مواقف واجهتني في آخر خفارتين في طوارئ مدينة الطب

#نشر_الدكتور_احمد_عقيل_شاكر
مواقف واجهتني في آخر خفارتين
المكان: طوارئ مدينة الطب

الموقف الأول:
مما لا يخفى عليكم هي الاعداد المخيفة المتزايدة هذه الايام للمصابين.
بطبيعة الحال، الاوكسجين في المستشفى لا يكفي لتغطية كافة المصابين.
شنو اللي ديصير حاليا؟ وصلت مرحلة كل مريضين اخليهم على قنينة اوكسجين وحدة!
دتتصورون الموقف؟ هذا الاوكسجين هو حياتة لهذا الشخص و نفسة اللي يعيشة، و من دونة يموت، اخلي مريضين على كل قنينة، كل شوية واحد منهم ياخذ كم نفس و ينطي للمريض الآخر، لحد ما يتخربط و يرجع يتنفس شوية علي، و يعوفة مرة لخ!

الموقف الثاني:
مريضة متوسطة العمر وياها ابنها و بنتها اعمارهم نهاية العشرينات، اجتي للطوارئ كالمعتاد تعاني من صخونة و نحول شديد و كحة و انخفاض شديد في نسبة الاوكسجين في الدم، المفراس الحلزوني للصدر يبين انتشار الفايروس في كل اجزاء الرئة تقريباً، كل شيء يدل على انتشار الفايروس لمرحلة متقدمة جداً في جسدها.
توفيت المريضة بعد ١٠ ساعات من دخولها للطوارئ.
اتجهت لمكان جلوس الطبيب في الطوارئ لكتابة ملاحظات الوفاة و الساعة و التأريخ، رجعت لتسليم الكارت للأهل، شنو اللي شفتة؟
الابن مكابل والدتة المتوفية على سريريها و يسويلها اجرائات الانعاش الرئوي، و يضغط على صدرها و يحاول يحييها، و البنت تبوس بيها و حاضنتها ممصدكة باللي دتشوفة عينها.
موقف مخيف! متعرف تنتقد الاهل لان مملتزمين بأجرائات سلامتهم و معرضين نفسهم لهيج خطورة بشكل مباشر لو تنقهر عليهم و عالحالة الهستيرية اللي هم بيها!

الموقف الثالث:
احد المرضى الكبار في السن راقد في الطوارئ لأكثر من يومين بأنتظار نتيجة المسحة، مرافقي هذا المريض الثلاثة يكاد ان لا تمر ١٠ دقائق من دون ان يسألونا عن حالة مريضهم (دكتور حيعيش حيموت؟ دكتور ليش مطلعت المسحة لي هسة؟ دكتور صار يومين ماكو جارة، دكتور دكتور…).
لاحقاً… الوقت: الساعة ال٤ و نصف صباحاً، شوية هدأت الطوارئ، اني و زميلي تذكرنة هذا المريض مرت ساعتين من دون ان نرى اي من مرافقيه او شكاويهم، ، كان هذا بالأمر المريب، زميلي ذهب لفحص المريض.
شنو اللي شفنا؟
المريض نايم على السرير، منزوع منه قناع الاوكسجين، و فتحة الاوكسجين الرئيسية قد تم اغلاقها عمداً!
المفاجئة الاكبر؟ مرافقين المريض غير موجودين و غادروا المستشفى و لم نسمع منهم منذ اكثر من ساعتين.
المريض؟ بعد الفحص تبين انه توفي بالتأكيد من دون الاوكسجين المنزوع منه، و لا تزال الشكوك تراود هذه الحادثة و دوافعها!

الموقف الرابع:
الساعة 7:55 صباحاً، ٥ دقائق قبل انتهاء خفارتي الليلية.
مريضة، والدة طبيب زميلنا (صدف ان كان هذا الطبيب خفر ويانة في نفس الخفارة) استقبلناها في الطوارئ تشكو من نحول و صخونة لمدة يومين فقط لا غير، نسبة الاوكسجين في الدم قليلة جدا!!
احد اخطر الاعراض السريرية لفايروس كورونا اللي دنلاحظها هذه الايام هو “نقص الاكسجة الصامت”، الرئة تبدي تدريجيا تتآكل و يتزامن هذا مع تكيف الجسم، فالمصاب لا يشكو من اي اعراض في المراحل المبكرة.
خليناها على اوكسجين بالسرعة الممكنة و سوينالهة مفراس، توفيت بعد ٢٠ دقيقة من دخول الطوارئ.
اثناء اجراء بروتوكولات الانعاش الرئوي وقف ابنها الطبيب جانباً و لم يستطع التدخل!
شكد ما اكتب ما اكدر اوصف كمية المشاعر في هذا الموقف! صعب جدا جدا..

الموقف الخامس:
استقبلنا نداء عن وصول احد مرضى سرطان الدم الى الطوارئ في غضون ١٠ دقائق. استغليت فرصة توفي احد المرضى قبل قليل لحجز قنينة الاوكسجين لمريض سرطان الدم القادم.
بهالأثناء استقبلنا حالة مستقرة نسبيا لمريض و زوجته مصابين بفايروس كورونا يكادون ان لا يشكون من اي اعراض، الزوج شاف قنينة الاوكسجين و طلب استعمالها، رفضت هالشي و وضحت انه محجوزة لمريض سرطان الدم القادم للطوارئ و كون حالته و حالة زوجته مستقرة و لا تتطلب اوكسجين.
دقيقة وحدة و اشوف احد معيني الطوارئ شايل قنينة الاوكسجين راكضاً لزوجة هذا المريض و بدأت هي بأستعمال القنينة بعد ما اعطى الزوج مبلغ مالي معين لهذا المعين.
تتسائلون شنو موقفي اني كطبيب؟ ببساطة خليت مريض سرطان الدم يتشارك قنينة اخرى مع مريض تعبان اخر.
ليش؟ لان اي تصرف أمني او مشاجرة افتعلها مع هذا المريض و زوجتهة حتنعكس نتائجها على الكادر الصحي و حتلهينا عن رعاية المرضى المتبقين في ضل هذا الزخم الكبير، و سيئاتها حتكون اكبر من ايجابياتها. اي نعم هذا اللي صار بدون اي مبالغة!

الموقف السادس:
موقف متكرر كل يوم نسمعة من مرافقي مرضانا.
دكتور ليش ما عدكم اوكسجين؟ ليش متنطونة اوكسجين؟ وين اودي ابوية، امي كل المستشفيات مقبطة؟ ليش متخلون الله بين عيونكم يا اطباء؟
دكتور هالعلاج ليش ما عدكميا بالطوارئ؟ دكتور وين انسانيتكم اجيبلك ابوية متخربط و تكلي ما عدكم سرير انعاش او تحويل لمستشفى العزل؟

بالرغم من كل التعب و كلشي دا اقدمة كطبيب، و هذا واجبي دا اسوي!
اكثر شغلة تحز بية تعرفون شنو؟ اكثر شعور مؤذي و محبط هو عندما المريض يحملني مسؤولية سيئات النظام الصحي، ميكول هذا طبيب يحاول يعالجني بأبسط المواد اللي متوفرة الة، يتصور انه الحل و الربط بأيدي و مدا اقدملة الرعاية اللي يستحقها.

اقرب الصورة اكثر؟
حرفياً الطبيب والممرض العراقي هو مقاتل جاي لساحة معركة بدون اسلحة و عتاد.

الجيش الابيض

**********************************

الصورة من قسم الطوارئ من جريدة الصباح

Please follow and like us:

اترك رد