القرار الصعب

بقلم نضال درويش.

منطقة الراحة هي المنطقة التي نشعر فيها بالأمان والاطمئنان ونشعر بأننا بخير ، هي معتقداتنا المقيدة لنجاحنا ، نحن نحاول أن نعيش في راحة وكلما أردنا الخروج منها نعود إليها لنشعر بالأمان .

 

سمعت مرة قصة جميلة عن ولدين كانا في المدرسة معا . كان أحدهما يدعى ريتشارد والآخر يدعى جون . خطط ريتشارد و جون لإنشاء مجلة مدرسية خاصة بهما وقد تحدثا عن الأمر كثيرا . كان من السهل التحدث عن الأمر ، ولكن قال ريتشارد في يوم من الأيام : سنضطر للذهاب الى مدير المدرسة ، وطلب إذنه لإنشاء مجلتنا الخاصة ، لذلك اتفقا على اللقاء عند الظهيرة لأخذ إذن المدير .

 

وقفا هناك منتظرين الدخول وفجأة انفعل جون قائلا : سأعود على الفور واندفع خارجا عبر الردهة . بعد مرور خمس دقائق لم يكن قد عاد ، لذلك قرر ريتشارد أن يقوم بالأمر على أي حال . فأخذ خطواته الأولى خارج منطقة راحته وبدأ بالسير عبر الردهة .

 

كانت هذه مدرسة للبنين قديمة البناء وتقليدية جدا ، بينما كان يمشي عبر الردهة مارا بصور جميع المديرين الآخرين ، شعر بقليل من العصبية والخوف . وصل ريتشارد الى نهاية الممر حيث كان معلقا هناك على الباب لوحة نحاسية تقول (مكتب المدير) طرق على الباب وبعد لحظات انفتح الباب ، وكان المدير بالداخل ، كان رجلا طويل القامة ، شديد الكبرياء .

في تلك اللحظة كان ريتشارد مرعوبا .

قال المدير : ماذا تريد يا ريتشارد ؟

حسنا يا سيدي ، كنت أتساءل أنا وجون – بالطبع لم يكن هناك أثر لجون- هل نستطيع إنشاء مجلتنا المدرسية الخاصة ؟

ولكننا لدينا مجلة مدرسية ، وهي تصدر كل فصل دراسي .

أعلم ، ولكننا نريد زيادة مرات صدورها ، ونريد أن نجعلها ممتعة ، ونريد أن نضع فيها بعض النكات ، ستفيد المجلة لغتنا كثيرا ، وستمثل مهارة رائعة نتعلمها .

 

وافق المدير عليها ولكن القواعد كانت : أنه عليهما إصدارها بنفسيهما ، وعليهما دفع التكاليف من حسابهما الخاص ، وعليهما التأكد من أن يعلم الجميع بنشرها ، كانت تلك مخاطرة كبيرة .

 

غادر ريتشارد المكتب ووجد صديقه : الى أين ذهبت يا جون ؟ ماذا حدث ؟ ماذا حدث لك ؟

تلعثم جون في جبن قائلا : حسنا ، كنت سأرافقك ، ولكني كنت ، حسنا ، كنت فقط ؟

لا يهم ولدي أخبار سارة ، نستطيع عمل المجلة ولكن علينا دفع تكاليفها بأنفسنا ، وانتاجها بأنفسنا ، وتحمل المخاطرة .

في تلك اللحظة قال جون : لا أكاد أصدق ، لن نستطيع ابدا الحصول على المال ، كيف نستطيع نسخها ؟

رد ريتشارد : لا تفكر في ذلك ، هيا فقط نكتبها ، نستطيع القيام بذلك .

 

كتب الولدان العدد الأول من المجلة ونجحا في نسخه بإستخدام إحدى آلات التصوير القديمة . كانا متحمسين كثيرا للأمر ، كان الحبر يغطيها بالكامل وكانا على استعداد لتوزيع عملهما الفني . في اليوم التالي ، ذهبا إلى المدرسة وأخذا يوزعان باليد نسخا من مجلتهما . كانت عبارة عن ورقة واحدة حجم A4 مطبوعة على الوجهين تضم كل أنواع القصص ، بعض الطرائف ، بعض القصائد ، اتفق كل من قرأها على أمر واحد …… أنها كانت في غاية السفه . وجد ريتشارد و جون نسخا ملقاة في فناء المدرسة ، محشورة داخل الادراج ، وملقاة على الارض . في تلك اللحظة قفز جون عائدا إلى منطقة الراحة الخاصة به . ولكن ريتشارد فكر في الأمور بشكل مختلف ، سأل سؤالا مريرا: ماذا نستطيع أن نفعل لإنجاح هذا الأمر ؟ .

 

بدءا يطرحان على الناس أسئلة جيدة حول ما يفضلون قراءته ، وما يثير اهتمامهم ، اكتشفا أن المواضيع التي كانا يكتبان عنها تختلف تمام الاختلاف عن الموضوعات التي كان يرغب الناس بالفعل في قراءتها .

عادا الى لوحة الرسم ، خارجين مرة من منطقة الراحة ، انتجا هذه المرة مجلة احبها الجميع .

 

أنتج نسخا أخرى عديدة ، كان عمر كلا الولدين ١٦ عاما وظلت المجلة تصدر حتى انهيا دراستهما في المدرسة . كان ريتشارد قد اقترح على جون ” هيا ننشيء مجلة خاصة بنا “. ماذا كان رد جون ” ماذا أقول لك .. دعني أفكر في الأمر وساتصل بك ” .

ولكنه ….لم يتصل ابدا …..

 

أنشا ريتشارد بالفعل مجلته الخاصة ، كانت مجلة للطلاب وحققت نجاحا لا بأس به ، وفي خلال عام كون قاعدة لا بأس بها من القراء .

لاحظ ريتشارد أمرا ، وهو أن أكثر الناس استفادة من مجلته كانوا هم الذين يبيعون السلع بالبريد ، بدأ ذلك طريقة ناجحة لإدارة عمل ، كان المال يأتي اولا ، نشتري المنتج بتخفيض ثم نوزعه ، ممتاز ، أراد ريتشارد الخوض في البيع عبر البريد وقرر أن يبيع الالبومات ، لم يكن قد قام بذلك من قبل ، ذلك مرة أخرى كان بمثابة خطوة كبيرة خارج منطقة الراحة .

وقتا طويلا قد مضى منذ أن كان واقفا عند باب المدير ، كان هذا أمرا يسيرا مقارنة بما عليه فعله الان ، حيث يعقد الصفقات ، يشتري الالبومات ، و مرة أخرى بدأت فكرته بالعمل تثمر . ومن الذي تقدمه يلقاه مصادفة سوى صديقه جون ! كان قد مر عامان حينها .

 

قال ريتشارد : لا أكاد أصدق إني قابلتك ، انا في اتم خير ، المجلة تعمل بشكل ممتاز ، ولكني بصدد التعمق في فكرة البيع عبر البريد ، اننا ننشر الاعلانات في المجلات ، وانا منشغل جدا ، هل تريد ان تدير المجلة .

سال جون كيف حالها ؟

حسنا ، تعلم أنها قد تعمل بشكل أفضل ، السيولة النقدية قليلة ولكن دعنا

نحاول على أي حال ، سنكون شركاء ، هل تريد القيام بهذا ؟ .

مرة أخرى قال جون : ريتشارد ، سأتصل بك

لم يتصل ابدا

 

كما نستطيع أن نخمن واصل ريتشارد القيام بالعديد من الأشياء ، ليس فقط في عمله ، ولكنه أخذ يتحدى نفسه جسديا ، تحدى نفسه في أن يكون أسرع من عبر المحيط الأطلنطي بقارب ، كما تحدى نفسه في ان يكون أول من حلق ببالونا عابرا للمحيط الهادي ، لم ينجح من المحاولة الأولى ، لكنه عاد بعد عام ، ابتعد هو وفريقه مرة أخرى عن منطقة الراحة الخاصة بهم ، هذه المرة نجح ريتشارد وفريقه ، كانوا أول من يحلق فوق المحيط الهادي الى نهايته . وبالطبع حظي بمؤتمر صحفي ، كان المؤتمر في صالة رياضية كبيرة في كندا، كان الإعلام العالمي موجودا ، وكان يبث بث حيا من هناك إلى المملكة المتحدة ، كان يعرض على قناة BBC في تلك الليلة . وحينها ، كان هناك رجل جالس مع أسرته التفت لزوجته وقال : كان بإمكاني أن أصبح شريك ريتشارد برانسون في العمل . التفتت زوجته وتثاءبت وقالت : نعم ، اعرف يا جون . لابد أنه كان قد روى هذه القصة عما كان بإمكانه تحقيقه الف مرة .

 

من يدري ما الذي كان ليحدث لو أن جون إنضم الى ريتشارد في مغامرات عمله ؟ لم يعط نفسه قط الفرصة ليكتشف ذلك ، ولن يعرف ابدا ، لماذا ؟ لأنه لم يستطع الخروج من منطقة راحته .

 

جون هو مثال للكثير من الناس الذين لا يستطيعون الخروج من منطقة راحتهم ، فهم مهتمون بالبقاء في راحة بدلا من البحث عن طريق لنموهم .

 

إذن عليك أن تدفع نفسك خارج هذه الدائرة ، لا تضيع الوقت في التماطل ، أعقد العزم على إتخاذ القرار الصعب ، بأن تخرج من منطقة راحتك ، أفعل الأشياء التي لم تفعلها سابقا ، قم بتجربة أمور جديدة ، اتخذ الخطوة الأولى وشاهد كيف ان حياتك سوف تبدأ بالتغير ، شاهد نفسك وانت تتحول الى الشخص الذي طالما أردت أن تكونه ، أخرج من أجل نفسك.

رأي واحد على “القرار الصعب”

  1. موضوع كلش حلو عاشت أيديج، اكيد عجبتني فقرة المثال وربطه بالموضوع لتوصيل الفكرة. الخروج من المساحة الضيقة أو حدود حياتنا الروتينية أو ما يسمى بال comfort zone هو من الأمور الصعبة وفيها كثير من التحدي لكن ضروري كل إنسان يحاول أن يتخطاها ولو بشكل تدريجي، شوية شوية يعني ?

اترك رد