبالعكس ( قد تدخل مكان ما فتشعر بالراحة والالفة التي تدعوك الى المزيد من الأستئناس بالمكان) وقد أدرك أهمية هذه الامور أصحاب التجارة وتجد اغلبهم يستخدم البخور أو معطرات الجو بروائح معروف عنها انها تؤثرا إيجابا على النفس الانسان كرائحة الخزامى او الياسمين ويستخدمون أضاءة معينه في اماكن معينه كالمطاعم والمقاهي كي يشعروك بالراحة وتطيل البقاء وبالتالي تكثر من الأستهلاك وهذا هو هدفهم.

كذلك في المستشفيات تجد اغلبيتها طلاء جدرانها يتراوح بين الابيض والازرق الفاتح جدا والاخضر بكل تدرجاته الهادئة لأنها تثير في النفس الشعور بالراحة وتقلل من القلق وتساعد على التخلص من التوتر الذي يحتاجه كل العاملين في المشافي وكذلك المرضى.

إذن كل ما حولنا يؤثر فينا ويتأثر بنا وبناءا عليه من المفروض أن نكون مهذبين ولبقين في تعاملنا ومخاطبتنا لكل ما حولنا وهناك الكثير من الأمثلة التي لا مجال لذكرها مما علمنا إياه النبي من خلال سنته العطرة الذكر عن تحية المكان الذي تدخل إليه وإن كان فارغا من الناس وتحية منزلك كلما دخلت او خرجت منه وغيرها الكثير من الامثلة عن ركوبك الدابة او لبسك ثوبك حقا لا مجال لذكرها هنا.

وكل الاديان السماوية تدعو لذات النقاط الاساسية فسليمان كان يحدث المخلوقات ويفهم حديثها وموسى كان له عصى يحدثها ويعتز بها وعيسى كان حتى الموتى تتحدث إليه

والاديان الوضعية الغير سماوية كذلك تدعو الى التأمل والانصات الى الطبيعة والتعرف على الاشياء إن إنغماسنا الكبير في الحياة المادية المعاصرة و إضطرارنا الى العمل طيلة الاسبوع لساعات كثيرة حتى نؤمن لقمة عيشنا جعلنا نفقد الكثير من إمكانياتنا التي أنعم الله بها علينا وما عدنا نتحسس الطبيعة كما يجب ولا نستشعر ما حولنا وبالتالي اصبحنا أقل تعلقا بما خلق الخالق لنا وازداد القلق من الغد وكثر التوتر والانزعاج وأصبحت الكآبة مرض شائعا ومنتشرا كالانفلاونزا او الرشح مما يؤدي الى فقدننا القدرة على الانجاز وان انجزنا لا نجد الرغبة بالاأستمتاع بما حققناه….ذلك لأننا ابتعدنا عما فطرنا عليه كلما أبتعد الانسان عن طبيعته وما جُبِل أزداد ضعفاً وهواناً رغم انه يمارس الرياضة والاكل الصحي أو انه  يصلي ويصوم ويقوم بعباداته على أتم وجه لكنه لا يجد الحلاوة التي سمع عنها ولا يستطيع الوصول الى الخشوع مثلا برغم من حرصه على ذلك ولا يعرف السبب  الحقيقي وراء ذلك، الا وهو ابتعاده عن المجال أو الحيز الاساسي الذي يجب ان يكون فيه..الحيز الذي يجعله قادرا على تأمل خلق الله والتواصل معهم بحيث يتخلص من الطاقة السلبية ويكتسب الطاقة الأيجابية التي تمنحه القدرة على التجدد و التقدم والابداع تمكنه من الاستمتاع بما ينجز ويشعر بأنتماءه لهذه الحياة واهميته فيها.

جربوا أن تقوموا بالمشي حفاة على العشب، جربوا السير ولو مرة تحت المطر دونما مظلة ولو لخمس دقائق ، أذهب الى شجرة بالبيت او اي نبات عندك وتحدث إليه صباحاً قله جئت اليوم لتناول شاي الصبح معك !

جربوا أن تحدثوا بيوتكم ، سياراتكم، الطاولة التي تعمل عليها جهاز الحاسوب الذي تنجز من خلاله الكثير جربوا ان تقولوا له شكرا لأنك لم تخذلني اليوم واستطعت ان انهي عملي على اكمل وجه؛ هي مجرد تجربة لن تكلفكم الكثير لكن صدقوني ان واظبتم عليها ستشعرون بتغير تدريجي يحدث لكم ومع الايام يكبر فتصبحون أكثر حيوية واقل مرضا واكثر عطاء وبالتالي تكسبون الضِعّف وسيكون لديكم البركة في الرزق.

رأيان على “للألوان مذاقات و للأشياء حياة”

  1. كانت جدتي الله يرحمها عندما تستيقظ صباحا طبعا حقول بلهجتها صباح العافية على كل مخلوقات الله وانا من الناس كلما رأيت قطة أسلم عليها أما المطر فإني من محبي سقوط المطر ورائحة التراب الرطب شكراااااااااا ليلى سأتكلم مع مخلوقات الله بدون خجل

  2. شكرااااا ليلى على هذه النصيحة …
    سأقوم منذ هذه اللحظة بمحادثة مخلوقات الله ولكن اتمنى ان اشعر باجوبتها التي احتاجها أغلب الأحيان لتطييب خاطري

اترك رد