الانسانية

ليث حمودي

الأيمان كلمة عظيمة المعنى فهي تعني التصديق المطلق بأمر معين سواء كان هذا الأمر عقائدي او علمي أو اي أمر آخر. والأيمان بالله وكتابه الحكيم يعني التسليم المطلق بمصداقيته من دون أدنى شك. ولهذا كان الجليل سبحانه صارما مع الأعراب الذين قالوا آمنّا فجاء الرد سريعا على لسانه جل شأنه “بل قولوا أسلمنا ولما يدخل الأيمان في قلوبكم” لأنهم لم يكونوا قد أدركوا المعنى الحقيقي للأيمان. ومن هنا فأن تصديقنا المطلق بكتاب الله يحتّم علينا التسليم بأرادته العظيمة التي أقتضت تنوع الجنس البشري لونا ولسانا واعتقادا رغم انحداره من جذر واحد. ولا يملك الأنسان العاقل المنصف ألا طاعة وأحترام هذه الأرادة الألهية العظيمة. ولعل ابرز مصاديق التسليم والطاعه لأرادة الباري جل وعلى شأنه أحترام التنوع البشري والتسليم المطلق بالآية الكريمة التي يضع فيها الحاكم العادل سبحانه جيمع سلطات الفصل والقضاء المتعلقة بالعقائد بين يديه الكريمتين فيقول وهو خير القائلين “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” ولأن الأيمان كما أسلفنا مرتبة عالية رفيعة فقد ارتبط بالأسماء الكبيرة التي ارتقت اليه بنفوس روضتها الطاعه الصادقة لله ورسوله حتى الجمت شهواتها بلجام الصبر والطاعة المطلقة. ولما ارتقت هذه النفوس الى تلك المراتب السامية, أنار الله بصيرتها ففاضت علينا بمعين حكمها وبلاغتها. ولا ريب في أن سيد البلغاء والمتكلمين وباب مدينة علم الرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو من مصاديق الأيمان الأسمى فقد ارتوى من منبعه الأم المصطفى محمد عليه وآله الصلاة والسلام. وبناء على ما تقدم فقد جاءت مقولته عليه السلام مطابقة للقرآن الكريم بصورة تامه حيث قال مخاطبا عامله على مصر مالك الأشتر (وأعلم أن الناس صنفان أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق). فذكر عامله بما ألزم الله سبحانه به عباده من وجوب قبول الآخر ومعاملته وفق اسمى مبادئ الأنسانية. وما أحوجنا نحن العراقيين في ايامنا هذه ألى أستذكار هذه الحكمة الرائعة وجعلها أولى قواعد التعامل فيما بيننا وترك ما دونها. فلو استذكرنا بعض ما جرى منذ عام 2003 وحتى الآن لأدركنا أن اعدائنا لعبوا على اوتار الطائفية البغيضة وسقوها بالحقد والكره فأثمرت دماء طاهرة بريئة ذهبت الى خالقها تشكوا ظلم الأخ والنظير ناهيك عن خراب المجتمع وتمزق اواصر وحدته التي طالما افتخر بها. يجب ان ندرك أن الدين والعقيدة والمذهب ليست سوى أمور شخصية تنسج علاقة العبد مع الله سبحانه وليس علاقته بمجتمعه لأن علاقة الفرد بمجتمعه يصنعها دوره في بناء المجتمع والنهوض به نحو مستقبل أفضل. إن نبذ الطائفية واحترام الآخرين استنادا الى انسانيتهم وعطائهم لمجتمعاتهم دون الألتفات الى دياناتهم او مذاهبهم هو اللبنة الاولى نحو اصلاح وطننا الذي نسعى لأعادة بناءه