القائمة إغلاق

بين الامس واليوم: علاقة الولاة برعيتهم

وانا اقرأ كتاب المفكر المصري احمد امين الذي يحمل عنوان (هارون الرشيد)، لم استطيع منع نفسي من المقارنة بين الامس واليوم فيما يتعلق بنقاط الشبه بين الحكام العرب في القرن العشرين ومايقابلها من ردود افعال شرائح معينة من عامة الشعب .

كم من حاكم عربي نجح في تقمص شخصية الرشيد بصورة مباشرة او غير مباشرة؟ ومنهم من نجح وبجدارة! سواء من خلال استعراضات البذخ وتوزيع العطايا او الافراط في الكرم، او من خلال مشاهد الترف الذي تغشى له الابصار في قصورهم الواسعة، بينما نجد بين ازقة المدن العتيقة عامة الشعب ممن يعيشون ارذل الظروف ومختلف اوجه الفقر ونشهد اقسى ظواهر المذلة والعوز.

يتسائل احمد امين في كتابه عن الف ليلة وليلة، وعن السبب في التركيز على الرشيد من دون غيره من خلفاء المسلمين قبله الذي عند البعض يكادوا ان يكونوا اعظم او اكثر عدالة؟! والجواب يأتي من وجهة نظر الكاتب ان الف ليلة وليلة تُرجم في عصور مختلفة، وزِيد عليه في عصور مختلفة، و أول ما تُرجم عن الفارسية يحتوي على احداث في بغداد وفي عصر الخليفة الرشيد. على هذا الاساس نرى تملق المؤلفون والمترجمون في أيام الرشيد”. يضيف امين الى ذلك ان السبب الذي دفع الى اعلاء شأن الرشيد من قبل اولئك الكتاب والمترجمين وتملقهم كان ” اتقاء لما حدث لعبد الله بْن المقفع حين تَرجم كليلة ودمنة، وقد أومأ إيماءةً خفيفةً إلى ظُلم الخلفاء والحكام، وذلك بوصفه للمَلِك العادل، وما ينبغي أَنْ يكُون عليه، ونقمته على الملك الظالم، وكيف يكُون … مما دعا إلى قَتْله بتهمة الزندقة. ”

لكن احمد امين يضيف امرا اخر: “وهو أن الرشيد لَمَّا عَلِم بمترجم الكِتاب أفاض على المترجم مِن عطائه، وفهم أَنَّ هذه خير دعاية له كما تفعل بعض الهيئات السياسية من شراء بعض الجرائد بالمال، وربما يكون السببان جميعًا صحيحين.”

الجدير بالذكر ان هناك جزء اخر تم ترجمته من الف ليلة وليلة في عهد الخليفة العباسي المعتضد، وهنا ايضا اغدق المترجم بالمديح للخليفة حتى انه تم تشبيه صفاته بصفات عمَر بْن الخطاب والرشيد. ولم يختلف اليوم عن الامس حتى ان خلال عقدين من القرن المنصرم شبه المؤرخون ثلاثة الى اربعة حكام عرب مختلفون بصفات صلاح الدين الايوبي وحنكته في قيادة الامة الى النصر ضد الصليبيين واسترجاع القدس!

وصلت الامور عند البعض في ان يرفع من منزلة الحاكم الى مرحلة قريبة نوعا ما من النبوة او الامامة واعتراضهم على حب الخليفة للطرب والغناء وحتى النساء ، كما ذكر احمد امين في كتابه “حتى إنَّ بَعْض كِبَار المؤرخين — كابن خلدون — نَصَبُوا أنفُسَهم للدفاع عنْه (الرشيد) وتصويره كأنه نبي كريم لا يصحُّ أنْ يُغَنِّيَ، ولا أنْ يَشْرب، ولا أن يَزِلَّ!”.

تملق المؤرخين والموسيقيين والشخصيات الاجتماعية او السياسية هو الاخر لايعد استثناء، فمنهم الخجول في تمرير خضوعه للسلطة مثل المؤرخ الاكاديمي المرموق، او الفنان المخضرم الذي يتغنى بروعة سيده ويده الكريمة التي داوت المواجع! والمغني الاخر الذي اضاف لقب “سيد” الى اسمه ليتماشى مع الوضع الاجتماعي للبلاد في اطلاق التسميات.  ولاننسى ذكر النائبة السابقة في البرلمان ونشرها فديوهات قصيرة و تغريدات على التويتر “لتزف البشرى” برجوع الحاكم “ابو الفقراء وداعم  المحتاجين”. حتى ان البعض استبدل صوره الشخصية على الفايسبوك ليضع صورة ولي الامر سليل الاشراف.

واليوم ايضا عندما تظهر جداريات ومجسمات لشجرة عائلة الرئيس وانحدار نسبه المباشر الى الرسول الكريم او ال بيته. فما اشبه الامس باليوم!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: