رحلة الى سجن بغداد

بقلم احمد طاهر.

في العام 1932 ذهب الكاتب امين الريحاني في رحلة من بلده لبنان الى العراق، ومن الاماكن الكثيرة جدا التي زارها هو سجن بغداد. هذا المقال هو نقل لما كتبه الريحاني بتصرف عن زيارته الى السجن الرئيسي في العاصمة العراقية.

يقع سجن بغداد في العام 1932 امام دار الكتب العامة، قريبًا من باب المعظم.

يقول أحد مديري السجون: “إن التحسين واجب؛ لأن العقاب المقرون بالمعروف يُصلح قسمًا كبيرًا من المسجونين، أما الباقي منهم، وهم المدمنون الإجرامَ أو المطبوعون عليه —يخرجون من السجن اليوم ويعودون غدًا —فهؤلاء لا يصلحهم عقاب مهما كان من المعروف أو من القسوة في تنفيذه، فالإعدام خير لهم —خير لهم وللأمة”.

هذا جواب احد مديري سجن بغداد على سؤال ان كان  المجرم سيصلح حاله عندما يُحسن اليه في فترة محكوميته في السجن كونه سيندم على فعلته وبعد ان يخرج يكون مواطن صالح؟

كان سجن بغداد في بداية الثلاثينات من النظافة والترتيب في جميع النواحي كالتهوية والخدمات والنور وغيرها مايجعله في مصاف الفنادق التي لها شأنها ومستواها العالي.

يقول احد المسؤولين في السجن عن الاسباب “إن المطبوعين على الإجرام قليلون، وإن العدد الأكبر من المجرمين يصلحهم العقاب المقرون بالحسنى، إذن، يجب أن نحسِّن بيئة السجن —يجب أن نحسِّنها حقيقةً ومعنى، فيخرج منها السجين سليمًا في صحته وفي أخلاقه. ”

عن تأثير الدين على المحكومين يقول مدير السجن “إن للدين أثرًا يذكر في التوبة، وإن المجرمين من سواد الناس شديدو التدين”

بدأت الجولة بلقاء مدير السجن في مكتبه والذي كل قطعة اثاث فيه، من السجادة إلى المنضدة، هو صنع نزلاء السجن.

المحطة التالية كانت المشي تحت ظلال النخيل من مكتب المدير الى اصلاحية الاحداث، وفيها من الأولاد الذين تراوح سنهم بين الإحدى عشرة والثامنة عشرة سنة.ولهؤلاء الأولاد معلم يعلمهم العلوم الأولية، والرياضة البدنية. هناك نحو خمسين ولد، عشرة منهم جرمهم القتل. سُئل أحدهم عن ذنبه فأجاب فورًا: قتلت ابن جارنا في عركة، وآخر قتل دفاعًا عن عرض أخته، والثالث قتل بدون تعمد —بقضاء وقدر. أما أكثر الذنوب فهي التي تتعلق بالسرقات وبما ينجم في «العركات» من الخلل بالأمن العام،

المحطة التالية كانت مستشفى السجن بإدارة الدكتور شريف عسيران ” ذلك الرائد للشفاء والعافية في الكاظمين، والعامل في سبيل الصحة العامة والنظافة عشر سنوات. وكفى بمستشفى السجن أن يكون مديره الدكتور شريف ليكون في الأقل مثال النظام القائم بحسن الخدمة، وخير المعالجة، للجميع على السواء”.

أما في دور الصناعات فالسجناء هناك ارجلهم مكبلة بالحديد الثقيل والسلاسل بالرغم من ان اكثرهم من أصحاب الذنوب الصغيرة، السبب في تكبيل ارجلهم هو لمنعهم من الفرار.

جزء من هؤلاء السجناء يعمل في مصنع السجاد، بوجوه تغلب عليها القناعة والراحة ينسجون بابداع وجودة أنواعًا من السجاد الإيراني، التبريزي والشيرازي والكاشاني، باشراف معلم عراقي تعلم صناعة النسج في إيران. وفي دار الأنوال التي تُدار بالكهرباء ينسجون أقمشة القطن والحرير، للرجال والنساء، ليبيعها مخزن السجن بأسعار بخسة.

في مصانع الأحذية والأجربة فهي تصنع في السنة ما يسد حاجة الجيش كلها. وهناك مصانع للنجارة والحدادة والحصر وغيرها.

يعتبر امين الريحاني ماشاهده في سجن بغداد عادي ومألوف إذا قيس بمثله في سجون أميركا الحديثة، ويسأل “فهل في سجن بغداد ما يميزه عن سجون العالم المتمدن بشيء؟” يجيب الكاتب بنفسه وعلى اساس خبرته وسفره وزياراته الكثيرة الى مختلف دول العالم بقوله ” نعم، فقد لا تجد في غيره، في الشرق وفي الغرب، ما تجده فيه من الرحابة والنور والهواء الطلق. أجل إن من هذه البركات في سجن بغداد ما يكفي للتوزيع على عشرة سجون في مكان آخر، وإنك لتجد الرحبات للنور والهواء النقي حتى في السجن الداخلي المعد للمحكوم عليهم بالسجن طوال الحياة. ليس من العجب إذن ألَّا يكون للمجرمين هنا تلك الوجوه التي تَسِمَها الجرائم بمَيسم التنكُّد والتأبُّد، ليس من العجب أن يكون أكثرهم على جانب يذكر من البِشر والوداعة. إن ذنوبهم لتنحصر في الدفاع عن العرض، والثأر، والسرقات، و« العركات» التي تنجم عن تنازع في أرض أو ماء، وما أحد منهم إذا سئل عن ذنبه يكذب أو يجمجم الكلام”

اما عن المجرمات فانهن يُعامَلن بمثل ما يُعامَل المجرمون. لم يقوم الكاتب بزيارة سجن النساء ولكنه علم من الادارة ان هناك أربعين سجينة، منهن القاتلة والسارقة والزانية.

يقول الريحاني “والزانية! —ها هنا وقفت، وما كان الناصري ليحلِّي في نفسي مرارة التأمل … «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولًا بحجر» …”