عن التاريخ وتزوير المنتصر

كنت استمع صباح يوم امس الى مقابلة مع صحفي الBBC هايما كونزاليز حول الفلم الوثائقي الذي اكمله عن تاريخ تجارة العبيد في الفترة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر وقصص نقلهم من افريقيا الى الامريكيتين واوروبا.  بدأ الصحفي رحلة البحث في هذا الموضوع قبل عام عندما قامت بلدية مدينة برشلونة الاسبانية بازالة تمثال انتونيو لوبيز، احد ابرز الشخصيات التي ساهمت في انعاش اقتصاد المدينة في القرن التاسع عشر. اثار حدث ازالة تمثال انتونيو لوبيز الكثير من الجدل بين معارض شجب الاجراء باعتباره محاولة لمحو جزء من تاريخ المدينة وشخصياتها، وبين من اشاد بالاجراء لمعرفتهم ان هذا التاجر كانت له يد ودور في تجارة العبيد.

ومن هذا الحدث بدأ هذا الصحفي الشاب رحلته في البحث وكانت المفاجأة الكبرى عندما اكتشف علاقة اسلافه واجداده المباشرة وضلوعهم في تجارة العبيد. كان هذا عندما قدم احد المؤرخين الاسبان له مجموعة من الوثائق تحكي عن احد اسلافه الذي كان تاجر كبير في برشلونة كان يعيش في تشيلي لفترة من الزمن وكان يمول ويقوم بتأمين الرحلات البحرية لنقل الرق والعبيد من افريقيا الى مناطق البحر الكاريبي.  وتذكر احدى الوثائق انه في العام 1839 اوقفت البحرية الملكية البريطانية احدى تلك السفن والقبض على طاقمها، وكان على متنها 300 شخص تم اخذهم من مناطقهم في افريقيا لبيعهم كعبيد. في تلك الفترة كانت قد مرت 15-20 عاما على تعميم اجراء يمنع التجارة بالعبيد ونقلهم عبر البحار.

وتستمر رحلة البحث للصحفي ليكتشف وثائق اخرى عن شخص اخر من اسلافه ومراسلاته مع تجار اوروبيون تثبت ضلوعه في تجارة العبيد في القرن الثامن عشر.

يصل كونزاليز الى استنتاج من خلال مقابلاته وبحثه في الوثائق التاريخية ان معظم كبار التجار ورجال الاعمال في برشلونة القرن التاسع عشر كانت لهم يد في تمويل ودعم والمشاركة في تجارة البشر، والعديد من سكان المدينة القدماء يعلمون بهذه الحقيقة لكن المفارقة انهم لايرغبون بالتحدث عن الموضوع. الحقيقة الثانية هي ان العديد من سكان مقاطعة كاتالونيا شمال اسبانيا كانوا ضالعين بشكل كبير في ذلك الزمن بنشاطهم في تجارة العبيد خصوصا في الفترة التي كان فيها منع مثل هذه التجارة ساري المفتول ويرجع ذلك الى ما تجنيه من ارباح نتيجة للمخاطرة بالشكل الرئيسي.

الخلاصة من هذه القصة ان التاريخ الحقيقي لايمكن اخفاؤه ولايمكن تزويره ابدا حتى لو تكالبت عليه كل القوى والموارد عبر الزمن لتغييره (او تزويره) ومهما تغيرت المفاهيم اليوم عن تلك التي كان يؤمن بها البشر قبل 300 عام، ومهما حاول البعض اعادة كتابة التاريخ بالشكل الذي يروه مناسبا.

وفي هذا السياق فانه امر خطير جدا وكارثي ان لايعلم الناس شئ عن تاريخهم، لانهم بالتالي لن يتعلموا ابدا من الاخطاء التي وقع فيها اسلافهم في الماضي. لذلك فاذا كانت لدينا المعرفة والاطلاع باحداث الماضي فانه من السهل جدا ان نصل الى ادراك وفهم رصينين لمشاكل اليوم، سياسية كانت او اقتصادية او اجتماعية وحتى اخلاقية.

مثال ذلك موضوع البحث الذي عرضه الصحفي الاسباني السابق الذكر، فالاطلاع ودراسة الماضي المؤلم والمأساوي للافارقة الذين تم خطفهم من قراهم ليعملوا عبيد في الولايات المتحدة سيساعدنا في فهم طبيعة العنصرية والتفرقة ورفض الاخر التي نشهدها في ذلك البلد اليوم وبالتالي وضع الاسس والاساليب لردع مثل هذه الممارسات المهينة والمخجلة لمفهوم الانسان وحقوقه.

بقلم وترجمة وتصميم الصورة: احمد طاهر

المقابلة الكاملة تجدوه من ضمن التسجيل الصوتي على صفحة ال-bbc

ردّ واحد على “عن التاريخ وتزوير المنتصر”

  1. أحسنت التطرق إلى هذا الموضوع المهم. علينا جميعا البحث الموضوعي عن تاريخنا “الزين و الشين” للتعلم و الاستفادة من العبرات.

اترك رد