جدار بين ظلمتين

 

“جدار بين ظلمتين” هو سيرة ذاتية لمرحلة زمنية من حياة فيلسوف العمارة العراقية رفعة الجادرجي،  الذي نشرنا عنه قبل أشهر مقال من ضمن سلسلة أعلام من بلادي

من اعلام بلادي – رفعة الجادرجي

الكتاب يدور حول أحداث جرت في العام 1978، اعتقاله المفاجئ و الاحداث التي تبعتها لحين اطلاق سراحه، المفاجئ ايضا.

بدأ تدوين وعمل هذا الكتاب بعد 15 سنة من تلك الاحداث التي جرت بين 16 كانون الثاني من عام 1978 وتاريخ اطلاق سراح رفعة الجادرجي بتاريخ 20 اب العام 1981 والى حين مغادرته وعائلته العراق الى انكلترا في اواخر العام 1982. تم طباعة ونشر  الطبعة الورقية الاولى عام 2000 عن دار الساقي للنشر في بيروت، لبنان.

تمت صياغة الكتاب على شكل تدوين مذكرات بقلم كل من الجادرجي وزوجته السيدة بلقيس شرارة، كل بمعزل عن الاخر، كل منهما يروي تجربته خلال تلك الفترة وماحملت معه من معاني مختلفة لمفهوم الظلمة: بلقيس كتبت عن ظلمة الغفلة، ظلمة فراق زوجها وشريك حياتها.  كذلك كتبت عن ظلمة اناس ومجتمع وغيرها الكثير. بين بلقيس وزوجها جدار عالي لايمكن تجاوزه. على الجانب الاخر من هذا الجدار كان رفعة الجادرجي في ظلمة من نوع اخر، تهمة لااساس لها لامن قريب او من بعيد، ومن ثم ظلمات الزنزانة، الواحدة تلو الاخرى، بدأت في دهاليز المخابرات العامة واستمرت في سجن ابو غريب.

عن مفهوم “الظلمة” في الكتاب ومعانيها يقول مؤلفي الكتاب:

“لم نقدم على تحريك كلمة «الظلمة» التي جاءت في عنوان الكتاب، فيمكن أن تُقرأ بدلالة معنيين: الظََّلم: الليل الشديد الظلام، وظَلِمَ: أظلم الليل واسودّ، الظُّلْمة: ذهاب النور، بينما دلالة الظُّلم: ظَلَم، هي عدم الإنصاف، وانتقاص الحق، والجور. فالظُّلمة دلالة على سلطوية النظام وانتقاص حق الفرد، ما يجعل حياة أفراد المجتمع ظلمة، شديدة العتمة والبؤس، لذا يتداخل المعنيان في تكملة متمّمة فدلالتها هي ظلمة السلطة وعتمة الحياة.”

الكتاب شهادة رجل له مكانته ومنزلته من خلال اعماله الخالدة وسمعته كونه واحد من اعظم المعماريين في تاريخ العراق فيه يكتب عن ممارسات نظام سياسي حكم العراق في فترة السبعينيات والثمانينيات، التركيبة الشخصية والنفسية لافراد على قمة هرم النظام السياسي وعن كيفية ادارتهم وتفردهم في اتخاذ القرارت لاشباع رغبات داخلية دفينة او لتحقيق طموحات شخصية تتداخل مع مصائر الافراد وتحدد حاضر ومستقبل المواطن حسب تلك الرغبات. يضم الكتاب ايضا قصص لاناس من مختلف الطبقات الاجتماعية والقوميات والمناطق وحتى من كانت لهم توجهات سياسية كلهم تقاطعت سبلهم مع الجادرجي وزوجته خلال تلك الفترة العصيبة.

من اهم ماجاء في “جدار بين ظلمتين” مواقف الناس وردود افعالهم في مثل هذه الظروف والمحن حين يجد المرء نفسه في دوامة المحنة لكنه ايضا يدور وسط عاصفة  الاخبار والاشاعات المتضاربة بين التأويل والتضخيم لتصل مشتتة ومتناقضة ومنها من يزيد من جرح المحنة والامها. بالاضافة الى معاناة بلقيس شرارة والخوف من المجهول، فانها مرت بعدة مواقف ولدت شعور بالاحباط وخيبة الامل (والخديعة احيانا) من كثيرين ممن كانوا “محسوبين” على اصدقاء العمر او كانوا من المقربين. كنتيجة تغيرت لديها مفاهيم كثيرة تجاه الحياة، تجاه ماكانت تراه جميل في الماضي من افراد واماكن.

مايهمنا من مراجعة كتاب مهم مثل “جدار بين ظلمتين” نقل الواقع كما هو عليه اليوم وان نكتب عن الماضي حتى لو كان حزينا او مإساويا لكي ندرس احداثه ونتعلم منها لضمان مستقبل افضل. لكن الاهم هو ان نسلط الضوء ونذكر ماهو ايجابي، اولها ما ذكرته السيدة شرارة عن المخلصين. كان هناك من وقف معها و مع عائلة زوجها بالرغم من صخرة الخوف الجاثمة على صدور كل العراقيين. استطاعت بلقيس ان ترى الامل مرات ومرات من خلال الخيرين والاصلاء، كان الامل سبيل لتخفيف الصدمة، ليس فقط صدمة الفراق والبعد عن زوجها وانما لتقلل صدمتها ببعض الناس.

الصبر والقوة صفتان ان اجتمعوا استطاع المرء المرور باصعب الظروف. لم يستسلم رفعة الجادرجي او بلقيس شرارة للقدر او للمكتوب ولم يجلسوا يندبوا حظهم وقسمتهم فيما الت اليه الامور. بالعكس. كانت بلقيس تبحث في وسيلة لاستبيان الحقيقة وايجاد السبل من اجل اطلاق سراح زوجها. على الجانب الاخر تحمل رفعة ظروف السجن بما فيها من عوامل محبطة لمفهوم الانسانية من ناحية المأكل والمشرب وقضاء الحاجة ناهيك عن المعاملة المهينة من بعض المسؤولين… نحن نتكلم عن سجون المخابرات وسجن ابو غريب.

مثال اخر عن الايجابية التي تحلى بها رفعة الجادرجي وكذلك زوجته خلال تلك الفترة العصيبة: رجل محكوم بالمؤبد ظلما ومع كم هائل من الاحباطات لكنه بقي مخلصا لنفسه، لشخصيته، ان يخلق من ظرفه الصعب اسلوب حياة تحترم انسانيته، تصون كرامته، وتحافظ على منزلته. واحدة من اهم النتائج هي في اكمال ثلاثة كتب تقريبا خلال فترة محكوميته في السجن. تقول بلقيس شرارة عن ذلك: “كان عدد الكتب التي قرأها رفعة خلال الخمسة عشر شهراً التي قضاها في السجن، مائة وستين كتاباً، واستنسخت له صفحات وفصولاً من مئة وعشرين كتاباً. كتب خلالها كتاب )صورة أب( و) شارع طه وهامرسمث( و)معظم كتاب الأخيضر والقصر البلوري.(”

في مقدمة الكتاب يذكر مؤلفوه ان الهدف من وراء نشر هذه المعلومات لكي تساهم في خلق فكر سياسي متمدن يستطيع النمو والنضوج بعيدا عن التشبت بالماضي. ليس ذلك فحسب وانما مهم جدا ان لانسمح لذلك الماضي وخاصة كنتيجة للوضع الحالي للبلد من اكثر من  15عام ان يكون سبب في بناء جدار عالي يتسبب في ان ينقسم الشعب بين ظلمتين.

 

أحمد طاهر

اترك رد