اطلال الماضي ورموزه

نشرت صديقة ظهر امس على احدى الصفحات صورة لنصب الجندي المجهول في احدى مراحل بناءه.

كما نعلم فان هذا الصرح العملاق هو من تصميم فيلسوف العمارة والهندسة رفعة الجادرجي في العام 1958 – تفاصيل تلك القصة من ضمن سيرة الجادرجي على موقعنا (عراقٌ انا). تم ازالة النصب في العام 1982 بامر رئاسي وتشييد نصب بديل في مكان اخر من العاصمة بغداد، وبعد اعوام تم نصب تمثال عملاق لرئيس النظام السابق مكان النصب الاصلي للجندي المجهول والذي اصبحت صور انزاله وتحطيمه في العام 2003 رمزا لسقوط النظام عقب الغزو الامريكي القبيح للعراق. صادف قبل ذلك في الصباح كنت استمع الى مقابلة مع صحفي الBBC هايما كونزاليز حول فلمه الوثائقي الخاص بضلوع اجداده في تجارة العبيد وعن رحلة البحث التي بدأت قبل عام عقب قرار بلدية مدينة برشلونة الاسبانية بازالة تمثال انتونيو لوبيز، احد اعظم التجار الاسبان في القرن التاسع عشر. تسبب القرار بازالة تمثال لوبيز في الكثير من الجدل بين شجب لانه يمثل بمثابة محو لجزء من تاريخ المدينة وشخصياتها، وبين من اشاد بخطوة البلدية لمعرفتهم ان هذا التاجر كانت له يد في تجارة العبيد.

لقراءة المزيد عن المقابلة مع الصحفي هايما كونزاليز وقصة بحثه في التاريخ والاكتشاف الصاعق عن اسلافه افتح الرابط التالي.

عن التاريخ وتزوير المنتصر

يقول هايما كونزاليز عن ازالة التماثيل المرتبطة بحقبة زمنية معينة “يجب ازالة تلك التماثيل في يوم من الايام، لكنه من الافضل ان نقوم باعادة انتاج ماتمثله تلك التماثيل. ان قمنا بازالة التمثال من موقعه الاصلي فانك ستزيل فصل معين من تاريخ بلدك ولن تستطيع ان تشرح تفاصيله للاجيال القادمة. لكنك تستطيع بسهولة ان تنقل ذلك الصرح او التمثال من مكانه الى المتحف وعندها تستطيع اعادة انتاج او تقديم الشخصية التي يجسدها هذا التمثال: من هو، ماهي سيرته، وماالذي حدث معه… والاهم هو الاجابة على السؤال كيف لنا اليوم ان نمنع حدوث الافعال التي قام بها في الماضي.

في العام 1990 حصلت ليتوانيا على استقلالها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.  وكرد فعل لذلك فان العديد من التماثيل والرموز التي تعود الى تلك الحقبة تم انزالها، ازالتها او تدميرها.  لكن في العام 2001 تقدم رجل الاعمال الواسع النفوذ فيليوماس ماليناوسكاس Viliumas Malinauskas طلبا الى الحكومة بالاستحواذ على تلك التماثيل والاثار والرموز الخاصة بحقبة الاتحاد السوفيتي وجمعها في مكان واحد للعرض والفائدة لما تحمله من اهمية تاريخية وتعليمية للاجيال القادمة. هكذا نشأت فكرة منتزه گروتاز ، او (گروتاز بارك)… او ماعرف بعد ذلك باسم (عالم ستالين).  اضيف اليه لاحقا معروضات اخرى تمثل تلك الحقبة الزمنية مثل الاسلاك الشائكة وابراج المراقبة ومعسكرات الاعتقال. حصل رجل الاعمال ومنتزهه هذا في العام 2001 على جائزة نوبل للسلام. يحوي المنتزه على 86 تمثالا و46 من القطع الاثرية معظمها صنع في ليتوانيا لشخصيات ومفكرين وزعماء مثل لينين وستالين وكارل ماركس وكذلك لضباط وعسكريين كبار في الجيش الاحمر انذاك.

تقول مجلة الايكونوميست عن (عالم ستالين) “بينما تتصارع الدول مع ماضيها المأساوي والقبيح، ومازالت فكرة ايجاد المكان المناسب لها هي فكرة مثيرة للجدل، فان هذا المتنزه يقدم الفكرة البديلة عن المتاحف، او التدمير”.

نسترجع من هذه القصص وغيرها احداث جرت في العراق حددت معظمها مصير الكثير من الاثار والنصب والتماثيل – ولا اخص فترة زمنية محددة وانما عموما ومع كل تغيير سياسي طرأ على البلاد. تمثال السعدون الاصلي، تمثال الجنرال مود، ماتبقى من بوابة بغداد المدورة في الشيخ عمر، تماثيل زعماء وحكام اخرين، هذه امثلة من بحر من المعالم المهمة.. هل نحن كعراقيون جاهزون فعليا لنقوم بالفعل والعمل على الارض للحفاظ على تاريخنا وليس فقط الجلوس و الافتخار بذلك التاريخ؟ هل تتواجد الجهود للقيام بذلك؟ ولكن قبل ذلك اليس من الاولى ان نوجه الاهتمام والحرص على الاثار والتماثيل والنصب القائمة اليوم؟ ان نمنع التخريب والسرقة وغياب الوعي والجهل، والاهم ان نشجع الجمال والرقي في تلك الاعمال الفنية بغض النظر عن طبيعتها.  يجب ان تكون هذه النصب والتماثيل في مناهجنا التعليمية، على شاشات قنواتنا الكثيرة، على صفحاتنا الشخصية. السئ والمحزن من تلك المعالم يجب ان تبقى لتذكرنا بماضي ولى لكي نتعلم منه كيف نبني مستقبل افضل.

 

بقلم وترجمة وتصميم الصورة: احمد طاهر

اترك رد