متحف أربيل

حب التراث وعمقه الحضاري أشبه بأمر فطري دفع مختصيه منذ منتصف ستينيات القرن الماضي إلى إنشاء متحف خاص بإرث الحضارات العراقية داخل بناية صغيرة في محلة المنارة بمحافظة أربيل (شمالي العراق) بموجودات قطع أثرية محدودة.

وفي السبعينيات من القرن الماضي تم نقل المتحف إلى دار أحمد الجلبي داخل قلعة أربيل بعد أن تم استملاك الدور التراثية فيها وترميمها ليستغل البيت رسميا كمتحف للآثار وإرسال العديد من القطع الأثرية إليه من بغداد بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار، وقد شملت جميع الأدوار الحضارية.

هكذا كانت بداية نشأة المتحف الحضاري في أربيل كما تحدث عنها للجزيرة نت معاون مدير المتحف قدري علي عبد الله. وأوضح: الإدارة المحلية للمدينة باشرت عام 1985 بناء متحف جديد في تل قالينج آغا وتم استكماله عام 1989 لينتقل المتحف بعدها إلى موقعه الجديد الذي مازال قائما حتى اليوم بقاعاته الثلاث

جمال العرض
مثل هذه الأماكن ليس واردا فيها التغاضي عن التوخي بأسلوب العرض، فطريقة الترتيب جزء مهم لمثل هذه التحف النادرة، وعن طريقة عرض القطع الأثرية يقول قدري إنهم استخدموا أحدث الطرق والأساليب العلمية المتبعة في المتاحف العالمية بعد الاستعانة بعدد من الطاقات والخبرات في هذا المجال ليتم عرضها بحسب الترتيب التاريخي.

وتوزع التحف على ثلاث قاعات، ضمت الأولى العصور الحجرية والحضارة السومرية، ويبرز فيها رأس إنسان نياندرتال، ويعود تاريخها إلى قرابة ستين ألف عام، إلى جانب نماذج حجرية تمثل بداية الصناعات الفخارية لأدوات الحياة المختلفة.

وتعرض بالقاعة الثانية آثار الحضارتين الآشورية والحضرية، وأفضل ما يميزها تمثال سنطرق الأول العائد إلى القرن الأول قبل الميلاد.

ويذهب إرث الحضارة الإسلامية إلى أكناف القاعة الثالثة التي زينتها الزخارف الإسلامية الشهيرة بقطعها الأثرية إضافة إلى الفخاريات المزججة.

ومما يزيد القاعات جمالا اختيار إضاءة تتماشى وألوان القطع الأثرية، ويسترسل قدري بالتفاتة تعطي دليلا على تعايشهم واهتمامهم بهذه التحف وعمقها الحضاري قائلا: كل ما يطرأ على المتحف من تعديلات هي أمور قابلة للتغيير والحذف وذلك لاعتقادنا أن المتحف كائن قابل للنمو في المستقبل.

أهمية علمية
تفتقر معظم الجامعات العراقية لمختبرات مكملة للدراسات النظرية عن آثار الحضارات المنصرمة، وهو ما أحال أمثال المتحف الحضاري إلى مرجع للطلبة المتخصصين في مجال الآثار وتاريخ الحضارات في عدة أقسام جامعية، وهو ما أكده الاختصاصي بالتكنولوجيا الحديثة للآثار خليل علي حسين.

وأوضح حسين أن تماثيل كهذه تعود لآلاف السنين هي موروث حضاري من الضروري أن تتعرف الأجيال عليه لمعرفة ماضيها وطبيعة الحياة في تلك الحقب الزمنية، خاصة وأن المتحف يضم آلات غريبة وغير معروفة من قبل الكثير من العوام إلى جانب شخصيات كان لها دور برقي الشعوب وقتها كتمثال الملك سنطرق الأول وأخرى لزعماء قبائل يعود تاريخها إلى الألف الأولى قبل الميلاد.

وقد يتعدى الاهتمام بهذا التاريخ المختصين فيه، وهو ما قالته للجزيرة نت طالبة السادس الإعدادي فردوس عبد الكريم مؤكدة أن مجيئها هو البحث عن أجوبة لأسئلة تراودها كثيرا، فقدمت إلى المتحف لتعرفه عن كثب، وأنها ستجد من المختصين من يعطيها تفصيلا عن كل ما يجول بخاطرها من فضول حول تلك الحضارات خاصة وهي تشاهد الكثير من القطع الأثرية وكأنها صنعت حديثا لكنها تعود إلى آلاف السنين لتكتشف لغزها بتطور الحياة في ذلك الوقت وكيفية تخطيها ظروف الطبيعة الصعبة.

سياحة المثقفين
كأي مكان جميل ومتفرد بنوعيته يتجه صوبه الكثير من السياح، إلا أن الأمر في مثل هذه المتاحف يختلف عن غيرها من الأماكن السياحية الحديثة كالمتنزهات أو الأبراج الشاهقة كون زوارها من النخبة المثقفة التي آثرت المجيء إلى هنا للاغتراف المعرفي من خلال السياحة الفردية أو الجماعية، وهكذا تبدو الرؤية بمنظور الأكاديمي الأستاذ حيدر خالد مولود تجاه متحف أربيل الحضاري.

وعزز قوله بإشارته إلى كم الوفود القادمة من داخل البلاد وخارجها لزيارة المتحف، مؤكدا ضرورة مجيء الطلاب عن طريق الرحلات المدرسية للتعرف على تاريخهم وموروثهم الحضاري لأنه هويتهم الأزلية والأبدية.

حضارات مضت وبقيت آثارها تفرض نفسها على الحاضر رغم كل ما وصل إليه العالم اليوم من عمرانيات، لتجد مختصين لها يبنون صروحها للاحتفاظ بها وتكريسها لأجيال قادمة.

المصدر : الجزيرة

اترك رد