ثورة 14 تموز 1958 – اراء وتفسيرات

تمر اليوم الذكرى ال61 على انتقال العراق من الحكم الملكي الى النظام الجمهوري عقب انقلاب قاده الجيش. وسط احباط وحزن وغضب مما وصل البلد اليه من العام 2003 والى الان يختلف العراقيون في الرأي اليوم بين مع وضد اكثر من اي وقت مضى. ولانه هذا الحدث يمثل النقطة الفاصلة الاهم على الاطلاق في التاريخ المعاصر للعراق واذا اردنا استشفاف الدروس فعلينا ان نقرأ التاريخ بموضوعية بحتة لمعرفة اسبابه بعيدا عن النتائج او المقارنة بين امس واليوم.

كتب المؤرخ الاستاذ الدكتور ابراهيم العلاف على صفحته الخاصة مقالا مهما صباح اليوم يستحق القراءة والبحث بعمق لما فيه من معلومات غزيرة ومصادر وتحليل بخصوص انقلاب / ثورة 14 تموز 1958، اسبابه، تأثيراته، ردود الفعل في الوطن العربي والعالم وخاصة الغرب.

ثورة 14 تموز 1958 :آراء وتفسيرات*

ا.د. براهيم خليل العلاف

أستاذ التاريخ الحديث  المتمرس – جامعة الموصل

تعرضت ثورة 14 تموز-يوليو 1958 إلى كثير من التفسيرات، بشأن أهدافها، ومساراتها ونتائجها مع أنها تعد من أبرز الإحداث التي وقعت في منطقة الوطن العربي ودول الجوار في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، وقد قيمت هذه الثورة من قبل القوى الوطنية العراقية ،والقوى القومية العربية تقييما ايجابيا من خلال التأكيد على قيمتها الحقيقية كنقطة تحول خطيرة في تاريخ العراق والأمة العربية .فضلا عن اعتبارها ثورة وطنية ، وقومية ، وتقدمية في طبيعتها الأساسية، غير أن الممسكين بزمامها سرعان ما ابتعدوا عن أهدافها الحقيقية ،ودخلوا في صراعات فيما بينهم دفع الشعب العراقي ثمنها غاليا .

ولئن حاول البعض من الباحثين والمؤرخين ،ومنهم الأستاذ الصحفي المصري محمد حسنين هيكل في كتابه: (( سنوات الغليان )) ،أن يصور في كتاباته، أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت على علم بالثورة ،وأنها كانت مهتمة طوال سنة 1957 بإجراء تقديرات عن احتمالات المستقبل في بغداد ، إلا أن (اندرو تولي) في كتابه عن ((وكالة المخابرات المركزية الأمريكية)) ، الذي نشر سنة 1958 يؤكد بان الثورة :((كانت مفاجأة مذهلة للحكومة الأمريكية)) إلى درجة أن (وليم فولبرايت)، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي ، اقترح آنذاك استدعاء (ألن دالاس) مسؤول المخابرات للتحقيق معه، ((منعا لكوارث مماثلة للثورة العراقية (على حد تعبيره) يمكن أن تلحق الأضرار الفادحة بالأمن القومي الأمريكي وبأمن العالم)).

كان في بغداد قبيل الثورة ، صحفي بريطاني يراسل (صحيفة الاوبزرفر) اللندنية، وقد شاهد أحداث الثورة بأم عينيه، وكتب بعد اندلاعها بوقت قصير كتابا بعنوان :(ثورة العراق) وباسم مستعار هو (كاركتاكوس) ،وقد ترجم خيري حماد الكتاب، ونشره ببيروت سنة 1958، وفي هذا الكتاب يعزو (كاركتاكوس) الثورة إلى عدم فهم السياسيين البريطانيين للمتغيرات الجديدة في المنطقة ، وأبرزها تنامي حركة التحرر العربية.

أما السياسي والقانوني العراقي المعروف حسين جميل، والذي كان يعمل سفيرا بالهند، فقد ألقى محاضرة عن الثورة في نيودلهي بعد شهر واحد من وقوعها ،وطبعت المحاضرة في كتاب عنوانه: (العراق الجديد) قال في هذا الكتاب عن أسباب الثورة : ( إن الطبقة الحاكمة في العراق لم تستطع أن تدرك أن المجتمع العراقي كان قد تحول ، بالرغم من محاولتها المحافظة على الأوضاع فيه) (وقمع الحركة لمنع انتقال السلطة إلى الشعب عن طريق ممثليه الحقيقيين الذين يعملون لصالحه).

وقد وصل الاستاذ جميل إلى نتيجة مهمة مؤداها أن : ((ثورة 14 تموز 1958 ، كانت انطلاقه للقوى الاجتماعية المتطورة اقتصاديا، والتي منعها النظام القديم من أن تشغل المركز الذي يؤهلها لها ذلك التطور الاقتصادي)).

وذهب الدكتور مجيد خدوري، في كتابه (العراق الجمهوري) المنشور في لندن بالانكليزية سنة 1969 ،والمترجم إلى العربية سنة 1974 إلى أن أسباب الثورة عميقة وتكمن في ((أن الجيل الجديد في العراق شعر بالهوة التي تفصله عن الجيل القديم ، فسعى إلى الاشتراك في السلطة.. فلم يجد المجال، بل العكس كان مضطهدا ،فبدأت روح التذمر من الأسفل إلى الأعلى وفي الوقت ذاته كان في هذا الجيل يشعر بقوته وقابلياته للمشاركة في الحياة العامة، ولكنه لم يجد مجالا للاشتراك فحصل الضغط الاجتماعي، وقد حصل في تجربة العراق أن الضباط الأحرار استجابوا لمطامح هذا الجيل فكانت الثورة)).

وحاول الاستاذ الدكتور فاضل حسين أستاذ التاريخ الحديث في جامعة بغداد من خلال كتابه: (سقوط النظام الملكي في العراق)أن يجمع في كتابه ويحلل مجموعة الأحداث التي سبقت ورافقت أيام الثورة مطعما بمشاهدة وروايات بعض قادتها ورجالاتها المدنيين والعسكريين. وقد أورد المؤلف ما يشير إلى ما اسماه (علاقة الانكليز بالثورة) ، لكننا لم نجد لهذا الرأي أساسا فيما نشر على الأقل ،من الوثائق البريطانية التي أفرج عنها بعد مرور 30 عاما وتولى عدد من الباحثين العراقيين ومنهم الأستاذ الدكتور مؤيد الونداوي ترجمتها ونشرها أو التعليق عليها فلقد ثبت اليوم، وبعد الاطلاع على الوثائق البريطانية أن مارجح الأستاذ الدكتور فاضل حسين صحته غير دقيق، فالانكليز فوجئوا بالثورة بل اخذوا على حين غرة

وهناك من درس ثورة 14 تموز –يوليو 1958 من خلال ادوار (القوى السياسية) أو( الصراع الأيدلوجي) الذي ظهر بعدها بقليل ويمكن أن نورد رسالة الدكتور محمد كاظم علي التي نشرت ببغداد سنة 1989 بعنوان: (العراق في عهد عبد الكريم قاسم :دراسة في القوى السياسية والصراع الأيدلوجي 1958-1963 ) .

إننا في هذا الحيز المقتضب لانريد أن نكثر من التفاصيل عن طبيعة ثورة 14 تموز 1958،لكن لابد أن نؤكد بان هذه الثورة قد كان تأثيرها في واقع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي كبيرا فضلا عن أنها كانت جزءا لايتجزا من حركة التحرر الوطني في المنطقة العربية والعالم الثالث كله ،ومع هذا فالباب مفتوح أمام من يرغب في الكتابة عنها ،وتحليل أهدافها ومعطياتها وما تمخضت عنه من نتائج حين يعثر على مصادر ووثائق جديدة، أو حين تظهر لديه رؤية جديدة يفسر بموجبها الثورة .

للمزيد من المقالات والكتابات زوروا مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي :

wwwallafblogspotcom.blogspot.com

 

الصورة  أسوشيتد برس: تتحرك المركبات العسكرية ببطء في الشوارع المزدحمة في بغداد ، العراق ، 14 يوليو 1958 ، بعد ساعات قليلة من قيام الجيش بانقلاب ، والسيطرة على البلاد ، والإطاحة بالنظام الملكي ، وإعلان جمهورية. قتل الملك فيصل الثاني وولي العهد الأمير عبد الله في قصره في ذروة الانقلاب.

اترك رد