يجب أن يكون هناك ما يعادل Juneteenth في العراق

مع وجود مليون من نسل الأفارقة الذين تم استعبادهم في البلاد، مازالت الحكومة في بغداد بطيئة في عملية الاعتراف رسميًا بدورهم في المنطقة

مقال بقلم رشا العقيدي على موقع مجلة new line الأمريكية

ترجمة أحمد طاهر 

غالبًا ما تكون الحوارات بين الغرب والشرق الأوسط كسولة ومبسطة إلى درجة خلق تشتيت في الانتباه عن المشكلة المطروحة الأساسية. “تمامًا مثل تنظيم القاعدة” أو “لقد أصبحنا ديكتاتورية دينية مثل المملكة العربية السعودية”! كل هذه هي في الواقع طريقة مهذبة للقول “إننا أفضل من البرابرة أصحاب البشرة الداكنة”، وهي في الحقيقة ذريعة لتجنب النظر إلى جوهر الحقيقة والاعتراف بأن حقوق الإنسان الأساسية هي معضلة عالمية لأن صراعات القوة التي صنعها الإنسان متشابهة وأن أصحاب القوة يسعون جاهدين للحفاظ على الوضع الراهن الذي يبقيهم على قمة ذلك  التسلسل الهرمي. في هذا السياق، لا يختلف الغرب والشرق الأوسط كثيرًا. وإذا كان هناك فعل تاريخي ساخر يوحد الكيانين الجغرافيين، فسيكون العبودية: على وجه الخصوص ، استعباد البشر من إفريقيا.

بينما احتفلت أمريكا بذكرى Juneteenth أو “يوم الحرية” للمرة الثانية فقط، كنت قد بدأت في البحث عن أقرب نظير لها في الشرق الأوسط. لم أجد إعلانًا عربيًا يفيد بأن آخر العبيد أصبحوا الآن أحرارًا. فقدت العبودية في البداية جزءًا من شعبيتها عندما أعلن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)  رسالته في مكة. شجب العبودية وأعلن أن جميع المستعبدين يجب أن يتمتعوا بحقوق متساوية. بلال الحبشة ، عبد لأسرة مكية ذات نفوذ قوي، سمع بهذه الرسالة واعتنق الإسلام. أصبح من أوائل المسلمين في مكة ومن أشهرهم فيما بعد. بعد أن تعرض للتعذيب حتى الموت على يد سيده، تم شراء بلال من قبل شخص آخر اعتنق الإسلام وأطلق سراحه. على الرغم من أن الإسلام لا يشجع العبودية ويشجع على تحرير الأفراد، إلا أنه لم يحظر الاسترقاق بشكل صريح. تلاشى مفهوم الاستعباد تدريجياً من تلقاء نفسه على مر القرون، لكن تردد المؤسسات الدينية في إعلانه جريمة لا إنسانية هو الذي فتح الأبواب أمامه للاستمرار على الرغم من رسالة الإسلام للمساواة الاجتماعية.

أحد الأمثلة غير المعروفة أو التي تمت مناقشتها  بشكل خجول عن العبودية بعد انتشار الرسالة المحمدية كانت تجارة الرقيق في منطقة الخليج والقطار العربية. خلال زمن السلالة العباسية أوائل القرن التاسع، اشترى المزارعون في مدينة البصرة في العراق آلاف الرجال من شرق إفريقيا للعمل في تجفيف المستنقعات الملحية الهائلة في المدينة. في اللغة العربية، تمت الإشارة إلى هؤلاء باسم “الزنج”، وهي مشتقة من النطق العربي لكلمة زنجبار ، والتي تعني بدورها “أرض الرجل الأسود”. في حين أن للمصطلح الأخر المستخدم والذي ايضاً يبدأ بحرف “N” و zanj سياقات اجتماعية تاريخية مختلفة تجعل الكلمة الأولى من الكلمتين غير مناسبة وعنصرية، تشير الثانية إلى فترة معينة استُعبد فيها الأفارقة وعاشوا في ظروف بائسة وغير إنسانية. يجب أن تكون هناك كلمة “Z” في اللغة العربية، ولكن حتى يومنا هذا لا توجد. في الواقع، شخصياً أستخدم هذا المصطلح بشكل متعمد في كتابة هذا المقال. تحمل العبيد السود في البصرة ظروف عمل قاسية مع القليل من عوامل البقاء ولعقود، ومثل معظم أشكال الظلم الواقع ولد التمرد من قلب تلك المعاناة.  يعتبر العديد من المؤرخين أن “تمرد الزنج” الذي استمر قرابة 14 عامًا في تلك الحقبة أحد أعنف أحداث العصر العباسي. وهناك مؤرخون آخرون فندوا ذلك التمرد على أساس أنها كانت ثورة اجتماعية واقتصادية وليست ثورة بقيادة العبيد المتحمسين للحرية. يتفق معظم المؤرخين على أنها كانت ثورة اجتماعية مستوحاة من العبيد الذين انضموا إلى البصريين الساخطين لقيام انتفاضة سياسية ضخمة ضد حكامهم في بغداد.

تم إلغاء العبودية رسميًا في العراق تحت الحكم العثماني في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، لا تزال الصور النمطية قائمة حتى يومنا هذا على الرغم من الوعي الاجتماعي المتزايد في العديد من المواضيع الحساسة الأخرى كالأصولية الدينية، وتاريخنا البعيد نوعاً ما عن المثالية ولكنه الذي يتسم بالمبالغة في تمجيده. مع هذا قد تكون هناك أسباب عديدة لعدم مناقشة هذا الجزء من التاريخ في العراق.

أول عمر مهم هو يعيش معظم العراقيين المنحدرين من أصل أفريقي في منطقة الزبير في البصرة، حيث تم جلب معظم أسلافهم. حصر الموضوع جيوغرافياً ضمن منطقة واحدة في جنوب العراق جعل هذه القضية أكثر محلية وأقل منها وطنية. ثانيًا، وربما يكون الأكثر ضررًا، هو مدى شيوع الاستعارات والصور النمطية العنصرية في العراق لدرجة أنه من الصعب التمييز بين نكتة فاترة تستند إلى صورة نمطية من تلك ذات تعليق عنصري مؤذ مبني على “الآخر”. هناك نكات نمطية حول سمات وخصائص معينة للموصل، على سبيل المثال، لكن لا أحد يهاجم وجود مواطن من الموصل.  هذا يختلف بشكل قاطع عن استخدام كلمة “العبد” لوصف العراقي من أصول أفريقية. هناك ما يقدر بمليون عراقي أفريقي في البلاد اليوم، لكن ليس لديهم أي تمثيل سياسي. على الرغم من أن معظمهم يعتبرون شيعة عراقيين ويسمح لهم بالتصويت، إلا أنهم لا يتمتعون بنفس المكانة في المجتمع العراقي مثل مواطنيهم الشيعة من أصول عربية. مع هذا التمييز الاجتماعي وعدم لمس هذه التجربة في باقي أنحاء العراق أو خارج مدينة الزبير، فإن السعي للتمثيل السياسي يبدو منطقيًا. ومع ذلك، تم إسكات جميع المحاولات لتأسيس مثل هذا التمثيل السياسي في نظام ما بعد عام 2003، حرفياً. في عام 2007، تأثراً بالترشح الرئاسي لباراك أوباما في الولايات المتحدة، تأسست “الحركة العراقية الحرة” للدفاع عن حقوق العراقيين الأفارقة. وخاض الحزب أكثر من انتخابات محلية في البصرة لكنه فشل في الفوز بأي مقاعد. في عام 2013 ، اغتيل مؤسسها جلال ذياب. وفقا لدراسة أجراها المعهد الجمهوري الدولي، يعاني العراقيون الأفارقة من فقر مرتفع وانخفاض معدلات التحصيل العلمي.

علمت بوجود عراقيين من أصل أفريقي (لاول مرة في حياتي) في التسعينيات (من القرن الماضي) بينما كنت أستمع لأغاني “خالة ويا خالة” لباسم العلي و “ردت منك تجي” لهيثم يوسف. تتميز كلتا الأغنيتين بإيقاع جذاب سريع يولد ما أشير إليه باسم “عامل الكتف” ، وهو رد فعل ينتقل فيه كتفيك تلقائيًا مع ذلك الإيقاع. تتضمن مقاطع الفيديو مجموعة من الرجال السود المبتهجين يرقصون. علمت لاحقًا أن رقصة “الخشابه” كان أحد الرقصات العديدة في البصرة التي انتشرت بفضل العراقيون الأفارقة. على الرغم من سعادتي في البداية بهذا الاكتشاف، إلا أنه سرعان ما ذكرني بالوقت الذي كان يُنظر فيه إلى الأمريكيين الأفارقة واللاتينيين على أنهم مجرد فنانين ورياضيين. على الرغم من الأهمية التاريخية لثورة الزنج، فلا يوجد ذكر لها في كتب التاريخ العراقية. لم يكن هناك، على حد علمي، أي إقرار أو اعتذار صادر تجاه نسل هؤلاء العبيد الذين يعيشون في البصرة اليوم. صحيح أنهم مواطنون عراقيون كاملون ويتمتعون نظرياً بجميع الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن عراقي، لكن ألا يستحقون Juneteenth أو “يوم الحرية” الخاص بهم؟ مثل هذا الحدث في العراق قد استحق أن يكون في موعده. إذا لم يكن هناك تاريخ معين، فهناك العديد من التواريخ اللاحقة للاختيار من بينها لتجون جزء من احتفالية لحظر مصطلحات “الزنج” و “العبد” من مفرداتنا الاجتماعية أيضًا.

******************************

رشا العقيدي نائبة رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط في مجلة new line الأمريكية. هي باحثة ومحللة عراقية مقيمة في واشنطن العاصمة، ويركز عملها على الجماعات المسلحة، والإسلام السياسي، ومدينتها الأم، الموصل، العراق.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: